هناك أخبار تثير الضجيج لساعات ثم تختفي،
وهناك أخبار أخرى ينبغي أن تهز ضمير البشرية بأكملها، لكنها تمر بصمت يكاد يكون
تواطؤًا. ما تكشفه
التحقيقات الجارية في إيطاليا حول ما سُمّي بـ"سفاري
سراييفو" من أثرياء من عدة دول غربية لقتل مسلمي البوسنة المحاصرين بين 1992
–1996 ينتمي إلى الفئة الثانية؛ ليس لأنه يكشف جريمة حرب جديدة فحسب، بل لأنه يطرح
سؤالًا مرعبًا: إلى أي حد يمكن أن ينحدر الإنسان عندما تتحول حياة البشر إلى لعبة
مدفوعة الثمن وبدافع عنصري ومعادي للمسلمين؟
هذا السؤال قد لا أبالغ في القول إنه يؤرقني
منذ عرفت بهذه القصة.
منذ سنوات طويلة كانت هذه الروايات تبدو
أقرب إلى الأساطير السوداء التي تتناقلها الحروب. قصص عن أثرياء من أوروبا
والولايات المتحدة وكندا يسافرون في عطلات نهاية الأسبوع إلى سراييفو المحاصرة، لا
لمساعدة المدنيين، ولا لنقل الغذاء أو الدواء، بل لدفع مبالغ طائلة تتجاوز ما
قيمته حاليا 100 ألف يورو لميلشيات صربية من أجل الحصول على فرصة لإطلاق النار على
المسلمين البوسنيين. مجرد كتابة هذه الجملة تبدو غير قابلة للتصديق.
حتى أكثر الروايات سوداوية في الأدب والسينما لم تتخيل أن يتحول القتل إلى نشاط سياحي فاخر، أو إلى هواية يمارسها أثرياء عنصريون يكرهون المسلمين يبحثون عن جرعة إضافية من الإثارة لقتل مسلمين بينهم أطفال وحوامل!
لكن ما كان يُعتبر إشاعات لعقود، عاد اليوم
إلى الواجهة عبر تحقيقات قضائية رسمية بدأت في إيطاليا في نوفمبر 2025. حيث تحقق
نيابة مدينة ميلانو مع عدة أشخاص يُشتبه في أنهم شاركوا في هذه الرحلات الدموية،
بعد ظهور شهادات وأدلة جديدة، من بينها إفادات زوجة سابقة لأحد المشتبه بهم قالت
إنه أخبرها بأنه كان يقضي عطلات نهاية الأسبوع في
قتل المسلمين خلال حصار سراييفو،
وأنه ظل يعاني سنوات من كوابيس تطارده بسبب الأشخاص الذين قتلهم.
المفارقة المروعة أن الكوابيس لم تمنعه من
القتل، لكنها لاحقته بعد أن انتهت "المتعة".
في تطور لافت في التحقيقات قال المدعون في
ميلانو خلال الأسبوع الماضي إن الشرطة الإيطالية قد صادرت أدلة "هامة"
خلال تفتيش منزل أحد الأشخاص الأربعة الذين يتم التحقيق معهم بتهمة القتل العمد
على المواطنين البوسنيين المسلمين خلال حصار سراييفو من 1993 إلى 1995، والذي أسفر
عن مقتل 11,500 شخص.
وجاء التحقيق بعد أن رفع الصحافي والروائي
الإيطالي إيزيو غافازيني شكوى قانونية بتهمة “القتل المصحوب بقسوة ودوافع دنيئة”
ضد إيطاليين سافروا إلى سراييفو خلال الحصار.
وقال الكاتب الإيطالي إنه قرأ للمرة الأولى
عن مزاعم "سياحة القنص" في الصحافة الإيطالية خلال التسعينيات، لكنه لم
يبدأ البحث الجدي إلا بعد مشاهدته الفيلم الوثائقي “سفاري سراييفو” المنتج عام
2022، والذي أخرجه المخرج السلوفيني ميران زوبانيتش، وقد عرض في عدة قنوات أوروبية
ومهرجانات دولية للأفلام الوثائقية.
ويروي الفيلم اعترافات صادمة عن جنود صرب
يزعمون أن مجموعة من الأجانب ليس من إيطاليا فقط، بل من دول غربية أخرى (من أوروبا
أمريكا وكندا) قد اشتروا مواقع للقنّاصين لدى القوات الصربية البوسنية لإطلاق
النار على المدنيين. وهناك "قوائم أسعار" للقتل فإطلاق النار على الرجال
له ثمن، وعلى النساء الشابات ثمن أعلى، أما النساء الحوامل فكان لقتلهن سعر خاص،
أما الأطفال فقد كانوا الهدف الأغلى، بينما كان بعض هؤلاء القناصة يتنافسون فيما
بينهم لمعرفة من يستطيع قتل "أجمل امرأة".
