في تاريخ الأمم لحظات لا تُقاس فيها قوة
الدول بما تملك من مال وسلاح، بل بما تملكه من قدرة على النظر أبعد من العاصفة.
فالدولة القوية لا تُختبر في زمن الهدوء، وإنما حين تتكسر الخرائط من حولها،
وتتبدل قواعد النظام الدولي، ويصبح القرار السياسي امتحاناً للحكمة قبل أن يكون
امتحاناً للقدرة.
ولعل المملكة العربية
السعودية تعيش اليوم
واحدة من تلك اللحظات.
خلال العقد الأخير، لم تكتفِ المملكة بإدارة
ثروتها النفطية الهائلة، بل شرعت في إعادة بناء شروط قوتها. جاءت "رؤية
2030" مشروعاً لإعادة تعريف الاقتصاد والمجتمع وموقع المملكة في العالم،
وتنويع مصادر الدخل، واستقطاب الاستثمار، وتوسيع القطاعات غير النفطية، وتحويل
الثروة من مورد إلى قوة إنتاجية واستراتيجية.
لكن الحكاية السعودية أكبر من الاقتصاد. فالرياض أعادت أيضاً صياغة
مفهومها للعلاقات الدولية. حافظت على شراكاتها التاريخية مع الولايات المتحدة
والغرب، لكنها فتحت أبوابها على الشرق، وطورت علاقاتها مع الصين وروسيا والهند
وآسيا، في محاولة لبناء شبكة واسعة من الخيارات لا تجعل القرار السعودي أسير محور
واحد.
وهذه إحدى علامات القوة في عالم مضطرب: أن
تعرف الدولة مصالحها قبل أن تعرف اصطفافاتها. فالدولة الواثقة لا تحتاج
إلى خصومة مجانية لتثبت استقلالها، ولا إلى تبعية مجانية لتثبت صداقتها. إنها
تتعامل مع العالم كما هو، لا كما تتمنى أن يكون.
الحكاية السعودية أكبر من الاقتصاد. فالرياض أعادت أيضاً صياغة مفهومها للعلاقات الدولية. حافظت على شراكاتها التاريخية مع الولايات المتحدة والغرب، لكنها فتحت أبوابها على الشرق، وطورت علاقاتها مع الصين وروسيا والهند وآسيا، في محاولة لبناء شبكة واسعة من الخيارات لا تجعل القرار السعودي أسير محور واحد.
وقد جاءت التحولات الكبرى في المنطقة لتؤكد
أهمية هذا النهج. فالشرق الأوسط لا يعيش
أزمة عابرة، وإنما يمر بمرحلة إعادة تشكيل تاريخية. حرب الإبادة في غزة تركت جرحاً
عميقاً في الوجدان العربي والإسلامي، وأعادت القضية الفلسطينية إلى قلب الصراع
الإقليمي والدولي، فيما جاءت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران لتفتح فصلاً
أخطر في تاريخ المنطقة الحديث.
فالحرب لم تبقَ مواجهة بين واشنطن وتل أبيب
وطهران، بل امتدت آثارها إلى الخليج وأمن الطاقة والممرات البحرية والاقتصادات
الإقليمية. وبعد ستة أشهر من اندلاعها، ما تزال تداعياتها تعيد رسم خرائط التجارة
والطاقة والأمن في المنطقة.
وفي قلب هذه العاصفة تقف السعودية. لم تكن الرياض هي التي
اختارت الحرب، لكنها تعرف أن آثارها لا يمكن أن تتوقف عند حدود الدول المتحاربة.
ولذلك جمعت بين حماية أمنها، وتعزيز قدراتها الدفاعية، والإبقاء على أبواب
الدبلوماسية مفتوحة. فالقوة ليست أن تدخل كل حرب، وإنما أن تعرف أي حرب يجب أن تمنعها.
ومن هنا يكتسب اتفاق مكة للدفاع المشترك بين
السعودية وتركيا وباكستان دلالة تتجاوز بنوده المباشرة. فالتحالف الذي وُقع في مكة
في السابع من أغسطس 2026 يجمع ثلاث دول ذات أوزان استراتيجية مختلفة، وينص على
اعتبار الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، بما يعزز
مفهوم الردع الجماعي والتنسيق الدفاعي.
السعودية بثقلها الاقتصادي ومكانتها العربية
والإسلامية، وتركيا بثقلها العسكري والصناعي وموقعها الجيوسياسي، وباكستان
بقدراتها العسكرية والاستراتيجية ومكانتها في العالم الإسلامي.
ولم يبق الاتفاق في حدود الصورة الرمزية؛
فقد أعلنت الدول الثلاث في 31 أغسطس إنشاء أمانة له في السعودية، بما يمنحه بعداً
مؤسسياً قابلاً للتطور والاستمرار.
