لا حديث للناس منذ انتهاء
مباراة مصر
والأرجنتين، إلا عن الظلم البين الواضح الذي تعرض له المنتخب المصري، من كيل
بمكيالين، وتغاضي عن كل أخطاء الأرجنتين، ومراجعة كل ما يفيدهم، وغض الطرف عن كل
ما له مصلحة للمنتخب المصري.
ذهبت التحليلات الكثيرة بعد الإقرار بظلم
المنتخب المصري، إلى الحديث عن الأسباب، بين حديث عن الفساد، وحديث عن المحاباة
لفريق كان بطلا للبطولة السابقة، وبين من يتحدث عن أن السبب ـ كما عبر حسام حسن
المدير الفني للمنتخب ـ أن موقفه من فسلطين، كان سببا للتحريض ضد المنتخب، وإثارة
مشكلات ضد المنتخب المصري، وأن هذا السبب كان دافعا للتحريض من جهات عدة. وهذه
المشاهد، أو المظالم تضع الإنسان العاقل أمام عدة دروس مهمة، لا تقف عند حدود
الظلم الكروي للفريق المصري.
لقد تألم المصريون كلهم من هذا الظلم الذي وقع على منتخبهم، لكن فئة من المؤيدين للنظام، تفرق بين ظلم الكرة، وظلم السياسة، فهم يكرهون أن يظلموا إذا مسهم الظلم، لكن إذا مس خصومهم، فلا ضير، بل يحرضون عليه، ونسوا أن المنتخب المصري عوقب لموقف حسام حسن من غزة، وهو موقف إنساني مبدئي، وهو ما عوقب لأجله محمد مرسي بالعزل، لموقفه من غزة، ومواقف أخرى.
أولا ـ تعاطف جل العقلاء والأحرار في
العالم، من رياضيين وغيرهم، مع المنتخب المصري، لأنه ظلم ظلما بينا، في رياضة كان
الأصل فيها تجميع الناس، والترفيه عنهم، وهي لعبة الأصل فيها أن تبتعد عن
الانحياز، لكن الفساد السياسي الذي أصاب الغربيين، في مأساة رآها العالم بعينه في
غزة، هو نفسه الفساد الذي تعامل مع المنتخب المصري وغيره من المنتخبات في هذه
البطولة، فقيام ترامب بإلغاء كارت أحمر للاعب أمريكي، هو نفسه الفيتو الذي يستخدمه
ضد أي إجراء يقف أمام مجازر العدو الصهيوني مع أهل فلسطين.
ثانيا ـ جاءت هذه البطولة، في ظل مظالم من
نوع آخر، لم يلتفت إليها، وهي: اتهام المتعصبين للسيسي من أذرعه الإعلامية، والذين
راحوا يفترون على معارضيه بأنهم يتمنون هزيمة مصر، وعلى رأس المتهمين الكابتن محمد
أبو تريكة، وظهرت دعوات جائرة وظالمة، بأنه يتصنع مواقفه، وذلك مخافة أن تؤثر
مواقفه في الناس، وهو ما حدث بالفعل، فالناس بدأت تتابع كلامه، وتتابع ردود
أفعاله، وهو الموضوع على قوائم الإرهاب في مصر، ومصادرة الأموال، فضلا عن قنوات
المعارضة: الشرق ومكملين، وتغطيتهم للمباريات المصرية والعربية، والتي تألق في
تناولها الإعلامي الكبير محمد ناصر، وتناول زوايا مهمة، هنا بدأ نوع من الظلم
يمارس، حين كشفت البطولة الموقف الحقيقي للمصريين في الخارج، بأن مصر عندهم أكبر
من النظام، وأن ما يفرح المصريين أمر مهم، يفرح له المعارضون، حتى وإن وظفته
السلطة لصالحها، وكشفت زيف وكذب ما يروجه إعلام السلطة عنهم.
والأمر كذلك بالنسبة لغزة، التي نالت من
إعلام الانقلاب نصيبا كبيرا من الافتراء، والتبجح، والتشفي فيما أصابهم، ورأينا
ذلك من إعلاميين مبرزين ومقربين من السلطة، بينما كشفت البطولة عن شعب تحت الدمار،
يفترش أطلال مدينته المدمرة، ليشاهد منتخب مصر، ويشجعه بقلبه، حقيقة لا تصنعا ولا
تمثيلا، في عبارات كانت تخرج من القلب، ولذا وصلت للقلب.
