مع كل بطولة لكأس العالم، يتجدد السؤال
القديم: لماذا يغادر
العرب المنافسة مبكراً؟ وكأن كرة القدم أصبحت مرآة نرى فيها
صورتنا الجماعية، فنفرح لانتصار عابر، ونحزن لخروج سريع، ثم نطوي الصفحة في انتظار
البطولة التالية. لكن السؤال الأهم ليس لماذا خسرنا مباراة، بل: في أي ميدان ينبغي
للأمة العربية أن تنافس العالم أصلاً؟
إن الأمم الكبرى لا تُقاس بعدد الأهداف التي
تسجلها في الملاعب، وإنما بما تتركه في التاريخ من قيم، وما تبنيه في الحضارة من
منجزات، وما تمنحه للإنسان من كرامة وحرية وعدالة.
الرياضة، مهما بلغت أهميتها،
ليست سوى ثمرة لشجرة أعمق جذوراً؛ فإذا كانت الجذور ضعيفة فلن تصمد الأغصان أمام
أول ريح.
لقد عرف العرب في عصور ازدهارهم أن المنافسة
الحقيقية كانت على إنتاج المعرفة، وتشييد المدن، وصناعة القانون، ورعاية الإنسان.
لم يكن بيت الحكمة في بغداد ملعباً لكرة القدم، لكنه كان ساحةً تنافس فيها العقل
مع الجهل، وانتصر فيها العلم على الخرافة. ولم تكن جامعات فاس والقيروان وقرطبة
والأزهر مجرد مؤسسات تعليمية، بل كانت مصانع للوعي، ومرافئ استقبلت طلاب المعرفة
من جهات الأرض الأربع.
لقد عرف العرب في عصور ازدهارهم أن المنافسة الحقيقية كانت على إنتاج المعرفة، وتشييد المدن، وصناعة القانون، ورعاية الإنسان. لم يكن بيت الحكمة في بغداد ملعباً لكرة القدم، لكنه كان ساحةً تنافس فيها العقل مع الجهل، وانتصر فيها العلم على الخرافة. ولم تكن جامعات فاس والقيروان وقرطبة والأزهر مجرد مؤسسات تعليمية، بل كانت مصانع للوعي، ومرافئ استقبلت طلاب المعرفة من جهات الأرض الأربع.
ولم يكن سر ذلك المجد في وفرة المال، بل في
منظومة أخلاقية جعلت من الكرامة الإنسانية قيمة عليا، ومن الحرية شرطاً للإبداع،
ومن العدالة أساساً للاستقرار. فلا يمكن لعقل مقيد بالخوف أن يبتكر، ولا لإنسان
يشعر بالإهانة أن يصنع حضارة، ولا لمجتمع يخشى الكلمة الحرة أن ينافس الأمم التي
جعلت من حرية التفكير وقوداً لتقدمها.
ولهذا فإن أول ميدان ينبغي أن يتنافس فيه
العرب هو استعادة القيمة الإنسانية للإنسان العربي. أن يصبح المواطن أغلى من
الحجر، وأن تكون كرامته مصونة بالقانون، وحريته مكفولة بالدستور، وحقوقه غير قابلة
للمساومة. فهذه ليست شعارات سياسية، بل هي البنية التحتية لكل نجاح اقتصادي أو
علمي أو رياضي.
بعد ذلك تأتي المنافسة في التعليم، لا في
عدد الجامعات بل في جودة المعرفة التي تنتجها. وفي البحث العلمي، لا في كثرة
المؤتمرات بل في عدد الاكتشافات وبراءات الاختراع. وفي الاقتصاد المنتج، لا اقتصاد
الريع والاستهلاك. وفي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والصناعات
الدوائية والفضائية، وهي الميادين التي ستحدد موازين القوة خلال العقود المقبلة.
وليس من قبيل المصادفة أن الدول التي تتصدر
مؤشرات الابتكار هي نفسها التي تتصدر نتائج الرياضة. فالرياضة ليست جزيرة معزولة،
وإنما هي نتيجة لنظام تعليمي وصحي وإداري وثقافي متكامل. اللاعب الذي يرفع كأس
العالم هو في النهاية ابن مدرسة جيدة، ومستشفى جيد، وقانون عادل، ومؤسسات تحترم
الكفاءة.
أما نحن، فكثيراً ما نريد الثمار قبل أن
نزرع الأشجار. نحتفل بالإنجاز الفردي، لكننا نتردد في بناء المؤسسة التي تنتج آلاف
الإنجازات. نبحث عن البطل، بينما تتقدم الأمم بصناعة الإنسان العادي الذي يؤدي
عمله بإتقان كل يوم.