والأهم أن الاتفاق، بحسب الأطراف الموقعة،
ذو طبيعة دفاعية، ولا يستهدف دولة بعينها، كما أنه لا يلغي التحالفات القائمة. وهنا تتضح فلسفة سعودية
تستحق التأمل: أن تبني الردع من دون أن تجعل الحرب غايتها، وأن توسع الشراكات من
دون أن تحولها إلى محاور مغلقة. أن تكون قوية بما يكفي للدفاع عن نفسها، ومرنة بما يكفي لإبقاء أبواب
الدبلوماسية مفتوحة.
لكن هناك معركة أخرى خاضتها المملكة بهدوء،
وربما كانت أعمق من كثير من المعارك الخارجية. إنها معركة الهوية. فالسعودية ليست
دولة عادية في التاريخ الإسلامي. إنها بلاد الحرمين، ومهد الدولة السعودية، وموطن
إرث ديني وحضاري عميق. وكان السؤال الصعب: كيف تدخل المملكة المستقبل من دون أن تقطع جذورها؟
كان يمكن أن يتحول الماضي إلى قيد يمنع
المستقبل، أو أن يتحول المستقبل إلى ذريعة لاقتلاع الماضي. لكن الطريق الأصعب كان
الطريق الثالث: ثوابت لا تُلغى، ومتغيرات لا تُنكر. وهذا هو جوهر الاعتدال
الحقيقي. فالأصالة ليست حرباً على الحداثة، والحداثة ليست قطيعة مع الأصالة.
والدولة الواثقة تستطيع أن تغير ما يحتاج إلى تغيير، وتحفظ ما يستحق أن يبقى.
وهنا يبدو التحول السعودي خلال السنوات
الماضية أكثر من مجرد تغيير اقتصادي أو اجتماعي؛ إنه محاولة لإعادة بناء علاقة
متوازنة بين الجذور والمستقبل، وبين الهوية والانفتاح، وبين الخصوصية والتواصل مع
العالم.
لكن كل قوة، حين تبلغ مرحلة معينة، تواجه
السؤال الأصعب: ماذا تفعل الدولة بقوتها؟ وهنا
تأتي الفكرة التي أطرحها بكل الاحترام للمملكة وقيادتها وشعبها. لماذا لا تكون
السعودية صاحبة مبادرة عربية تاريخية للمصالحة؟
ليس المقصود التدخل في شؤون الدول، ولا فرض
نموذج سياسي على أحد، ولا تجاوز حق الحكومات في حماية أمنها. بل المقصود أن تستخدم
الرياض مكانتها وثقلها في تشجيع مرحلة عربية جديدة، عنوانها المصالحات، وفتح
الأبواب أمام أصحاب الفكر والرأي الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء، وإعادة بناء
الثقة بين الدولة والمجتمع.
فالمنطقة العربية مثقلة منذ عقود بالسجون
والمنافي والخصومات السياسية. وهناك أجيال كاملة عاشت وهي ترى أبناءها وأصدقاءها
بين القضبان، أو خارج أوطانهم، بسبب مواقف سياسية أو أفكار لم تحمل في ذاتها
سلاحاً ولا دماً.
أليس ممكناً أن يبدأ فصل جديد؟ أن تقول
الدول العربية إن الأمن لا يعني بالضرورة إقصاء كل مختلف، وإن الدولة القوية
تستطيع أن تتسع للمعارضة السلمية، وإن صاحب
الرأي ليس بالضرورة عدواً، وإن
المصالحة ليست هزيمة؟
التاريخ يقول نعم. ففي المغرب، مثّلت
المصالحات السياسية في مراحل مختلفة جسراً من سنوات التوتر إلى المشاركة السياسية.
وفي إسبانيا، احتاج الانتقال بعد فرانكو إلى تسويات بين خصوم الأمس كي تبدأ مرحلة
جديدة. وفي جنوب أفريقيا، أصبحت المصالحة جسراً للعبور من زمن الصراع إلى زمن الدولة
الجامعة.
وفي التاريخ الإسلامي، ظلت معاني العفو
والإصلاح وتأليف القلوب وإطفاء الفتن من أرفع أبواب السياسة حين تكون الغاية حفظ
الجماعة وصيانة الدولة والمجتمع.
أما المملكة نفسها، فإن تاريخ تأسيسها يحمل
معنى شديد الصلة بهذه الفكرة: الانتقال من التفرق إلى الاجتماع، ومن تنازع
الولاءات إلى وحدة الدولة. ومن هنا فإن المصالحة ليست غريبة عن بلاد الحرمين. بل يمكن أن تكون امتداداً
لمعنى تاريخي راسخ فيها: جمع الناس بعد الفرقة.
السعودية، بما تمتلكه من رصيد ديني وتاريخي، وبما راكمته خلال العقد الأخير من قوة وثقة ومكانة، تملك ما هو أعمق من منطق أبي فراس: تملك تراثاً من قيم العفو والصفح والإصلاح، ومن معاني الجوار والتعايش وتأليف القلوب، وهي قيم تتصل بجوهر الرسالة التي احتضنت أرضها أقدس مقدسات المسلمين.
