قبل أيام في مقابلة تلفزيونية أثارت جدلاً
واسعاً، وجد روبرت لَوْ،
النائب البرلماني وزعيم حزب "استعادة
بريطانيا" Restore Britain، نفسه أمام
سؤال بسيط لكنه شديد الإحراج: هل يعتبر الملك تشارلز الثالث "بريطانياً أبيض"
وفق التعريف الذي يستند إليه في تحذيراته من أن البريطانيين البيض سيصبحون أقلية
في البلاد بحلول عام 2063؟
السؤال الذي طرحه مقدم برنامج
"توداي" على هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، نيك
روبنسون، لم يكن مجرد تفصيل لغوي. فقد أشار إلى أن التقرير الذي يستند إليه لَوْ
في حديثه عن مستقبل التركيبة السكانية البريطانية يستخدم تعريفاً محدداً
لـ«البريطاني الأبيض»: شخص وُلد والداه كلاهما في المملكة المتحدة.
وهنا تظهر المفارقة. فوالد الملك تشارلز
الثالث، الأمير فيليب، وُلد في جزيرة كورفو اليونانية. ولذلك سأل روبنسون لَوْ
بوضوح: وفق التعريف الذي يستند إليه تقريرك، الملك تشارلز نفسه لا يصنَّف "بريطانياً
أبيض".. فهل تعتبره كذلك؟
لكن لَوْ لم يجب، واكتفى بالقول إن "للناس
تفسيرات مختلفة" وإن المسألة ربما تكون مجرد "تدقيق في التفاصيل".
لكن المشكلة ليست في التفاصيل وحدها. إنها
في المنطق السياسي الذي يُبنى على تعريفات ديموغرافية صارمة عندما تُستخدم للتحذير
من "اختفاء" الأغلبية، ثم تصبح هذه التعريفات نفسها قابلة للتأويل عندما
تصل إلى شخصية تحظى بمكانة استثنائية داخل الدولة البريطانية.
ابن السياسي المناهض للإسلام يتزوج من ليبية
مسلمة؟
روبرت لَوْ ليس سياسياً بريطانياً عابراً. فالرجل، وهو مصرفي ورجل أعمال ورئيس سابق لنادي ساوثهامبتون لكرة القدم، دخل البرلمان عام 2024 نائباً عن حزب "ًإصلاح بريطانيا"(Reform UK) عن دائرة غريت يارموث.
المفارقة مع لَوْ لم تتوقف عند مقابلة
"بي بي سي"، فبالتزامن مع هذا الحوار كان زعيم حزب "استعادة
بريطانيا" تعهد في فيديو بثه على حساباته على مواقع التواصل بمواجهة ما وصفه
بـ"أسلمة بريطانيا" ومنع مظاهر إسلامية، قائلا إن البلاد "مسيحية".
وهذا الموقف ليس جديدا منه، فهو يهاجم
الإسلام والمسلمين بمناسبة وبدون مناسبة، لكن في هجومه مفارقة كبيرة، ففي مايو
الماضي فقط د تداولت وسائل إعلام وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تقارير عن
زواج أنغوس لَوْ، نجل روبرت لَوْ، من ياسمين مزران، وهي مسلمة من أصول ليبية وابنة
الأكاديمي الليبي-الإيطالي كريم مزران.
ولم تتمكن بعض التقارير التي تناولت القصة
من التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل الزواج، إلا أن منشورات على مواقع التواصل
الاجتماعي، بينها إعادة نشر من حساب كريم مزران، أشارت إلى إقامة الزواج.
والأكثر إثارة للجدل كان الحديث عن توفير
خيارات طعام حلال للضيوف في حفل الاستقبال، في وقت جعل فيه روبرت لَوْ نفسه من حظر
الذبح الحلال للمسلمين والكوشر لليهود جزءاً من برنامجه السياسي.
هذه المفارقة دفعت خصومه إلى اتهامه بالنفاق
السياسي، فيما ذهبت حسابات من اليمين المتطرف إلى حد مهاجمته واعتباره «خائناً»
للقضية التي يدافع عنها.
أما لَوْ، فقد أعلن عن الزواج بصورة غير
مباشرة، ناشراً صورة للعروسين وكتب أنه "أب فخور جداً" بالشاب الذي يبدأ
مغامرة حياته. ولم يكشف في منشوره عن هوية العروس أو
خلفيتها.
