هناك لحظات في حياة الدول تكون فيها الأرقام
أكثر بلاغة من الخطب الرسمية، وأكثر صدقًا من البيانات السياسية. والانتخابات
التشريعية
الجزائرية الأخيرة واحدة من تلك اللحظات. نسبة المقاطعة الشعبية لها
قاربت الـ80 بالمئة، في الداخل وبنحو 90 بالمئة في الخارج.. نسبة هي الأعلى في
تاريخ البلاد برسالة سياسية هادئة، لكنها شديدة الوضوح، اختار ملايين الجزائريين
أن يوجهوها إلى السلطة بطريقة حضارية وسلمية.. إنه شكل آخر من أشكال التعبير
السياسي..
حراك شعبي صامت متواصل بعد قمع الحراك الشعبي السلمي الذي اندلع في شباط
/ فبراير 2019.. حراك برسائل مقاطعة واضحة للنظام بدءا من
انتخابات 12/12/ 2019
الرئاسية التي فرضها وفرض نتائجها رئيس أركان الجيش الراحل الفريق أحمد قايد صالح،
بينما قاطعها الحراك بنسبة تفوق الستين بالمئة (نسبة مشاركة بأرقام السلطة بلغت 39
بالمئة) ورفع شعار "ماكانش انتخابات مع العصابات".
تواصلت المقاطعة الشعبية في استفتاء تعديل
الدستور الذي طرحه تبون في 1 نوفمبر 2020، حيث بلغت نسبة المشاركة 23 بالمئة.
تكررت نفس النسبة (23 بالمئة) في أول انتخابات تشريعية في عهد تبون، في يونيو
(جوان) 2021. المفارقة أنه وردا على هذه النسبة صرح الرئيس تبون حينها أن
"نسبة المشاركة لا تهمه"!
نتائج تشريعيات 2026 تقرع أجراس الخطر مجددا.. والتاريخ السياسي يعلمنا أن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأنظمة ليس مواجهة معارضة صاخبة قد تقمعها كما حدث مع الحراك الشعبي، وإنما الوقوع في وهم أن صمت المجتمع بالقمع يعني رضاه.. ب
في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في سبتمبر
2024، التي فاز فيها تبون بعهدة ثانية، أعلن رئيس سلطة مراقبة الانتخابات محمد
شرفي نسبة مشاركة بـ26 بالمئة، ثم نفخها لاحقا بقدرة قادر إلى 46 بالمئة، كما تم
نفخ نسبة التصويت لصالح تبون إلى أكثر من 94 بالمئة!
نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية
الثانية في عهد تبون في 2 يوليو (تموز) 2026 تراجعت إلى 21.24 بالمئة. فقد أعلنت
السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن الهيئة الناخبة داخل الوطن بلغت 23 مليونا
و872 ألفا و756 ناخبا، بينما بلغ عدد المصوتين 5 ملايين و71 ألفا و20 ناخبا. وكان
رئيس السلطة الوطنية للانتخابات بالنيابة أعلن أن نسبة المشاركة الأولية بلغت
20.79 بالمائة.
أما بالنسبة للجالية الوطنية بالخارج، فقد
بلغ عدد المسجلين في القوائم الانتخابية 854 ألفا و285 ناخبا، في حين أدلى
بأصواتهم 81 ألفا و91 ناخبا، بنسبة مشاركة بلغت 10.75 بالمائة.
وبحسب الأرقام الرسمية، بلغ عدد الأوراق
الملغاة داخل الوطن 910 آلاف و230 ورقة، إضافة إلى 1095 صوتا متنازعا فيه، فيما
بلغ عدد الأصوات المعبر عنها 4 ملايين و160 ألفا و790 صوتا. أما خارج الوطن، فسجلت
12 ألفا و630 ورقة ملغاة و46 صوتا متنازعا فيه، مقابل 79 ألفا و180 صوتا معبرا عنه.