إن السعودية التي بنت خلال عقد قوة اقتصادية
واستراتيجية ودبلوماسية، تستطيع أن تضيف إلى هذه القوة بعداً جديداً: قوة التأليف. فالمصالحة العربية اليوم
ليست ترفاً أخلاقياً، بل يمكن أن تصبح جزءاً من الأمن القومي العربي.
بعد غزة، وبعد الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية
على إيران، وبعد كل ما كشفته السنوات الأخيرة من هشاشة النظام الإقليمي، تحتاج
الدول العربية إلى مزيد من التماسك الداخلي، لا إلى مزيد من السجون والمنافي
والخصومات المفتوحة.
وبالطبع، لا تعني المصالحة التساهل مع
الإرهاب أو الجرائم الدموية أو حمل السلاح ضد الأبرياء. فالعدل يقتضي محاسبة من
ارتكب الجريمة. لكن العدالة نفسها تقتضي ألا يُعامل صاحب الرأي السلمي معاملة من
حمل السلاح.
وهنا يمكن أن تقدم السعودية نموذجاً مختلفاً
للقوة: دولة قوية بما يكفي لكي لا تخاف من الاختلاف، وواثقة بما يكفي لكي تفتح
أبواب الصفح.
ولعل أجمل ما يمكن أن تختم به السعودية هذا
الفصل من صعودها أن تستعيد رصيدها التاريخي والديني في العفو والتسامح والتعايش؛
ذلك الرصيد الذي يجعلها، بحكم مكانتها في بلاد الحرمين، أقدر من كثيرين على تحويل
القوة إلى فضيلة، والانتصار إلى مصالحة، والاختلاف إلى مساحة للعيش المشترك.
في تراث العرب بيت شهير لأبي فراس الحمداني
يلخص فلسفة أخرى للقوة:
نحن قومٌ لا توسُّطَ بيننا
لنا الصدرُ دونَ العالمين أو القبرُ
وهو بيت بديع في مقام الفروسية، لكنه ليس
بالضرورة أفقاً صالحاً لسياسة الدول في القرن الحادي والعشرين. فالدولة الحديثة لا
تحتاج دائماً إلى أن تختار بين "الصدر" و"القبر"، بل تستطيع
أن تفتح طريقاً ثالثاً: أن تجعل الصدر أوسع، وأن تجعل القبر آخر الخيارات لا أولها.
والسعودية، بما تمتلكه من رصيد ديني
وتاريخي، وبما راكمته خلال العقد الأخير من قوة وثقة ومكانة، تملك ما هو أعمق من
منطق أبي فراس: تملك تراثاً من قيم العفو والصفح والإصلاح، ومن معاني الجوار
والتعايش وتأليف القلوب، وهي قيم تتصل بجوهر الرسالة التي احتضنت أرضها أقدس
مقدسات المسلمين.
ومن هنا، فإن مبادرة سعودية للمصالحة
العربية لن تكون خروجاً عن تاريخ المملكة، بل عودة إلى واحد من أنبل معانيه؛ ولن
تكون تنازلاً عن القوة، بل إعلاناً عن بلوغها مرحلة النضج.
فالقوة في بداياتها تقول: إياك أن تقترب.
أما القوة حين تستوي على عرش الحكمة فتقول: تعال، فلنجد معاً طريقاً للعيش. وهذا
هو الفارق بين دولة تريد أن تنتصر على خصومها، ودولة تستطيع أن تنتصر على الخصومة
نفسها.
وربما كان هذا هو الدور التاريخي الذي ينتظر
السعودية في المرحلة المقبلة: أن تجعل من مكانتها الاقتصادية والاستراتيجية
والدينية جسراً إلى مصالحة عربية واسعة، تفتح أبواب السجون أمام أصحاب الرأي الذين
لم تتلوث أيديهم بالدم، وتعيد المنفيين إلى أوطانهم، وتمنح المختلفين فرصة لأن
يصبحوا شركاء في بناء المستقبل.
فإذا كانت المملكة قد أثبتت خلال العقد
الماضي أن لديها القدرة على بناء القوة، فإن التحدي الأجمل هو أن تثبت أن لديها
حكمة استخدامها.
وفي زمن تتقاطع فيه نار غزة مع نار إيران،
وتتغير فيه خرائط القوة، وتُعاد فيه كتابة قواعد الأمن الإقليمي، قد يكون أجمل ما
تقدمه بلاد الحرمين لأمتها ليس تحالفاً جديداً ولا مشروعاً اقتصادياً جديداً فحسب،
وإنما فكرة أقدم وأعمق: أن الأمة التي تعرف كيف تصالح أبناءها، تكون
أقدر على مواجهة العالم. فالسعودية التي استطاعت أن تبني القوة، تستطيع أن تبني
حولها السلام.. تلك هي
القوة حين تبلغ سنّ الحكمة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.