من هو الصهر المسلم كريم مزران؟
القصة تصبح أكثر دلالة بالنظر إلى خلفية
والد العروس. فكريم مزران أكاديمي ومحلل متخصص في شؤون
شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وشغل في العقد الأول من القرن الحالي منصب الأمين
العام لجمعية المثقفين المسلمين الإيطاليين.
وفي كتاباته، دافع مزران عن نموذج من اندماج
المسلمين داخل المجتمعات الأوروبية يقوم على الحقوق والواجبات المتبادلة، معتبراً
أن المسلمين في إيطاليا يحتاجون إلى إطار قانوني واضح ينظم علاقتهم بالدولة.
كما انتقد مخاطر التحيز والخوف من المسلمين،
ودعا إلى نموذج من التعددية والتسامح يتوافق مع المبادئ الدستورية الإيطالية.
وفي عام 2022، حذر مزران من أن الخطاب
القومي المتشدد في إيطاليا قد يضر بعلاقات روما مع الدول العربية إذا أدى إلى
تهميش العرب والمسلمين داخل البلاد.
كما تناول في كتاباته الإسلام السياسي في
ليبيا بينهم تيار "الإخوان المسلمون"، الذين قال عنهم إنهم "لا
ينطبق عليهم النمط السائد للإسلاميين التقليديين من ذوي اللحى أو المنقبات".
ودعا في وقت سابق إلى إمكانية التعاون بين التيارات الليبرالية والمحافظة دينياً،
رافضاً اختزال الإسلاميين في الصور النمطية التي كثيراً ما تستخدمها الخطابات
الشعبوية الأوروبية.
في أبريل 2025، وعقب وفاة البابا فرانسيس،
أشاد به ميزران لموقفه الصريح والداعم للقضية الفلسطينية، بما في ذلك إلقاء العديد
من الخطب حول غزة وإجراء اتصالات شبه يومية مع القادة المسيحيين في القطاع طوال
فترة الحرب.
وكتب مزران: "لقد تسببت المجزرة
الوحشية التي ارتكبتها الجيش الإسرائيلي بحق السكان الفلسطينيين في قطاع غزة
-والتي وقعت في أواخر عهده البابوي- في إشعاره بحزن وألم عميقين وعلنيين".
ويعمل مزران حالياً مديراً لمبادرة شمال
أفريقيا وزميلاً أول مقيماً في مركز رفيق الحريري وبرامج الشرق الأوسط التابع
للمجلس الأطلسي.
عندما يتمدد المتشدد!
روبرت لَوْ ليس سياسياً بريطانياً عابراً. فالرجل، وهو مصرفي ورجل
أعمال ورئيس سابق لنادي ساوثهامبتون لكرة القدم، دخل البرلمان عام 2024 نائباً عن
حزب "ًإصلاح بريطانيا"(Reform
UK) عن دائرة غريت يارموث.
لكن علاقته بالحزب انتهت بخلاف حاد مع زعيم
الحزب نايجل فاراج، بعد طرده من الحزب واتهامه بالتنمر وإساءة سلطته، قبل أن يؤسس
مشروعه السياسي الخاص "استعادة بريطانيا" Restore Britain، الذي بدأ كحركة ضغط ثم تحول إلى حزب سياسي
في فبراير/شباط من هذا العام.
ويُنظر إلى حزب روبرت لَوْ باعتباره أكثر
تشدداً من نايجل فاراج، مع مواقف تشمل الدعوة إلى ترحيل من لا يملكون وضعاً
قانونياً في بريطانيا، وإعادة عقوبة الإعدام، وحظر الذبح الحلال والكوشر.
كما حصل الحزب على دعم شخصيات وجماعات من
اليمين المتطرف والقومي الإثني في بريطانيا، من بينها الناشط المناهض للإسلام،
خريج السجون من مثيري الشغب (الهوليغنز) تومي روبنسون.
كما أيد أغنى رجل في العالم إيلون ماسك
الحزب بالمال وبالترويج لحسابات لَوْ وحركته على منصته "إكس"، التي
راكمت أكثر من مليون متابع مجتمعة.
ولا يقل ماسك عنصرية ومعاداة للإسلام من
روبرت لَوْ وروبنسون، كما أكد ذلك مرة أخرى مؤخرا في حوار مع مجلة
"إيكونوميست" البريطانية.
