في وداع خالد فهمي.. عالم حول اللغة لمشروع حضاري

عصام تليمة
الراحل خالد فهمي حول الدرس اللغوي واللساني إلى جبهة قتال ونضال للأمة، وأن الأمة تؤتى أول ما تؤتى من حصن اللغة واللسان..
الراحل خالد فهمي حول الدرس اللغوي واللساني إلى جبهة قتال ونضال للأمة، وأن الأمة تؤتى أول ما تؤتى من حصن اللغة واللسان..
شارك الخبر
فجعنا بخبر وفاة العلامة والمفكر اللغوي الكبير الأستاذ الدكتور خالد فهمي، الذي عرف بتخصصه في اللسانيات وعلم اللغة، رغم تجاوزه التخصص، وجعله جسرا بين العلم والحضارة والهوية، ولم نعلم عن سبب وفاته رحمه الله، وإن خلط الناس في بادئ الأمر بينه وبين خالد فهمي المفكر المعروف صاحب كتاب: كل رجال الباشا حفظه الله ونفع به، لكن صديقنا خالد فهمي الذي نزل على كل محبيه خبر وفاته كالصاعقة، هو اللغوي وعالم اللسانيات.

فوجئ الجميع ببعض محبيه يكتبون نعيا في خالد فهمي، ولم يصدق الكثيرون لبرهة، إذ إنه لا يعرف عنه إصابة بمرض، ولا وفاة في حادث، وإن كتب أحد أقرب المقربين إليه أنه قد يكون مات كمدا وحزنا، لخبر لم يبح به بعد، وأنه واساه فيما بلغه من خبر أحزنه، وهذا هو الظن بخالد فهمي، الذي تؤرقه الهموم والأحزان التي يعاني منها إخوانه وأصدقاؤه، وأمته.

كان ديدنه إذا قرأ مقالا، أو بحثا، أو شاهد مقطعا، بحث عن صاحبه، وتواصل معه، وشد على يده، وشجعه، وكثيرا ما كان يراسلني على معظم المقالات التي أكتبها، والمقاطع التي أبثها عبر قناتي على اليوتيوب، مطعما ذلك بدعاء محبب للقلب، على حسب المادة التي قرأها أو شاهدها،
كثيرون أحبوه دون أن يروه، أو يجمعهم به لقاء مباشر، فقد كان وصولا للجميع، من تابع صفحته على الفيس بوك، يجده دائم التواصل في أفراح الناس وأحزانهم، فيكتب عن زواج ابنة فلان، أو مصاب لدى فلان، أو مرض لفلان أو قريب له، فيستحث الناس على الدعاء له، وهو ما يدل على نقاء سريرة الرجل، وسعة قلبه الكبير، الذي بدا في عزاءات الناس الذين نعوه ورثوه على صفحاتهم، وكثير منهم لم تجمعه به صحبة مباشرة.

فكان ديدنه إذا قرأ مقالا، أو بحثا، أو شاهد مقطعا، بحث عن صاحبه، وتواصل معه، وشد على يده، وشجعه، وكثيرا ما كان يراسلني على معظم المقالات التي أكتبها، والمقاطع التي أبثها عبر قناتي على اليوتيوب، مطعما ذلك بدعاء محبب للقلب، على حسب المادة التي قرأها أو شاهدها، فإن كانت ذبا عن عرض عالم أو شخص، دعا لي بحفظ عرضي، كما قمت بالذود عن عرض فلان، وإن كان مادة علمية، فتراه يرسل رأيه، ويقترح لو تم تناول زاوية أخرى من الموضوع.

وهذا التواصل ربما شعر بقيمته أكثر، طلبة العلم الذي ساهم في تكوينهم العلمي، أو الباحثون الذين مد لهم يد العون في الاقتراح والمعاونة في أطروحاتهم، ولا أنسى له حين كنت أكتب خطة بحثي للدكتوراه، وطلبت منه نصائح، فحمل الخطة بنفسه، وذهب بها إلى أساتذتي: الدكتور سليم العوا حفظه الله وبارك في عمره وعلمه، والدكتور محمد عمارة، والمستشار طارق البشري، رحمهما الله، وكتب وراءهم ما يقترحونه من أفكار، وهو من هو في مكانته، أستاذ دكتور، وليس لدي ما يغريه من مغريات الدنيا، سوى أنه كان طامعا فيما عند الله من أجر، وما بيننا من أخوة.