وفي تصريح له، عقب إدلائه بصوته ببوشاوي غرب
العاصمة، أكد الرئيس تبون، أن الانتخابات تجري في ظروف جيدة "تبعث على
التفاؤل"، مشددا على أن "مرحلة الكوتا والمساس بصوت الشعب في الانتخابات
قد انتهت". ويقصد بالكوتا تحديد حصص من يفوز بالانتخابات سلفا وهي ممارسة
يعتقد أنها كانت شائعة في الفترة السابقة.
وقال تبون إن الجزائريين "متيقنون بأن
مرحلة الكوتا والمساس بصوت الشعب في الانتخابات قد انتهت"، مضيفا أنه خلال
هذا الاستحقاق "لم نسمع أي مترشح أو حزب يشتكي من التزوير ولا من سرقة
الأصوات"، معتبرا أن تطبيق القانون أصبح يجعل "أي شخص يعيد التفكير جيدا
قبل خرقه".
كما أكد أن البرلمان الجديد سيكون
"خاليا من كل الشبهات"، موضحا أن المؤسسة التشريعية تعد من بين المؤسسات
الدستورية التي ترافق مسيرة البلاد سياسيا واقتصاديا وفي مختلف المجالات.
وفي رسالته في الذكرى الـ64 للاستقلال (5
يوليو (جويلية) 1962) عاد تبون للقول "إنني، ونحن نعيش أجواء إحياء هذه
الذكرى الخالدة المصادفة لمجريات استحقاق دستوري هام في مسار بناء الديمقراطية
الحقة، أنوه في هذه المناسبة بالجهود المبذولة لإحاطة الانتخابات التشريعية التي
جرت قبل يومين بأسباب النجاح وساهمت في إضفاء التنافس الديمقراطي النزيه على
الحملة الانتخابية".
تحمل نسبة المقاطعة الشعبية بـنحو 80
بالمئة، وهي الأكبر في تاريخ البلاد في ذكرى الاستقلال أكثر من رمزية ورسالة درس
وعبرة، فعندما يختار ما يقارب أربعة أخماس الهيئة الناخبة عدم المشاركة، فإن
الأزمة تصبح أزمة ثقة سياسية وليست مجرد أزمة تنظيم انتخابي، ورسالة رفض لمنظومة
الحكم بأكملها.
الأخطر من الرقم نفسه هو طريقة التعامل معه.
فبدل أن تتعامل السلطة مع هذه النسبة باعتبارها جرس إنذار يستدعي مراجعة هادئة
وصريحة، بدا الخطاب الرسمي وكأنه يبحث عن تفسيرات تخفف من وقعها. فقد اعتبر رئيس
السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان أن العزوف عن التصويت
ظاهرة عالمية موجودة حتى في الديمقراطيات الغربية.
غير أن هذا التبرير يبدو قاصرًا، لأن
المقارنة لا تكون بوجود ظاهرة العزوف في حد ذاتها، وإنما بحجمها. فالديمقراطيات
الغربية تعرف بالفعل نسبًا متفاوتة من الامتناع عن التصويت، لكنها تعرف أيضًا انتخابات
تشريعية تتجاوز فيها المشاركة في كثير من الأحيان ستين أو سبعين أو حتى ثمانين
بالمائة، بينما تتراجع في الجزائر إلى الخمس فقط. إن الفرق بين الحالتين ليس فرقًا
في الأرقام فحسب، بل في طبيعة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات السياسية.
التاريخ يقدم دروسًا بليغة لا ينبغي تجاهلها: عندما يبعث المجتمع برسالة متكررة، فإن الحكمة تقتضي الإصغاء إليها لا البحث عن مبررات لتجاوزها. فالمشكلة لا تُحل بإنكارها، ولا بتخفيف وقعها، ولا بإلقاء مسؤوليتها على الآخرين، بكل مخاطر ذلك على البلاد والعباد، بل بالاعتراف أولًا بأن هناك أزمة حقيقية تستدعي حلولًا سياسية عميقة، وليس تضييع الفرص التاريخية لتغيير يليق بالجزائر وبرأسمالها التاريخي والشعبي وبقدراتها وخيراتها.. لقد حان الوقت .. والوقت.. والتاريخ لا يرحم!