ثالثا ـ لقد تألم المصريون كلهم من هذا
الظلم الذي وقع على منتخبهم، لكن فئة من المؤيدين للنظام، تفرق بين ظلم الكرة،
وظلم السياسة، فهم يكرهون أن يظلموا إذا مسهم الظلم، لكن إذا مس خصومهم، فلا ضير،
بل يحرضون عليه، ونسوا أن المنتخب المصري عوقب لموقف حسام حسن من غزة، وهو موقف
إنساني مبدئي، وهو ما عوقب لأجله محمد مرسي بالعزل، لموقفه من غزة، ومواقف أخرى.
وهو ما مورس مع معارضي الانقلاب في مصر،
فالجماهير حزينة لأن الحكم كان فاسدا وظالما، ويقولون في كل وسيلة بأنه فاسد
وظالم، بينما هناك من يسجن في مصر بتهمة باطلة، وتنتهي مدة العقوبة، ولا يخرج من
السجن، كالشيخ حازم أبو إسماعيل والتي انتهت محكوميته في الخامس من يوليو، فهم
يكرهون الظلم حين يقع عليهم، ولا يعارضون في نزول الظلم بكل درجاته على من يعارض
السلطة التي يؤيدونها.
الإنسان السوي موقفه من الظلم واحد، سواء
وقع في السياسة أو في الرياضة، وهو ما كشف كم التناقض الأخلاقي لدى مؤيدي هذا
النظام، فإذا كان نظام الفيفا ظالما مع منتخب في كرة أو مباراة، يمكن تعويضها في
سياق آخر، فمن يعوض الذين فقدوا ذويهم، وفقدوا حياتهم، وبيوت دمرت اجتماعيا بسبب
الظلم والتنكيل الظالم بهم على يد قضاة وشرطة وإعلام فساده بين وملموس؟!
إن الرافض للظلم يرفضه بغض النظر عن الظالم، أو الواقع عليه الظلم، ولعله درس يجعلنا نعيد النظر والتفكير في مظالم كبرى تمارس في بلادنا، لمن كان له قلب، أو مسكة من عقل!!
رابعا ـ ماذا لو عاملت الفيفا الإعلام
المصري بمثل ما يعامل به القضاء المصري من يعبرون عن فساده؟ لقد قلنا عن حكم
المباراة وعن فساده الكثير، ونحن محقون في ذلك، لكن هناك معارضين في مصر محكوم
عليها بالسجن، بتهمة إهانة القضاء، هذا القضاء الذي حكم في جلسة واحدة على مئات
بالإعدام، وقضايا بينة الفساد والمحسوبية، وإملاء الأحكام عليه بالهاتف، ومن يناقش
القاضي الفاسد، يحكم عليه بالسجن، بتهمة إهانة القضاء، فماذا لو حوكمنا بنفس
التهمة الباطلة؟!
ألم يتعامل معنا حكم المباراة الظالم، على
أن لاعبي منتخب مصر يمثلون الإصابة، وأن العنف الجسدي الذي يقوم به منتخب
الأرجنتين هو أداء رجولي للعب؟ وهي نفس الحجة التي يحاكم بها القضاء المصري الظالم
المعارضين، بأنهم يمثلون دور البراءة، وأن عنف الشرطة والتعذيب، هو محض اختلاق،
ولا يغيب عن أذهاننا مشهد الفتاة التي طلبت من القاضي أن يحكم عليها بالإعدام حتى
ينهي العذاب الذي يمارس عليها، فما كان منه إلا أن قال لها: بطلي تمثيل بقى، أليست
الحجة والذريعة واحدة، ظلم في الكرة، وظلم في السياسة، وكله عن طريق قضاء، الأول
بلباس رياضي، والأخر بلباس المحكمة.
لقد حزنا على الظلم الذي لحق بنا في مباراة،
وهو حزن مشروع، وحق لا ريب فيه، لكن ماذا عن أنواع أخرى من الظلم أشد وأقسى، تمارس
على أهل غزة، ويشارك فيه عرب ومسلمون؟ وماذا عن ظلم يقع على المواطن المصري، وعلى
مشجعي كرة قدم في مصر، فهناك مشجع سجن ما يزيد عن عشر سنوات، وعندما خرج لساعات،
ألقي به في السجن مرة أخرى، بتهمة: تجمهر المهنئين له بخروجه!! ولم نجد من يطالب
برفع الظلم عنه. إن الرافض للظلم يرفضه بغض النظر عن الظالم، أو الواقع عليه
الظلم، ولعله درس يجعلنا نعيد النظر والتفكير في مظالم كبرى تمارس في بلادنا، لمن
كان له قلب، أو مسكة من عقل!!
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.