عن نفاق استبدال الفرنسية بالإنجليزية في الجزائر

جمال الدين طالب
بعد إسطوانة التعريب المتسرع والمرتجل وتعلم "الحفافة (الحلاقة) في رؤوس اليتامي (أبناء الشعب)" كما يقول المثل الشعبي.. جاءت اسطوانة "الأنجلزة" بإنجليزية بلا أساتذة ولا مخابر ولا تكوين لأبناء الشعب..
بعد إسطوانة التعريب المتسرع والمرتجل وتعلم "الحفافة (الحلاقة) في رؤوس اليتامي (أبناء الشعب)" كما يقول المثل الشعبي.. جاءت اسطوانة "الأنجلزة" بإنجليزية بلا أساتذة ولا مخابر ولا تكوين لأبناء الشعب..
شارك الخبر
من جديد تعود أسطوانة اللغات في الجزائر لتدور.. رأو بالأحرى لتديرها منظومة الحكم بشكل انتهازي مشروخ لتحدث شروخات مقصودة ضمن سياسة الإلهاء وتحويل الأنظار  و"فرق تسد" المعهودة منذ الاستقلال .. بالأمس ومنذ السبعينيات والثمانينيات كان الشعار هو التعريب الشامل ومحاربة الفرنسية لغة المستعمر، بينما كان من يرفع هذا الشعار من المسؤولين يحرص على تعليم أبنائهم بالفرنسية ويتوددون ويقدمون خدمات لباريس وسفارتها مقابل الحصول على مكان لأبنائهم في الثانوية الفرنسية بالجزائر ويرسلونهم للدراسة في فرنسا بمنح سخية من الدولة.

اليوم تغير الشعار وأصبح: سنستبدل الفرنسية بالإنجليزية لغة العلم والتكنولوجيا. تتغير الشعارات وتبقى المسرحية نفسها، بالنوع نفسه من الممثلين وإن تغيرت أسماؤهم وبنفس الجمهور المستهدف المنقسم والمخدوع.

آخر فصول هذه المسرحية ما أعلنه وزير التربية مؤخرا عن تأجيل تدريس الفرنسية إلى السنة الرابعة ابتدائي بدلا من الثالثة، وكأن مشكلة المدرسة الجزائرية كلها تكمن في حرف فرنسي يدرسه طفل في الثامنة من عمره، بينما تعاني المدرسة الجزائرية أيما معاناة ويعاني العاملون فيها والذين يقمعون ويضيق عليهم عندما يشتكون، ويتم بالتزامن حل نقابة "الكناباست" أبرز نقابة في قطاع التربية.

هل وفر المسؤولون الظروف المناسبة لتدريس الإنجليزية قبل أن يزايدوا بها؟ هل كونتم أساتذة حقيقيين يتقنون الانجليزية تحدثا وكتابة، أم اكتفيتم بتحويل أساتذة الفرنسية بقدرة قادر إلى أساتذة إنجليزية بعد تربص لأسبوعين؟ هل وفرتم مخابر لغات، وكتبا حديثة، ومنصات رقمية، وبيئة تجعل التلميذ يعيش اللغة، أم أن الأمر لا يعدو كونه حصة في قسم مكتظ يحفظ فيها التلميذ بضع كلمات بالانجليزية، وينتهي كل شيء؟
خطوة استهداف الفرنسية قرار شعبوي بامتياز يراد منه إيهام الناس أن هناك قطيعة حقيقية مع لغة المستعمر، بينما الواقع يقول عكس ذلك تماما.

كيف نصدق هذه القطيعة المزعومة ورئيس البلاد نفسه، عبد المجيد تبون، لا يتوقف عن استعمال الفرنسية بمناسبة وبدون مناسبة. ولا يكاد ينهي حوارا تلفزيونيا إلا وتكون الفرنسية هي السيدة والسائدة فيه؟ ففي حواره التلفزيوني الأخير قبل أيام، والذي امتد لأكثر من ساعتين كان أكثر من نصف الأسئلة فيه بالفرنسية وأكثر من نصف الأجوبة بالفرنسية، و بمزيج ركيك من العربية. أية مصداقية تبقى لخطاب السلطة في "الجزائر الجديدة والمنتصرة" ومحاربة لغة المستعمر ورئيسها لا يخاطب الجزائريين باللغة العربية الرسمية للبلاد أو باللغة الرسمية الأخرى الأمازيغية التي يتردد أنه يتقنها.. إنما يخاطب الجزائريين ويخطب فيهم بلغة فرنسا، التي وصفها في الحوار نفسه بالدولة الصديقة، وبلغتها وبلغة "فافا" كما يحب أن يسميها التيار العروبي الذي يروي لي صديق صحافي كيف أنه صدم صدمة العمر عندما زار أحد رموز هذا التيار البارزين لمحاورته في فيلته الفاخرة في حي المسؤولين  الفاخر في العاصمة الجزائرية، عندما وجد لغة التخاطب وسط عائلة المسؤول "العروبي" السامي السابق هي لغة المستعمر السابق الذي اقتسم المسؤول نفسه مع مسؤولين آخرين غنائم فيلاته بعد الاستقلال!

