عندما يصبح المحرض على العربية والمسلمين تريليونيرا!

جمال الدين طالب
ثروة ماسك وصعوده عبر شركة "سبايس إكس" لم يكن مجرد نجاح صناعي، بل مشروعًا قائمًا على بيع “المستقبل” كسلعة: استعمار المريخ، اقتصاد الفضاء، وإعادة تعريف حدود الإنسان. الأناضول
ثروة ماسك وصعوده عبر شركة "سبايس إكس" لم يكن مجرد نجاح صناعي، بل مشروعًا قائمًا على بيع “المستقبل” كسلعة: استعمار المريخ، اقتصاد الفضاء، وإعادة تعريف حدود الإنسان. الأناضول
شارك الخبر
أصبح إيلون ماسك، خلال الأسبوع الماضي، أول تريليونير في التاريخ بعد ارتفاع قياسي لسهم شركة "سبايس إكس" المملوكة له التي طرحت في أكبر اكتتاب في التاريخ في بورصة نيويورك وسط تجدد الانتقادات له بسبب مواقفه اليمينية المتطرفة ودعمه لتياراتها العنيفة، وتحريضه ـ هو المهاجر الجنوب إفريقي نفسه ـ بالدعم المالي وعبر منصته للتواصل الاجتماعي "إكس" على الكراهية ضد المهاجرين وخاصة المسلمين في الغرب، مثلما حدث بالتزامن مع تحريضه على أعمال العنف والشغب والحرق العنصرية في بلفاست، عاصمة شمال أيرلندا.

بالنسبة لي تجاوز ثروة ماسك الترليون دولار أي أكثر من ألف مليار دولار، حتى وإن كانت على الورق وسط اتهامات بالمضاربة بتضخيم القيمة السوقية لشركة "سبايس إكس"، لم يعد مجرد خبر اقتصادي، بل علامة على خلل عميق في طريقة توزيع القوة في العالم المعاصر مع النفوذ الذي يتقوى في يد شخص يمتلك شركات تجمع بين الصواريخ الفضائية والسيارات الكهربائية (تسلا) والذكاء الاصطناعي (غروك) والرقائق والإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية (ستارلينك) وشبكة للتواصل الاجتماعي (إكس)، ويعاني خللا نفسيا ونوعا من أنواع التوحد ينعكس في خطاب عنصري تحريضي من منطلق تفوق عرقي.

ثروة ماسك وصعوده عبر شركة "سبايس إكس" لم يكن مجرد نجاح صناعي، بل مشروعًا قائمًا على بيع “المستقبل” كسلعة: استعمار المريخ، اقتصاد الفضاء، وإعادة تعريف حدود الإنسان. لكن هذا المستقبل الموعود يتعايش مع حاضر شديد التوتر، حيث يتحول نفس الرجل إلى فاعل سياسي وإعلامي يثير جدلاً متصاعدًا حول دوره في تغذية الانقسام داخل المجتمعات الغربية، وتحريضه على الكراهية ضد المسلمين.
قال ماسك من مقر "سبايس إكس" المتخصصة في الصواريخ الفضائية في تكساس"ترغب الشركة في نقلكم إلى القمر، وإلى المريخ على المدى البعيد، وإلى أبعد من ذلك، وأنا واثق من أننا سنحقق ذلك بفضل الفريق الرائع هنا في سبايس إكس". والمفارقة هنا أن فريق الشركة وشركات ماسك الأخرى يضم الكثير من النوابغ من المهاجرين من غير البيض، وعندما أرادت إدارة ترامب تقييد إقامة هذه الكفاءات المهاجرة في أمريكا تدخل ماسك وأصحاب شركات تكنولوجية أمريكية أخرى للضغط من أجل منع ذلك.

ثروة ماسك وصعوده عبر شركة "سبايس إكس" لم يكن مجرد نجاح صناعي، بل مشروعًا قائمًا على بيع “المستقبل” كسلعة: استعمار المريخ، اقتصاد الفضاء، وإعادة تعريف حدود الإنسان. لكن هذا المستقبل الموعود يتعايش مع حاضر شديد التوتر، حيث يتحول نفس الرجل إلى فاعل سياسي وإعلامي يثير جدلاً متصاعدًا حول دوره في تغذية الانقسام داخل المجتمعات الغربية، وتحريضه على الكراهية ضد المسلمين.