هوس الإسلاموفوبيا
على موقع حزبه، يختزل لَوْ رؤيته لبريطانيا
في سردية قاتمة: هجرة جماعية، وانهيار اقتصادي، و"أيديولوجيا "ووك"
(اليقظة)" وتنامٍ مستمر لما يسميه "الإسلام الراديكالي". لكن خطاب النائب لا يتوقف عند انتقاد سياسات
الهجرة.
فقد اتهم الإسلام بأن له "نفوذاً
متزايداً" في بريطانيا، وكرر مزاعم حول وجود "إسلام سياسي" واسع
الانتشار، كما تحدث عن وجود أكثر من 85 محكمة شرعية، وهي مزاعم تعرضت لانتقادات
بسبب طبيعتها المضللة أو غير الدقيقة. كما يقول إن الإسلام يحظى بـ "امتيازات
خاصة" في بريطانيا.
ربما لا تكمن المشكلة في أن ابن روبرت لَوْ تزوج امرأة مسلمة من أصول ليبية، ولا في أن طعاماً حلالاً قُدّم في حفل زفاف. الحياة الخاصة أكثر تعقيداً من الشعارات السياسية. المشكلة الحقيقية هي أن السياسة التي تجعل من الهوية العرقية والدينية محوراً للصراع العام تواجه، عاجلاً أم آجلاً، اختبار الواقع.
وفي ملف الذبح الحلال والكوشر، تعهد لَوْ
بإنهاء هذه الممارسات، واصفاً إياها بأنها "قاسية ووحشية"، في حين لا
يطرح الخطاب نفسه بالحدة ذاتها عند الحديث عن طرق الذبح الأخرى.
أما تجاه المهاجرين، فقد دعا إلى ترحيل
أجانب لا يتحدثون الإنجليزية، أو من يصفهم بأنهم يرفضون العمل ويعتمدون على
المساعدات.
وفي العام الماضي، أثار غضباً واسعاً عندما
اقترح وضع المهاجرين غير النظاميين وطالبي اللجوء في معسكرات احتجاز على جزر قبالة
سواحل إنجلترا واسكتلندا، مع توفير الحد الأدنى من الطعام، وترك الظروف الطبيعية "تتكفل
بالباقي".
السؤال الذي يكشف أكثر مما يجيب
في النهاية، قد تكون قصة روبرت لَوْ أكثر من
مجرد زلة تلفزيونية أو مفارقة عائلية. فالرجل يبني جزءاً كبيراً من خطابه السياسي
على سؤال الهوية: من هو البريطاني؟ ومن يحق له أن ينتمي؟ ومن سيصبح أقلية؟ ومن يجب
أن يغادر؟
لكن عندما طُلب منه تطبيق أحد التعريفات
الديموغرافية التي يستند إليها على الملك نفسه، تراجع إلى منطقة رمادية من "التفسيرات
المختلفة» و«تدقيق التفاصيل". وهنا تكمن المفارقة السياسية الأهم.
فإذا كانت الهوية البريطانية تُقاس بدقة
بمكان ولادة الأب والأم، فإن السؤال يصبح: أين تبدأ "بريطانيا البيضاء"
وأين تنتهي؟
وإذا كانت القواعد قابلة للتأويل عندما
يتعلق الأمر بالملك، أو بالعائلة، أو بالحياة الخاصة، فلماذا تصبح صارمة عندما
يتعلق الأمر بالمهاجرين والمسلمين؟
ربما لا تكمن المشكلة في أن ابن روبرت لَوْ
تزوج امرأة مسلمة من أصول ليبية، ولا في أن طعاماً حلالاً قُدّم في حفل زفاف.
الحياة الخاصة أكثر تعقيداً من الشعارات السياسية. المشكلة الحقيقية هي أن السياسة التي تجعل
من الهوية العرقية والدينية محوراً للصراع العام تواجه، عاجلاً أم آجلاً، اختبار
الواقع.
وعندما يصبح الواقع أكثر تعقيداً من الشعار،
يبدأ السياسي في الحديث عن "اختلاف التفسيرات" و"التدقيق في
التفاصيل".
وهذا بالضبط ما حدث أمام كاميرات
الـ"بي بي سي".
*كاتب جزائري مقيم في لندن
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.