هنا يظهر النفاق في أبشع صوره. لعقود طويلة والمسؤول الجزائري يتاجر بقضية اللغة. في المنابر الرسمية يلعن الفرنسية ويتحدث عن الاستعمار الثقافي، وفي الكواليس يتوسل للحصول على موعد في السفارة الفرنسية بالجزائر ليتوسل مقعدا لابنه أو ابنته في ثانوية ألكسندر دوما (الثانوية الفرنسية الدولية) في العاصمة الجزائرية. نفس المسؤول الذي يزايد باستهداف الفرنسي، يرسل ابنه ليدرس بأموال الشعب في باريس أو ليون.. ثم يعود ليحجز له منصبا ساميا بمرتب سخي أو يكون له مستقبل مهني أفضل وإن كان الموثق أن كثيرا من أبناء المسؤولين ليسوا متفوقين دراسيا بل يرسلون في بعثات دراسية على حساب المتفوقين من أبناء الشعب، وكثير منهم يفشلون في دراستهم ويبقى كثير منهم مقيما في فرنسا وبعضهم يحصل على مناصب بأجور سخية في السفارة أو القنصليات الجزائرية مثلا أو الخطوط الجوية الجزائرية المفلسة فعليا، التي توفر رواتب سخية بدعم مالي حكومي بينما تفرض أسعارا مرهقة على الجزائريين.

وبعض هؤلاء الأبناء المحظوظين يبقون في فرنسا ويحصلون على بطاقات إقامات بتسهيلات فرنسية بعد وساطات من الأباء، الذين يحولون أموال الشعب المنهوبة إلى فرنسا ويشترون الممتلكات فيها بينما يبيعون بروباغندا معاداتها ومعاداة لغتها في الجزائر واستبدالها بالإنجليزية!

 هم يريدونها قسمة ظالمة في الحقيقة : بعد إسطوانة التعريب المتسرع والمرتجل وتعلم "الحفافة (الحلاقة) في رؤوس اليتامي (أبناء الشعب)" كما يقول المثل الشعبي.. جاءت اسطوانة "الأنجلزة" بإنجليزية بلا أساتذة ولا مخابر ولا تكوين لأبناء الشعب، وفرنسية متقنة على طبق من ذهب لأبنائهم تضمن لهم التفوق والهجرة والمناصب.

ولنكن واضحين هنا: المشكلة ليست في اللغة الإنجليزية نفسها. لا أحد عاقل اليوم يعارض تعليم الإنجليزية. الإنجليزية أصبحت لغة العلوم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبحث الأكاديمي، ومن الغباء معاداتها. الشعب الجزائري كله يتمنى أن يتقن أبناؤه الإنجليزية بطلاقة، ولما لا حتى لغات أخرى خاصة ونحن كجزائريين لدينا قدرة على تعلم اللغات ونطق كل الحروف اللاتينية مقارنة مثلا بإخواننا في المشرق الذين يجدون صعوبة في نطق بع الحروف اللاتينية.

المشكلة ليست في ماذا ندرس، بل في كيف ندرس؟

هل وفر المسؤولون الظروف المناسبة لتدريس الإنجليزية قبل أن يزايدوا بها؟ هل كونتم أساتذة حقيقيين يتقنون الانجليزية تحدثا وكتابة، أم اكتفيتم بتحويل أساتذة الفرنسية بقدرة قادر إلى أساتذة إنجليزية بعد تربص لأسبوعين؟ هل وفرتم مخابر لغات، وكتبا حديثة، ومنصات رقمية، وبيئة تجعل التلميذ يعيش اللغة، أم أن الأمر لا يعدو كونه حصة في قسم مكتظ يحفظ فيها التلميذ بضع كلمات بالانجليزية، وينتهي كل شيء؟

وقد حدث كذلك عبث استبدال الفرنسية بالإنجليزية في الجامعة بشكل أكثر دمارا خاصة في المواد العلمية والتقنية بإجبار أساتذة لا يتقنون الإنجليزية التدريس بها بعد ادعاءات عن تكوين قصير!