أي انحدار أخلاقي هذا؟
حتى أكثر الروايات سوداوية في الأدب
والسينما لم تتخيل أن يتحول القتل إلى نشاط سياحي فاخر، أو إلى هواية يمارسها
أثرياء عنصريون يكرهون المسلمين يبحثون عن جرعة إضافية من الإثارة لقتل مسلمين
بينهم أطفال وحوامل!
طوال حصار سراييفو، الذي استمر قرابة أربع
سنوات، عاش السكان تحت رحمة القناصة. مجرد الخروج لجلب الماء كان مغامرة قد تنتهي
برصاصة في الرأس. الأطفال كانوا يركضون بين المباني بأقصى سرعة لأنهم تعلموا أن
التباطؤ يعني الموت. آلاف المدنيين قتلوا بهذه الطريقة.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثين عامًا، تطرح
التحقيقات احتمالًا أكثر رعبًا: أن بعض تلك الرصاصات لم يكن يطلقها جنود مدربون
فقط، بل رجال أعمال، وأرستقراطيون، وهواة أسلحة من اليمين العنصري المتطرف، قدموا
خصيصًا من دول غربية ليعيشوا تجربة قتل مسلمين محاصرين.
قد يثبت القضاء بعض هذه الاتهامات في
إيطاليا ودول أخرى تواجه ضغوطا لفتح تحقيقات مثل ألمانيا والنمسا، وقد يسقط هذا
القضاء بعضها لغياب الأدلة، لكن مجرد وجود تحقيقات جنائية بهذا الحجم، مدعومة
بشهادات ووثائق وأفلام ووثائقيات، يستحق أن يكون حديث العالم.
لكن العالم لا يبدو مهتمًا.. لماذا؟
لو ظهرت أدلة على وجود شبكة عالمية كانت
تدفع المال لاصطياد المدنيين في أي صراع آخر، لتحولت القضية إلى عنوان يومي في
وسائل الإعلام، ولعقدت الندوات، وأنتجت عشرات الأفلام، وامتلأت منصات التواصل
بالغضب.
طوال حصار سراييفو، الذي استمر قرابة أربع سنوات، عاش السكان تحت رحمة القناصة. مجرد الخروج لجلب الماء كان مغامرة قد تنتهي برصاصة في الرأس. الأطفال كانوا يركضون بين المباني بأقصى سرعة لأنهم تعلموا أن التباطؤ يعني الموت. آلاف المدنيين قتلوا بهذه الطريقة.
أما هنا، فالخبر يمر بهدوء يكاد يكون
مستفزًا. ربما لأن الضحايا
مسلمون من البوسنة.
وربما لأن الجريمة تعيد فتح ملفات لا يريد
كثيرون في أوروبا تذكرها، إذ تكشف أن بعض من حملوا جنسيات دول ديمقراطية لم يكونوا
مجرد متفرجين على حرب البوسنة، بل ربما كانوا مشاركين فيها، لا بدافع أيديولوجي،
بل بدافع التسلية.
إنه الوجه الأكثر ظلامًا للحرب؛ عندما لا
يعود القتل وسيلة لتحقيق هدف عسكري، بل يصبح هدفًا في حد ذاته.
وهذا ما يجعل هذه القضية مختلفة عن كثير من
جرائم الحرب الأخرى، فنحن أمام شيء آخر تمامًا: اقتصاد للموت، وسياحة للقتل،
وترفيه قائم على إنهاء حياة إنسان، والأسوأ طفل أو حامل، مقابل الكثير من المال
وبدافع عنصري إسلاموفوبي حاقد.
والسؤال الذي لا يفارقني منذ قرأت هذه
التفاصيل ليس كيف استطاع هؤلاء أن يفعلوا ذلك.
بل كيف استطاع العالم أن يقرأ كل هذا.. ثم
يواصل حياته وكأن شيئًا لم يحدث؟ لكن
عندما نتابع حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة في غزة منذ أكتوبر 2023 يتوقف أي
كلام.
الجرائم لا تموت بالتقادم، لكنها تموت
بالصمت. وهذا، في حد
ذاته، جريمة أخرى.
*كاتب جزائري مقيم في
لندن
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.