حين ظهر الدكتور حسام أبو صفية أمام محكمة
الاحتلال، بدا المشهد أكبر من محاكمة أسير
فلسطيني وأعمق من صورة لرجل أنهكته شهور
الاعتقال. كان وجهه الشاحب وجسده المنهك يحملان آثار حرب كاملة، لا آثار السجن
وحده. فهذا الطبيب الذي أمضى شهور الإبادة الإسرائيلية في غزة شاهداً على الموت
ومرافقاً للجرحى ومحاولاً انتزاع الحياة من بين الأنقاض، وقف أمام العالم وكأنه
يجسد حكاية فلسطين نفسها: شعب يُطالب بالصمود بينما يُعاقَب على بقائه، ويُطلب منه
الإيمان بالعدالة فيما تتوالى عليه صور الظلم بلا انقطاع.
ولعل هذه الصورة وحدها تكفي لفهم السبب الذي
يجعل الشرق الأوسط عاجزاً عن الوصول إلى استقرار حقيقي؛ فالقضية ليست نقصاً في
المؤتمرات أو الاتفاقيات أو ترتيبات الأمن الإقليمي، بل استمرار جرح مفتوح اسمه
فلسطين، ما دام قائماً ستظل المنطقة كلها تدور في دائرة الأزمات والحروب المؤجلة.
لا تبدو الحرب الأخيرة ضد إيران حدثاً استثنائياً بقدر ما تبدو حلقة أخرى في سلسلة طويلة من محاولات إعادة تشكيل المنطقة بالقوة العسكرية. قد تنتهي المعارك، وقد تُوقع تفاهمات جديدة بين واشنطن وطهران، وقد تُعاد صياغة خرائط النفوذ وموازين الردع، لكن ذلك كله لن ينتج سلاماً حقيقياً أو استقراراً دائماً. فالسلام ليس مجرد غياب مؤقت للحرب، بل هو حضور العدالة. وحيث تغيب العدالة، تظل الحروب مؤجلة لا منتهية.
والحقيقة أنه كلما اندلعت حرب جديدة في
الشرق الأوسط، سارع العالم إلى التعامل معها باعتبارها الأزمة الكبرى التي تهدد
الاستقرار الدولي. حدث ذلك مع الحروب العربية الإسرائيلية، ثم مع الحرب العراقية
الإيرانية، وحرب الخليج، واحتلال العراق، والحروب المتعاقبة على لبنان وغزة، وأخيراً
مع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. وفي كل مرة تنشغل العواصم الكبرى
بإدارة تداعيات الحدث الراهن، بينما تظل المعضلة الأصلية كامنة تحت الركام، تنتظر
لحظة جديدة كي تفرض نفسها من جديد.
من هذه الزاوية، لا تبدو الحرب الأخيرة ضد
إيران حدثاً استثنائياً بقدر ما تبدو حلقة أخرى في سلسلة طويلة من محاولات إعادة
تشكيل المنطقة بالقوة العسكرية. قد تنتهي المعارك، وقد تُوقع تفاهمات جديدة بين
واشنطن وطهران، وقد تُعاد صياغة خرائط النفوذ وموازين الردع، لكن ذلك كله لن ينتج
سلاماً حقيقياً أو استقراراً دائماً. فالسلام ليس مجرد غياب مؤقت للحرب، بل هو
حضور العدالة. وحيث تغيب العدالة، تظل الحروب مؤجلة لا منتهية.
لقد عرف الشرق الأوسط خلال القرن الماضي
واحداً من أكثر المشاريع السياسية إثارة للجدل في التاريخ الحديث: إقامة دولة
إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، في سياق دولي تشكل تحت ظلال الاستعمار الأوروبي
وتوازنات ما بعد الحربين العالميتين. ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقف محاولات الالتفاف
على الحقيقة المركزية التي حكمت المنطقة كلها: لا يمكن بناء نظام إقليمي مستقر فوق
مأساة شعب اقتُلع من أرضه، وحُرم من حقوقه الأساسية، ووُضع خارج معادلات العدالة
التي تتغنى بها القوى الكبرى.
لقد تصرفت القوى الغربية، وفي مقدمتها
الولايات المتحدة، وكأن المشكلة تكمن دائماً في ردود الأفعال لا في أصل الفعل.
فالمقاومة تُناقش، والتوترات الإقليمية تُناقش، وبرامج التسلح تُناقش، أما
الاحتلال ذاته فيُعامل باعتباره حقيقة مكتملة ينبغي التكيف معها لا إنهاءها. وهكذا
تحولت القضية الفلسطينية، التي كانت جوهر الصراع، إلى مجرد بند ثانوي في أجندات
الدبلوماسية الدولية، بينما جرى الاستثمار الهائل في إدارة الأزمات الناتجة عنها.