من يرفعون شعار  "الأنجلزة" وبعضهم بمزيج من عمى أيديولوجي سخيف ويذهب ببعضهم إلى شطط التبرير بأن الدول الأنغلوفونية الأفريقية التي استعمرتها بريطانيا في وضع أفضل من الدول الفرنكوفونية التي استعمرتها فرنسا!

هؤلاء المزايدون يزعمون محاربة الفرنسية التي من الموضوعي والبراغماتي القول إن للجزائريين قاعدة فيها رغم تآكلها، ومازال هناك جيل مكون بشكل جيد بها يمكن الاستفادة منه.

هؤلاء المزايدون يريدون استبدال الفرنسية بارتجالية بلغة انجليزية لا تتوفر الظروف المناسبة لها بعد. هذه ليست سياسة لغوية، هذه جريمة تربوية سيدفع ثمنها جيل كامل سيجد نفسه لا يتقن لا فرنسية ولا إنجليزية.

والأدهى أن من يروج لهذا الصراع الوهمي يجهل أبجديات اللغات. فالفرنسية المتقنة تساعد على تعلم الانجليزية ولا تعيقها. أكثر من 40% حتى 50% من مفردات الإنجليزية الحديثة أصلها فرنسي مباشر. الجزائري الذي يتقن الفرنسية يتعلم الإنجليزية في أشهر، بينما من لا يتقن أي لغة أجنبية سيظل يدور في حلقة مفرغة.

وأنا أتحدث عن تجربة هنا فأنا أقيم في بريطانيا منذ 27 عاما وقد ساعدتني الفرنسية في تعلم الإنجليزية، بل إن اللغة الإنجليزية الأكاديمية الراقية مليئة بالكلمات الفرنسية، وهو ما ساعدني كثيرا.

خطوة استهداف الفرنسية قرار شعبوي بامتياز يراد منه إيهام الناس أن هناك قطيعة حقيقية مع لغة المستعمر، بينما الواقع يقول عكس ذلك تماما.
ولكي لا يزايد عليً المزايدون الذين يرفعون شعار العروبة و"الأنجلزة" ومعاداة الفرنسية رغم أنه للمفارقة اختار بعض منهم العيش عند "فافا" بمنطق "الدابة جبفة ومصارينها حلال" فأنا اخترت الهجرة لبريطانيا وليس لفرنسا!

لقد قالها كاتب ياسين، الذي كان أكثر وطنية من كل هؤلاء المزايدين مجتمعين: "الفرنسية غنيمة حرب"؟

وقد استعملت الحركة الوطنية الجزائرية والثورة التحريرية لغة المستعمر الفرنسي كسلاح ضده.

وقبل ذلك "أليس من تعلم لغة قوم آمن شرهم"! 

وبمنطلق براغماتي ففرنسا لا تزال سادس أكبر اقتصاد في العالم، وهناك شراكة اقتصادية معها، وفيها أكبر جالية جزائرية في الخارج، فيها كفاءات في كل المجالات.

وإتقان الفرنسية يوفر فرص عمل وتبادل علمي وتكنولوجي وثقافي لأبنائنا.. وبراغماتيا هي أيضا فرص دراسة وتعلم وحتى هجرة نظامية مفيدة للبلاد والعباد لمن أراد ذلك. فلماذا نحرم أبناءنا منها لنرضي غرور مسؤول لا يطبق ما يقول؟

كفوا عن المتاجرة باللغات. علموا أبناء الجزائر العربية السليمة، وحتى الأصل الأمازيغية، وتعاملوا مع الفرنسية بواقعية وبراغماتية، ووفرّوا الظروف الحقيقية والصادقة لتعليم الإنجليزية وحتى لغات أخرى بأساتذة أكفاء وبرامج رصينة. أما سياسة الإنجليزية للفقراء والفرنسية لأبناء الوزراء، فهي قمة النفاق والاحتقار.

*كاتب جزائري مقيم في لندن


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل