قانون الأحوال الشخصية.. حضور الكنيسة وغياب الأزهر؟!

عصام تليمة
اللافت للنظر أن قانون الأحوال الشخصية كان دوما سببا للنزاع بين الأزهر والسلطة، وقد كانت النخبة العلمانية دافعا للسلطة في هذا الصدام، وبخاصة في ظل الحكم العسكري..
اللافت للنظر أن قانون الأحوال الشخصية كان دوما سببا للنزاع بين الأزهر والسلطة، وقد كانت النخبة العلمانية دافعا للسلطة في هذا الصدام، وبخاصة في ظل الحكم العسكري..
شارك الخبر
شغل المجال العام في مصر على مدار أسبوعين ـ ولا يزال مرشحا للاستمرار ـ بالحديث عن مشروع قانون الأحوال الشخصية، وقد لوحظ أن السلطة المصرية تعاملت مع مشروع القانون بمعايير متناقضة ومزدوجة، ففي الوقت الذي خرجت فيه الكنيسة المصرية تعلن عن تقديمها مشروع القانون الخاص بالطائفة المسيحية بكافة مذاهبها، والتوافق الذي تم عليه، بينما غاب تماما أي حديث للأزهر عن القانون، إلا من تصريح أخير حين كثر تساؤل الناس: أين الأزهر من المواد المسربة من القانون؟!

كان ملحوظا أن السلطة أزاحت الأزهر وهمشته، بل لم تشركه في القوانين، والتي هي مواد متعلقة بالشريعة الإسلامية، والذي ينص الدستور الذي وضعته السلطة، وصوت عليه أنصارها من نخبة وعامة، في المادة السابعة منه، والتي تقول: (الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية). وسبق هذه المادة مادة أخرى تنص على: الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

لم تكن الأحداث المواكبة لإعداد القانون فاضحة للسلطة فقط، والتي تعاملت بمعايير مزدوجة، فراحت تشرك الكنيسة في القانون الخاص بالمسيحيين من ألفه إلى يائه، دون أدنى تدخل منها، بينما حرمت الأزهر وهو المؤسسة التي تمثل المرجعية للمسلمين في هذه المسائل، والمعنية بذلك.
لكن السلطة تعاملت مع مواد قانون تتصل بصميم دين المسلم، بشيء من التعنت، بل والإقصاء، ففي قانون الأحوال الشخصية المسيحي، لوحظ أن الأمر لم يطرح على جهات غير مختصة، بل طرح على الجهات المعنية بالتشريع المسيحي، فقام بوضع مسودة القانون الكنيسة الأرثوذكسية، ثم قامت الكنيسة بعرض القانون على كافة المذاهب المسيحية الموجودة في مصر، وجعلت نص اللائحة: الموحدة، لا الواحدة، وعند السؤال عن الفرق، فبينوا أن الموحدة أي: أنها في بعض المواد ذات عدة صيغ، تراعي الاختلاف المذهبي بين الطوائف المسيحية، بينما الواحدة، فهي ذات النص الواحد على الجميع، وهو ما تجنبته الكنيسة في موادها.

ثم قامت الكنيسة بتسليم نسخة القانون لوزير العدل، وقام وزير العدل بتسليمه لرئيس مجلس النواب، ثم قام الأخير بعرضه على رئيس الجمهورية، للعرض بعد ذلك على مجلس النواب، وهو ما لم يحدث في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، بل إن ما حدث هو عكس ذلك تماما.

رغم أن قوانين الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، هي الأحوج للتجديد والتغيير عن المسلمين، فإن اللائحة التي تسير عليها الكنائس في مصر حتى الآن، هي من سنة 1938م، وعدلت بعض بنودها سنة 2008م، والملاحظ أن الشكاوى الكثيرة في هذا الملف نسبتها أكثر عند المسيحيين، نظرا للتضييق عليهم في مساحات الطلاق وأسبابه، وأمور أخرى، مثل منع الزواج من الطوائف المختلفة.

أما قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، فهو دائم التجديد والتغيير، فلا يكاد يخلو عصر لحاكم من تعرض للقانون، مرة أو أكثر، منذ الملكية في مصر، وحتى الآن، وهو ما يدل على أن الحاجة الماسة للتعديل هي عند المسيحي المصري لا المسلم، وإن وجد فليس بنفس الحاجة والضرورة التي عند قوانين الأحوال الشخصية المسيحية.

ومع ذلك، فقد رأينا الكنيسة تحضر وتقوم بدورها، وتفرض واقعا، أعانتها عليه السلطة، وهو حق مشروع، ودور يقدر لو كان ذلك نابعا عن فصل بين السلطات والمؤسسات، وإحالة كل ملف للمختصين، لكن ما حدث مع الأزهر، دلل على أن الأمر كان تناقضا فجا، ومخالفة صريحة للدستور، في مساحة تتعلق بدين الناس وشريعتها، والأجدر بالحديث في الأمر أهل الاختصاص، لا كل من هب ودب، وهو ما حدث، فرأينا الإعلام يوميا يمطر الناس باقتراحات، ونصوص لمواد، تدل على التلاعب بدين الناس، في مساحة من أخطر المساحات.

مما جعل الناس تسأل: أين الأزهر؟! فخرج الأزهر مصرحا، بأنه لم يعرض عليه شيء من هذه القوانين، وهنا خرج الإعلام السلطوي يهاجم الأزهر، بأن تصريحه يحدث بلبلة، فلماذا لم يرسل للمسؤولين؟ ورد الأزهر بأنه لم يخاطب أحدا، بل رد على تساؤل الناس، وهو ما أوقع السلطة في حرج شديد، وأثبت للناس أن القائمين على إعداد القانون كذبة، وأنهم يتراجعون عن مواد، ويصمتون عن أخرى، وهو ما يدل على أن السلطة أرادت أن تبيت الأمر بليل، وتفاجأ به الناس، وذلك استجابة لمطالب أوروبية متعلقة بالأسرة.

لم تكن الأحداث المواكبة لإعداد القانون فاضحة للسلطة فقط، والتي تعاملت بمعايير مزدوجة، فراحت تشرك الكنيسة في القانون الخاص بالمسيحيين من ألفه إلى يائه، دون أدنى تدخل منها، بينما حرمت الأزهر وهو المؤسسة التي تمثل المرجعية للمسلمين في هذه المسائل، والمعنية بذلك.

إن من أولى وظائف الأزهر شيخا ومؤسسة: الذود والحماية للمقدسات والثوابت، وعلى رأس هذه الأولويات: قانون الأحوال الشخصية، لأنه يتعلق بأهم ركن في المجتمع وهو الأسرة..
بل إن الأمر كشف عن تناقض أدعياء العلمانية في بلادنا، وأدعياء الدولة المدنية، الذين كانوا من قبل كلما أرادوا مهاجمة الإخوان، أحضروا لهم الأزهر، وجاءوا بفتوى للأزهر ضد قوانين متعلقة بالتنمية الاقتصادية، وعلى سبيل المثال: قانون الصكوك الإسلامية، ومشروع قناة السويس، لقد استقوى العلمانيون وخصوم الإخوان وقتها بفتوى الأزهر بالتحريم، أو وجود الشبهة، وهم أنفسهم الآن، الذين نصوا في دستورهم على دور الأزهر، وأقروها صيغة وتصويتا، هم الذين يستنكرون بيان الأزهر أنه لم يعرض عليه القانون، وأن عرض القانون عليه حق دستوري أصيل.

وهم يعلمون أن وجود قانون خاص بالمسيحيين، وآخر بالمسلمين، فيما يتعلق الأحوال الشخصية، هو يتنافى تماما مع ما ينادون به: الدولة العلمانية، والدولة المدنية، لأنه يقتضي أن يكون للقانون صيغة واحدة تطبق على الجميع، لكنهم يصمتون تماما عن كل ما يتعلق بالكنيسة، ولا ترتفع أصواتهم بالضجيج إلا فيما يتعلق بالأزهر، والشريعة الإسلامية، مخافة أن يتهموا باضطهاد الأقلية، لكن لا مانع لديهم من ممارسة كل ألوان القمع والاضطهاد للأغلبية.

اللافت للنظر أن قانون الأحوال الشخصية كان دوما سببا للنزاع بين الأزهر والسلطة، وقد كانت النخبة العلمانية دافعا للسلطة في هذا الصدام، وبخاصة في ظل الحكم العسكري، فعندما قامت حكم العسكر سنة 1952م، وكان هناك حديث عن الأحوال الشخصية، وسعي من بعض العلمانيين لوضع قانون المساواة بين الرجل والمرأة في المواريث، كان شيخ الأزهر آنذاك الشيخ محمد الخضر حسين، وقد ذهب بنفسه معلنا الرفض لكل ما يمس بثوابت الإسلام، والعجيب أن أكثر من رد على العلمانيين في هذه المسألة هو الدكتور طه حسين، ورفض أن يتم النقاش حول أي من الثوابت في الدستور.

ثم حدث في أكثر من عهد، أكثر من مرة في عهد عبد الناصر، وكتب الشيخ الغزالي رحمه الله بعضا من هذه التفاصيل، في كتابه: معركة المصحف في العالم الإسلامي، وكتابه: كفاح دين. وفي عهد السادات كذلك كانت معركة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر مع قانون الأحوال الشخصية، والذي اشتهر باسم: قانون جيهان، حرم الرئيس السادات، ولقد لخص شيخ الأزهر هذه المعركة القديمة الجديدة، في بيانه، والذي افتتحه بهذه الكلمات الواضحة البينة، فقال:

"من آن لآخر يثار في المجتمع الإسلامي قانون الأحوال الشخصية، ويختلف الكتاب تبعا لأهوائهم. فبعضهم يستجيب للنص القرآني لا يريد به بديلا، وبعضهم يأخذ في محاولة الالتواء بالنص ليقربه مما يجري العمل به في الغرب، أو ليقربه من أهوائه التي ينحرف بها تلبية لرغبة منحرفة، أو لهوى جامح. ولكنك إذا سألت الجميع فإنهم يقولون لك: نحن مع الوحي، ومع الرأي الإسلامي. ولا يمكنهم أن يقولوا غير ذلك حتى لا يثيرو الرأي العام عليهم".

لم يعد الأمر يقبل من الأزهر الصمت، أو السكوت، أو انتظار عرض السلطة للقانون عليه، فقد كان شيوخ الأزهر يقفون بالمرصاد لكل محاولة تقترب من المساس بأحكام الأسرة وغيرها، فإن من أولى وظائف الأزهر شيخا ومؤسسة: الذود والحماية للمقدسات والثوابت، وعلى رأس هذه الأولويات: قانون الأحوال الشخصية، لأنه يتعلق بأهم ركن في المجتمع وهو الأسرة، فإذا كان موقف شيخ الأزهر من قضية الطلاق الشفوي كان صلبا وقويا، رغم أنه موقف يخضع للاجتهاد الفقهي، لكنه لم يقبل أن يكون اجتهادا سياسيا بعيدا عن الاجتهاد الفقهي المتزن، فإن ما يتم تسريبه من مواد، يستدعي وقفة أقوى وأهم من وقفته السابقة، وهو المنتظر من الأزهر: شيخا ومؤسسة.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)