ولعل أكثر ما استوقفني، على هامش هذا الحديث
عن المنافسة، تلك الصورة التي جمعت الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي في
أنقرة. مشهد تختصره مفارقة التاريخ؛ رجل خرج من دهاليز ثورات الربيع العربي التي
أُجهضت، ومن بلد أنهكته سنوات الحرب وما خلفته من مآسٍ إنسانية، يجلس إلى جوار
رئيس الدولة الأقوى في العالم، الواثق من نفوذ بلاده وريادتها، ثم يتحدث عن وحدة
الشعب السوري، حكومة وشعباً، في الحلم والمصير.
عند تلك اللحظة لم تستدع الذاكرة
أمجاد الأمويين، ولا أبجدية اللغة الأولى التي خرجت من تلك الأرض، بل استحضرت حقيقة
سياسية أعمق: أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من جيوش واقتصاد وتحالفات،
وإنما بقدرتها على أن تكون محمية بشعبها، ومسنودة بحلمه، ومحصنة بثقته. فحين يلتقي
حلم الدولة بحلم المجتمع، يصبح الشعب هو السور الذي لا تُخترق أسواره، وهو القوة
التي تعجز عن صناعتها أعتى الترسانات.
ثم تقفز إلى الذهن صورة أخرى، ربما كانت
أكثر بلاغة من كل التحليلات السياسية. عشرات الآلاف من الفلسطينيين في غزة، فوق
ركام بيوتهم المهدمة، يرفعون الأعلام المصرية ويهتفون دعماً للمنتخب المصري في كأس
العالم. كان مشهداً إنسانياً بالغ الدلالة؛ شعب يخرج من بين الركام، مثقلاً بالفقد
والجوع والخوف، لكنه لا يتخلى عن انتمائه العربي ولا عن قدرته على منح الحب.
وفي
المقابل، ظل معبر رفح، خلال فترات طويلة من حرب الإبادة، مغلقاً في وجوه أعداد
كبيرة من المدنيين الذين كانوا يبحثون عن ملاذ آمن. تلك المفارقة المؤلمة لا ينبغي
أن تكون مناسبة لتبادل الاتهامات، بقدر ما هي دعوة إلى التأمل في أخلاق الشعوب.
فالأمم لا تُقاس فقط بما تفعله حكوماتها، وإنما أيضاً بما تحتفظ به شعوبها من وفاء
ووجدان وقدرة على تجاوز الجراح. وما رفع تلك الأعلام إلا تذكير بأن روابط الشعوب
أعمق من حسابات السياسة، وأن الكرامة الإنسانية هي اللغة الوحيدة التي يفهمها
الجميع.
لا أحد يطالب العرب بأن يتخلوا عن حلم الفوز بكأس العالم، فالأحلام الجميلة تستحق أن تُعاش. لكن الأجمل من ذلك أن نحلم بالفوز في كأس الحرية، وكأس العدالة، وكأس النزاهة، وكأس المعرفة، وكأس احترام الإنسان. تلك البطولات لا تنتهي بصافرة حكم، ولا تُحسم بركلات الترجيح، وإنما تظل تتراكم جيلاً بعد جيل حتى تصنع أمة واثقة بنفسها وقادرة على الإسهام في الحضارة الإنسانية.
ولعل خروج معظم المنتخبات العربية مبكراً من
كأس العالم ليس هزيمة رياضية بقدر ما هو تذكير رمزي بأن طريق المنافسة العالمية لا
يبدأ من المستطيل الأخضر، وإنما يبدأ من المدرسة والجامعة والمختبر والمحكمة
والمكتبة، ومن احترام الإنسان بوصفه الغاية الأولى لأي مشروع حضاري.
لا أحد يطالب العرب بأن يتخلوا عن حلم الفوز
بكأس العالم، فالأحلام الجميلة تستحق أن تُعاش. لكن الأجمل من ذلك أن نحلم بالفوز
في كأس الحرية، وكأس العدالة، وكأس النزاهة، وكأس المعرفة، وكأس احترام الإنسان.
تلك البطولات لا تنتهي بصافرة حكم، ولا تُحسم بركلات الترجيح، وإنما تظل تتراكم
جيلاً بعد جيل حتى تصنع أمة واثقة بنفسها وقادرة على الإسهام في الحضارة الإنسانية.
وعندما تصبح الحرية ثقافة، والكرامة ممارسة
يومية، والتعليم أولوية، والعدالة قاعدة لا استثناء، فلن يكون التألق العربي في
الملاعب سوى نتيجة طبيعية، لا معجزة موسمية. يومها لن نسأل لماذا خرجنا مبكراً من
بطولة لكرة القدم، لأننا سنكون قد دخلنا، منذ زمن، البطولة الأكبر: بطولة صناعة
الإنسان، وصناعة الدولة، وصناعة المستقبل.. فالمنتخبات قد تخسر مباراة، لكن الأمم
لا تخسر إلا حين تخسر الإنسان.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.