لم يكن خالد فهمي مجرد مفكر أو لغوي، يقبع في مكتبته، ولو فعل ذلك لكفاه، لكنه جمع بين العلم والعمل، بين التفرغ للعلم، والتواصل مع طلبته وأهله، ولو قام شخص بالطواف على صفحات التواصل الاجتماعي، وما قام به أساتذة كبار، من رثائه، لعلموا مكانته، سواء على مستوى العلم، أو الخلق والتواصل والمحبة.

حول خالد فهمي اللغة من مجرد تخصص حبيس جدران المجامع، أو المحافل العلمية، إلى مشروع حضاري، ومشروع هوية للأمة، وكان يلح على ذلك في مقالاته وبحوثه وكتبه، لم يقف باللغة عند حدود النطق والمهارة في الحديث بها، ولو فعل ذلك فقط لكفاه.

لكن الرجل حول الدرس اللغوي واللساني إلى جبهة قتال ونضال للأمة، وأن الأمة تؤتى أول ما تؤتى من حصن اللغة واللسان، وقد جاء كتابه: (إسرائيل واللسان العربي.. رحلة التوظيف من احتلال الأرض إلى اختراق الوعي) في هذا السياق، ليكون صرخة وجرس إنذار على ما يمارسه الاحتلال من مخططات، لا تقف عند حدود الاختراق العسكري، بل إنه قبل ذلك وأثناءه وبعده، يمارس اختراق الوعي، عن طريق اللغة، وعن طريق التطبيع. ويضم إلى كتابه هذا كتاب آخر، وهو: (ثقافة الاستهانة.. دراسات تطبيقية في اللسانيات والمعاجم العربية).

لم يكن خالد فهمي مجرد مفكر أو لغوي، يقبع في مكتبته، ولو فعل ذلك لكفاه، لكنه جمع بين العلم والعمل، بين التفرغ للعلم، والتواصل مع طلبته وأهله، ولو قام شخص بالطواف على صفحات التواصل الاجتماعي، وما قام به أساتذة كبار، من رثائه، لعلموا مكانته، سواء على مستوى العلم، أو الخلق والتواصل والمحبة.
أما كتابه: (مقاصد علم اللغة في الحضارة العربية الإسلامية)، فقد سد ثغرة مهمة في المكتبة اللغوية، في باب جديد غير مطروق، ولم يكن غريبا عن اهتماماته وبحوثه الأخرى التي في نفس المضمار، والتي تنم عن عقلية علامة لغوي كبير، كان لديه ما يقوله، ولم يمت فارغا، يذكرني بقول أحد السلف: يموت العالم وبه مائة علم لم يكتب، فعقب العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة على ذلك قائلا: وأنا أموت وبي ألف علم لم يكتب. وهو ما نجزم به في حال خالد فهمي رحمه الله.

لقد نعى خالد فهمي نفسه قبل وفاته بشهور قليلة، فكتب على صفحته هذه العبارة: أقصى ما يمكنني تحصيله بعد الموت أسبوع حزن ممن حولي علي إن حصل، ثم ينشغل الجميع عني. وكتب أيضا: اللهم ارزقني من يترحم علي بعد متوتي وتقبل منه يا رب! فكان من بركة الرجل الصالح أن قيض له ألسنا كثيرة لا حصر لها تلهج بالدعاء له، وترجو الرحمة والمغفرة له، وما ظنه بنسيانه، فهو مردود بما خلفه من آثار علمية، يصعب أن ينساه طلبة العلم في ظل الانتفاع بها، وهي كتب مهمة في بابها، وما أكثر ما تفرد به في عدة كتب، رحمه الله رحمة واسعة.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)