على منصته "اكس" (تويتر سابقا)، لا يبدو ماسك مجرد مالك لشبكة اجتماعية، بل مهندسًا فعليًا للتحريض على العنصرية والكراهية خاصة تجاه المسلمين. وقد تجلى ذلك في تعامله مع أحداث بلفاست، حيث ساهم في تضخيم دعوات للاحتجاج، في سياق مشحون أصلاً بخطابات معادية للمهاجرين.

فخلال الأسبوع قبل الماضي اندلعت أعمال شغب في بلفاست بعد عملية طعن الاثنين الماضي لمواطن أيرلندي وُجِّه الاتهام بارتكابها إلى لاجئ سوداني يدعى هادي العديد، تردد أنه يعاني مشاكل نفسية.

وشوهدت كتابات معادية للإسلام على جدران وتم إحراق العديد من المساكن والسيارات والمحال. ومن بين المحال المستهدفة محل "شام" لبيع المنتجات الغذائية العربية والمملوك لمواطن سوري، كان تعرض محله قبل عامين للحرق أيضا في أعمال شغب عنصرية مماثلة، بدت منسقة كما الأحداث الأخيرة.

وحرضت شخصيات من اليمين المتطرف، من بينها الناشط العنصري تومي روبنسون ـ واسمه الحقيقي ستيفن يكسلي- لينون وتعود أصوله إلى إيرلندا، هو الذي يدعي الدفاع عن الهوية الإنكليزية ـ إلى جانب إيلون ماسك على الاحتجاج في بلفاست. وكان روبنسون قد ظهر بالتزامن مع والد إيلون (المتهم بالتحرش الجنسي بأبنائه!) في فيديو أثناء وجودهما في مؤتمر برعاية روسية في مدينة سان بطرسبرغ للدعوة للتظاهر.

وقام إيلون ماسك بتضخيم دعوات إلى الاحتجاج في كل أنحاء بريطانيا، التي أطلقها روبنسون وكتب إلى متابعيه البالغ عددهم 240 مليونا على منصة إكس "لن يحدث أي تغيير إلا من خلال الاحتجاج المتكرر والصاخب".

كما ساهم في تعزيز انتشار منشورات ورسائل مناهضة للهجرة لروبرت لو، زعيم حزب “ريستور بريتن” اليميني المتطرف، مما ساعد في إيصال خطابه إلى ملايين المستخدمين على المنصة. وزعيم هذا الحزب العنصري للمفارقة تزوج ابنه مؤخرا بشابة مسلمة والدها ليبي وأمها إيطالية!

وأفاد باحثون من مركز مكافحة الكراهية الرقمية (CCDH) بأن منشورات الثلاثي بشأن بلفاست حصدت مجتمعة أكثر من 115 مليون مشاهدة عبر حساباتهم، وكان نصيب ماسك وحده 55% من هذا المجموع.

وأضاف المركز في تقرير أن "تضخيم ماسك للأمر كان محوريا" بحيث ساهم في حصد 64 مليون مشاهدة.

استهداف منهجي للمسلمين

الأكثر خطورة بالنسبية لي ليس فقط ما يُنشر بشكل مقصود ومشجع وممهنج من قبل منصة ماسك، بل ما يُعاد نشره وتضخيمه. فماسك يقوم بترويج محتوى بتلاعب بالخوارزميات يربط بشكل مباشر بين المسلمين والهجرة والجريمة، مستندًا إلى روايات إحصائية مضللة أو خارج سياقها، تعزز فكرة أن المسلمين هم تهديد أمني. كما أعاد ماسك نشر أطروحات تقوم على نظرية "الاستبدال الكبير"، التي تزعم وجود مشروع منظم لاستبدال السكان البيض بالمهاجرين، خصوصًا المسلمين، وهي أطروحات تُعد من أبرز ركائز خطاب اليمين المتطرف في الغرب، الذي أصبح يلعب ورقة التحريض الديني المسيحي أيضا برفع الصلبان في مسيراته واستحضار خطاب الحروب الصليبية، الذي تدينه الكثير من الزعامات المسيحية العقلانية في الغرب.

وفي هذا السياق يحاول ماسك تقديم نفسه على أنه حريص على القيم المسيحية، لكن ابنته فيفيان ويلسون، المتحولة جنسيا من ذكر إلى أنثى، فضحته في منشور لها، ووصفته بأنه "كاذب ومتعصب وشخص فظيع". وقالت إنها اضطررت للخروج عن صمتها بعدما شاهدت والدها، وهو يدعي بأنه رب عائلة محافظ على القيم المسيحية، وكتبت قائلة إنه ليس "رب عائلة، إنما زانٍ متعدد العلاقات لديه ما لا يقل عن 12 طفلاً من ثلاث نساء، وأنه لا يتوقف عن الكذب بشأن أطفاله".