قبل ذلك وبعده وفي ما بدا تكليفا واضحا
بمهمة من أصحاب القرار في السلطة، قامت أذرع إعلامية جزائرية بـ"مسح الموس
(السكين)" بالتعبير الشعبي الجزائري وتحميل مسؤولية المقاطعة الشعبية للأحزاب
المشاركة في الانتخابات، سواء الموالية أو المعارضة. نعم تتحمل هذه "الأدوات
السياسية" نصيبًا من المسؤولية بسبب ضعف حضورها الشعبي، وافتقار كثير منها
إلى برامج قادرة على تعبئة الناخبين، لكن اختزال عزوف ملايين الجزائريين في
الأحزاب يعد إنكارا للواقع وتنكرا للوقائع.. فرسالة المقاطعة الشعبية واضحة وهي
موجهة إلى النظام السياسي بأكمله، وليس إلى الأحزاب وحدها.
قد يختلف الناس في تفسير دوافع المقاطعة،
فمنهم من يرى أنها تعبير عن فقدان الثقة، ومنهم من يعتبرها احتجاجًا صامتًا، ومنهم
من يربطها بالإحباط الاقتصادي أو بعدم اقتناع المواطنين بقدرة البرلمان على
التأثير في القرارات الكبرى. لكن، مهما اختلفت التفسيرات، فإن النتيجة واحدة: نحو
20 مليون ناخب جزائري قرروا أن يعبروا عن موقفهم ليس عبر الشارع كما حدث سنة 2019،
وإنما عبر الغياب عن صناديق الاقتراع. وإذا كان الحراك الشعبي قد رفع شعاراته في
الساحات، فإن هذه المقاطعة الواسعة يمكن قراءتها باعتبارها امتدادًا سلميًا لذلك المزاج
الشعبي، لكنها اتخذت هذه المرة شكل الصمت بدل الهتاف، والامتناع بدل التظاهر. إنها
رسالة أقل ضجيجًا، لكنها لا تقل دلالة.
أية شرعية لبرلمان ومنظومة الـ20 بالمئة في
الداخل والـ10 بالمئة في الخارج بأرقام السلطة نفسها، بينما بحساب الأوراق الملغاة
التي تفوق في المجموع المليون من 5 ملايين من هيئة ناخبة بنحو 24 مليونا) خاصة في
مرحلة تحتاج فيها الجزائر إلى جبهة داخلية موحدة وقوية لمواجهة مخاطر اقتصادية
واجتماعية وإقليمية ودولية معقدة.
نتائج تشريعيات 2026 تقرع أجراس الخطر
مجددا.. والتاريخ السياسي يعلمنا أن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأنظمة ليس مواجهة
معارضة صاخبة قد تقمعها كما حدث مع الحراك الشعبي، وإنما الوقوع في وهم أن صمت
المجتمع بالقمع يعني رضاه.. بينما في الحقيقة نسبة المقاطعة تعكس الرفض واتساع
الفجوة بين السلطة والمجتمع. لم يكن الخطر في انخفاض نسبة المشاركة في حد ذاته، بل
في تجاهل دلالاتها السياسية والاكتفاء بالاحتفاء بنتائج الانتخابات وتوزيع المقاعد
مثل توزيع الريع على زبائن النظام.
التاريخ يقدم دروسًا بليغة لا ينبغي
تجاهلها: عندما يبعث المجتمع برسالة متكررة، فإن الحكمة تقتضي الإصغاء إليها لا
البحث عن مبررات لتجاوزها. فالمشكلة لا تُحل بإنكارها، ولا بتخفيف وقعها، ولا
بإلقاء مسؤوليتها على الآخرين، بكل مخاطر ذلك على البلاد والعباد، بل بالاعتراف
أولًا بأن هناك أزمة حقيقية تستدعي حلولًا سياسية عميقة، وليس تضييع الفرص
التاريخية لتغيير يليق بالجزائر وبرأسمالها التاريخي والشعبي وبقدراتها وخيراتها..
لقد حان الوقت .. والوقت.. والتاريخ لا يرحم!
*كاتب جزائري
مقيم في لندن
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.