قضية محمد قحطان.. حين لا تنهي الجثة المجهولة سؤال المصير

عبد المجيد عكروت
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في قضايا المختفين والمحتجزين هو أن يتحول الغموض إلى بديل عن الحقيقة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في قضايا المختفين والمحتجزين هو أن يتحول الغموض إلى بديل عن الحقيقة.
شارك الخبر
لم تعد قضية السياسي اليمني الأستاذ محمد قحطان مجرد ملف اعتقال سياسي، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا الحقوقية والإنسانية حساسية في اليمن، لأنها تختصر مأساة سنوات من الغموض والانتظار، وتضع سؤال الحقيقة في مواجهة محاولات إغلاق الملف دون إجابة مقنعة.

فمنذ اعتقاله على يد مليشيا الحوثي عقب انقلابها على الدولة اليمنية، ظل مصير محمد قحطان مجهولًا، رغم المطالبات المستمرة بالكشف عن مكان وجوده وتمكين أسرته من معرفة مصيره. وطوال تلك السنوات بقي السؤال الذي لم يجد إجابة واضحة: أين محمد قحطان؟

المستجدات الأخيرة لم تُغلق القضية، بل زادت من تعقيدها. فقد أعلنت جماعة الحوثي رواية تفيد بمقتل قحطان، وقدمت جثمانًا غير واضح المعالم على أنه يعود إليه. غير أن هذه الرواية قوبلت برفض من أسرته وحزبه، اللذين أكدا أن ما قُدم لا يمثل إثباتًا حاسمًا لمصيره، وطالبا بالكشف الكامل عن الحقيقة وإخضاع الأمر لإجراءات تحقق مستقلة وموثوقة.

ففي القضايا الإنسانية الكبرى، لا يكفي الإعلان عن مصير شخص غاب لسنوات، ولا تكفي الإشارة إلى بقايا أو جثمان غير محدد الهوية لإغلاق ملف بهذه الحساسية. فالمعيار الأساسي هو الدليل القاطع الذي يمنح الأسرة اليقين، ويضع حدًا لسنوات الانتظار والأسئلة. أما تقديم رواية لا تحظى بقبول أصحاب الحق أنفسهم، فإنه لا ينهي القضية، بل يفتح بابًا جديدًا من التساؤلات.

في القضايا الإنسانية الكبرى، لا يكفي الإعلان عن مصير شخص غاب لسنوات، ولا تكفي الإشارة إلى بقايا أو جثمان غير محدد الهوية لإغلاق ملف بهذه الحساسية. فالمعيار الأساسي هو الدليل القاطع الذي يمنح الأسرة اليقين، ويضع حدًا لسنوات الانتظار والأسئلة. أما تقديم رواية لا تحظى بقبول أصحاب الحق أنفسهم، فإنه لا ينهي القضية، بل يفتح بابًا جديدًا من التساؤلات.
إن جوهر القضية ليس فقط معرفة ما إذا كان محمد قحطان قد فارق الحياة، بل معرفة الحقيقة كاملة: متى وكيف وأين حدث ذلك؟ ومن المسؤول عن سنوات الإخفاء والغموض التي سبقت الإعلان الأخير؟ فحتى في حال ثبوت الوفاة، تبقى الأسئلة المرتبطة بمسار الاحتجاز ومكانه وظروفه قائمة، ولا يمكن تجاوزها بمجرد تقديم رواية مختصرة.

ومن زاوية تحليلية، فإن طريقة إدارة هذا الملف منذ بدايته وحتى التطورات الأخيرة تثير العديد من علامات الاستفهام. فبعد سنوات طويلة من الصمت والغموض، تأتي رواية جديدة دون أن ترافقها، وفق ما تؤكد الأسرة والحزب، الأدلة الكافية التي تسمح بإغلاق الملف. وهذا ما يجعل القضية تنتقل من سؤال "أين محمد قحطان؟" إلى سؤال آخر: هل قُدمت الحقيقة كاملة أم مجرد رواية جديدة تحتاج إلى إثبات؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في قضايا المختفين والمحتجزين هو أن يتحول الغموض إلى بديل عن الحقيقة. فالمجتمعات لا تُبنى على الروايات المتضاربة، وإنما على الحقائق الموثقة. والأسرة التي انتظرت سنوات لا تطالب بأكثر من حقها الطبيعي في معرفة مصير ابنها، وفق إجراءات واضحة لا تترك مجالًا للشك.

كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد إعلان رواية عن المصير. فإذا كانت جماعة الحوثي هي الجهة التي احتجزت محمد قحطان، فإنها مطالبة بتقديم كل ما يثبت روايتها بصورة شفافة، والسماح بالتحقق المستقل من هوية الجثمان وظروف الوفاة وتفاصيلها. فالقضية ليست شأنًا سياسيًا يمكن حسمه ببيان، بل قضية إنسانية وحقوقية تتطلب أعلى درجات الوضوح.

لقد أثبتت التجارب أن قضايا المفقودين لا تُغلق بالقوة ولا بالوقت، بل بالحقيقة. وحتى عندما يكون المصير هو الوفاة، فإن معرفة الحقيقة تبقى حقًا أصيلًا للأسرة والمجتمع. أما ترك الملف في دائرة الشك، فإنه يبقي الجرح مفتوحًا ويمنع الوصول إلى العدالة.

ولهذا فإن التطورات الأخيرة، بدل أن تطوي قضية محمد قحطان، أعادت التأكيد على أن الحقيقة لا تزال بحاجة إلى إثبات كامل. فالجثمان غير المحدد المعالم لا يمثل نهاية السؤال، والرواية غير المدعومة بتحقق مستقل لا تكفي لإنهاء سنوات من الغموض.

ستظل قضية محمد قحطان مفتوحة حتى يتم الكشف عن الحقيقة بصورة واضحة وموثقة، وحتى يحصل أهله والمجتمع على إجابة لا تقوم على الاحتمالات، بل على اليقين. فالقضايا الكبرى لا تُغلق بمجرد إعلان النهاية، وإنما عندما تصبح الحقيقة كاملة، واضحة، وغير قابلة للجدل.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)