ومضت تخاطب والدها: "أنت لست مسيحيًا، على حد علمي". وأضافت: "أدرك أنك لم تطأ قدمك الكنيسة أبدًا".

وكان ماسك ادعى أنه "مؤمن كبير بمبادئ المسيحية" وحذر من أن الدين "سوف يهلك بدون شجاعة مجتمعية".

واتهمت ابنة ماسك والدها بأنه عنصري، هو المتهم بالترويج لخطاب تفوق العرق الأبيض، ونظريات عنصرية مثل "الاستبدال الكبير"، التي تروج لأن هناك مؤامرة لاستبدال السكان البيض المسيحيين في الغرب بالمسلمين! وذهب ماسك للقول "يجب علينا تأمين وجود شعبنا ومستقبل الأطفال البيض".

 وكتبت فيفيان مخاطبة والدها "أنت لست معقلًا للمساواة والتقدم.. وعندما كنت في السادسة من عمري سمعت تصفت اللغة العربية بأنها "لغة العدو"، وتم رفع دعوى ضدك عدة مرات بتهمة التمييز العنصري، وأنت من نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا."

وكانت ابنة ماسك، البالغة من العمر 20 عاماً، تخلت عن لقب والدها، واختارت عام 2022 لقب والدتها ويلسون.

شبكة علاقات

هذه المواقف لماسك لم تكن معزولة عن شبكة علاقات سياسية وأيديولوجية أوسع، شملت وبشكل علني دعم شخصيات بارزة في اليمين المتطرف في أوروبا، والمساهمة في إعادة تطبيع حضورهم على منصة "اكس" بعد أن كانوا مستبعدين بسبب خطاب الكراهية. كما امتد التأثير إلى إعادة تشكيل مساحات النقاش الرقمي بحيث تصبح أكثر قابلية لانتشار المحتوى الاستقطابي.

يتشكل نموذج جديد من السلطة: تريليونير لا يملك المال فقط، بل يملك أيضًا منصة (إكس)، وخوارزميات، وسردية ذكاء اصطناعي أعيد قمعه مثلما حدث مع "غروك" الذي تمت إعادة برمجته بعدما كان يقول الحقيقة في انتقاد ماسك نفسه وإدانة حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة. سلطة لا تحتاج إلى دولة كي تعمل، ولا إلى تفويض كي تستمر.
كل ذلك يحدث بينما تتحول منصته إلى بنية تحتية سياسية غير معلنة: من يملك الخوارزمية يملك الانتباه، ومن يملك الانتباه يملك جزءًا من الوعي العام. وهنا لا يعود الأمر مجرد “حرية تعبير”، بل قوة تشكيل مباشر لما يراه ملايين البشر يوميًا.

المفارقة الصادمة أن هذه القوة لا تواجه ردعًا حقيقيًا. فبينما تتصاعد الانتقادات الحقوقية والأكاديمية، تواصل الأسواق مكافأة هذا النموذج بلا تردد، وكأن معيار النجاح الوحيد هو القدرة على توليد القيمة المالية، بغض النظر عن الكلفة الاجتماعية والسياسية.

وهكذا يتشكل نموذج جديد من السلطة: تريليونير لا يملك المال فقط، بل يملك أيضًا منصة (إكس)، وخوارزميات، وسردية ذكاء اصطناعي أعيد قمعه مثلما حدث مع "غروك" الذي تمت إعادة برمجته بعدما كان يقول الحقيقة في انتقاد ماسك نفسه وإدانة حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة. سلطة لا تحتاج إلى دولة كي تعمل، ولا إلى تفويض كي تستمر.

في النهاية، لم يعد السؤال بالنسبة لي: كيف أصبح إيلون ماسك أول تريليونير؟

بل السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح أكبر: كيف أصبح ممكنًا أن تتجمع كل هذه القوة في يد واحدة… دون أن تُسأل عن حدودها؟

وحين لا يُطرح هذا السؤال، فإن الإجابة تُكتب بالفعل على شكل عالم أكثر انقسامًا، وأكثر قابلية للاشتعال.

وفي خضم هذا العالم تبدو مسؤولية العرب والمسلمين الذين لا ينقصهم المال أيضا كبيرة وموقعهم في المعادلة لا يجيب أن يكون (إكس) مجهولا!

*كاتب جزائري مقيم في لندن


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)