والحال أن التاريخ يعلمنا أن المظالم الكبرى
لا تموت بالتقادم. فالإمبراطوريات التي ظنت أن القوة كافية لإخضاع الشعوب اكتشفت
متأخرة أن الذاكرة الإنسانية أكثر صلابة من الجيوش. من الجزائر إلى جنوب أفريقيا،
ومن الهند إلى أيرلندا، لم تنتصر إرادة السيطرة في النهاية على مطلب الحرية. وقد
يختلف السياق الفلسطيني عن تلك التجارب في تفاصيله، لكنه يلتقي معها في حقيقة
واحدة: لا يمكن إقناع شعب بالتخلي عن حقه التاريخي والإنساني لمجرد أن ميزان القوة
مختل.
لهذا السبب تحديداً، فإن أي اتفاق بين
واشنطن وطهران، وأي ترتيبات أمنية جديدة في الخليج أو شرق المتوسط، لن تكون سوى
محاولات لتجميد التوتر لا لإنهائه. فالمنطقة لا تعيش أزمة أمنية فحسب، بل تعيش
أزمة عدالة. وما دام ملايين الفلسطينيين يرون أن العالم يطالبهم بالصبر على الظلم
أكثر مما يطالب المحتل بإنهائه، فإن شعور الغضب والإحباط وفقدان الثقة سيظل وقوداً
دائماً لعدم الاستقرار.
الأخطر من ذلك أن المجتمع الدولي نفسه أصبح
أسيراً لمنطق الهروب إلى الأمام. فبدلاً من مواجهة أصل المشكلة، يجري البحث عن
مسارات جانبية: اتفاقات اقتصادية، وتحالفات أمنية، ومشاريع تطبيع، ومؤتمرات
استثمار، وكأن الازدهار يمكن أن يحل محل العدالة. لكن التاريخ السياسي للبشرية لا
يقدم مثالاً واحداً على سلام مستدام بُني فوق إنكار الحقوق الأساسية للشعوب.
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الصفقات المؤقتة بقدر حاجته إلى شجاعة أخلاقية تعترف بأن القضية الفلسطينية ليست عبئاً على الاستقرار، بل إن تجاهلها هو العبء الحقيقي على الاستقرار. وحين يُنصف الفلسطينيون، لا يستعيد شعب حقه فقط، بل تستعيد المنطقة فرصة للخروج من قرن كامل من الصراعات المتناسلة.
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من
الصفقات المؤقتة بقدر حاجته إلى شجاعة أخلاقية تعترف بأن القضية الفلسطينية ليست
عبئاً على الاستقرار، بل إن تجاهلها هو العبء الحقيقي على الاستقرار. وحين يُنصف
الفلسطينيون، لا يستعيد شعب حقه فقط، بل تستعيد المنطقة فرصة للخروج من قرن كامل
من الصراعات المتناسلة.
ويبقى من المؤلم أن بعض الأنظمة العربية
الرسمية، في لحظة تُباد فيها غزة وتُراق فيها دماء الفلسطينيين على مرأى العالم،
تبدو منشغلة أكثر بالاستعداد لإحياء المهرجانات الصيفية واستعراضات الترفيه
الصاخبة وسباقات الاستهلاك واللهو. وكأن المطلوب إقناع الشعوب بأن الموسيقى
المرتفعة قادرة على حجب صوت القصف، أو أن الأضواء الملونة تستطيع إخفاء ظلال
المجازر.
إن الرقص فوق جراح فلسطين لن يصنع ازدهاراً
حقيقياً، كما أن تجاهل المأساة لن يجلب أمناً دائماً. فالأمم لا تبني مستقبلها
بالهروب من الحقائق، بل بمواجهتها. والتاريخ يعلمنا أن من يتوهم أن النار المشتعلة
في بيت جاره لن تصل إليه، يكتشف متأخراً أن الحرائق لا تعترف بالحدود.
وعلى النظام العربي الرسمي أن يتذكر أن
الرقص على جثث شهداء فلسطين لن يجلب الرفاه ولا السعادة، ولن يحصّن العروش ولا
الأسواق، ولن يمنع المحتل من مواصلة أطماعه التوسعية كلما سنحت له الفرصة. فالطمع
الاستعماري لا تشبعه التنازلات، ولا تردعه مواسم اللهو، وإنما يزداد جرأة كلما غاب
الردع الأخلاقي والسياسي والحضاري. وسيظل الشرق الأوسط يدور في حلقة الدم
والاضطراب حتى يُردّ الحق إلى أصحابه، وتُنصف فلسطين، بوصفها قضية عدالة قبل أن
تكون قضية أرض وحدود.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.