عن مجلس الشعب السوري المرجو

حسين عبد العزيز
نحن هنا أمام تعينات بغرض الإرضاء السياسي، وليس أمام نخبة حقوقية ـ سياسية لها خبرة في مجال التشريع وبناء الدساتير والقوانين وأنظمة الحكم.. سانا
نحن هنا أمام تعينات بغرض الإرضاء السياسي، وليس أمام نخبة حقوقية ـ سياسية لها خبرة في مجال التشريع وبناء الدساتير والقوانين وأنظمة الحكم.. سانا
شارك الخبر
مع اختيار الرئيس السوري أحمد الشرع للسبعين عضواً المخصصين له في مجلس الشعب بموجب المرسوم الرئاسي رقم (143) لعام 2025 والذي ينص على أن رئيس الجمهورية يعين ثلث الأعضاء (السبعين عضواً)، اكتمل نصاب مجلس الشعب الـ 210 أعضاء، واكتملت معه الأسئلة حول المهام الرئيسية لهذا المجلس، سواء على المتسوى التشريع السياسي والاقتصادي، أو على مستوى دوره الرقابي.

قد يُحكى الكثير، وتُكتب سرديات كثيرة حول ما يجب أن يقوم به هذا المجلس في سياق مرحلة تاريخية هامة تمر بها سوريا، غير أن الكلام حول ذلك يبقى، ليس ترفاً فكرياً فحسب، بل يمكن القول إنه ميتا ـ واقعي، أي مفارق للواقع، لأن هذا المجلس غير قادر على التشريع السياسي الذي يغير منظومة الحكم بالكامل وفق المعايير الدولية المعاصرة، فقد عُين هذا المجلس من أعلى، كما كان الأمر زمن الأسدين، وإن اختلفت الأساليب الشكلية.

بينت تجارب القرن العشرين والقرن الحالي، أن كثيرا من الأنظمة ادعت امتلاك مضمون ديمقراطي (تمثيل الشعب، تحقيق العدالة الاجتماعية)، لكنها ألغت الآليات التي تمنع الاستبداد، فبغياب الشكل الديمقراطي لا توجد وسيلة لمحاسبة السلطة أو تغييرها.
لن نخوض في تفاصيل تشكيل هذا المجلس، فقد كتبنا عنه سابقاً (النظام الانتخابي السوري.. أية فرص للديمقراطية؟ "عربي21" في 16 أغسطس 2025)، بل سنكتفي بتسليط الضوء سريعاً على الأهمية الشكلية للديمقراطية.

بينت تجارب القرن العشرين والقرن الحالي، أن كثيرا من الأنظمة ادعت امتلاك مضمون ديمقراطي (تمثيل الشعب، تحقيق العدالة الاجتماعية)، لكنها ألغت الآليات التي تمنع الاستبداد، فبغياب الشكل الديمقراطي لا توجد وسيلة لمحاسبة السلطة أو تغييرها.

لذلك، فإن الشكل الديمقراطي ليس أمراً ثانوياً، أو مجرد قشرة خارجية، بل هو شرط لحماية أي مضمون ديمقراطي، لأن المؤسسات المنتخبة والإجراءات هي التي تمنع تحول فكرة إرادة الشعب إلى ذريعة لاحتكار السلطة.

بهذا المعنى، فإن المضمون الديمقراطي، أي الهدف من النظام الديمقراطي (حرية، عدالة، مساواة، سيادة الشعب، تعددية سياسية)، لن يتحقق إذا كانت الوسائل الشكلية غير صحيحة، فليس من المهم وجود رئيس للدولة، أو وجود مجلس قضاء أعلى، أو مجلس شعب، بل المهم الطريقة التي يتم بها تشكيل هذه المؤسسات، لأن هذه الطريقة هي التي تحدد نظاماً ما بأنه ديمقراطي أو استبدادي.

ومن خلال الطريقة التي تم بها تشكيل مجلس الشعب السوري: بطريقة غير مباشرة (140 عضواً) أو بطريقة مباشرة (70 عضواً)، فإنه سيكون انعكاساً للسلطة القائمة، وأفضل ما يمكن القيام به هو دور رقابي محدود بحدود الإمكان القائم في نظام الحكم.

ولم يكن مدهشاً أن تصريحات الكثيرين من أعضاء مجلس الشعب السوري لوسائل إعلام عربية عديدة، أظهرت رؤيتهم لمهام هذا المجلس، فجميع من قرأت كلامهم، تحدثوا فقط عن الدور الرقابي للمجلس على المسؤولين.

بلغة أخرى، ينظر أعضاء مجلس الشعب السوري إلى أنفسهم كأعضاء محايدين على مستوى المسؤولين (مهمة المراقبة، والإشارة إلى الانتهاكات) وتابعين لرئيس الجمهورية، وليس محايدين على هذا المستوى.

في ضوء ما تقدم، يبدو من الاستحالة بمكان توقع أن يُقدم مجلس الشعب على وضع تشريعات من شأنها أن تغير آليات الحكم المؤسساتي، وكل ما سيقوم به هو الإشراف (تحت عباءة الرئاسة) على وضع دستور جديد للدولة، ووضع قانون انتخابي، وليس معروفاً ما إذا كانوا سيسنون تشريعات حول الأحزاب والمجتمع المدني.

يبدو من الاستحالة بمكان توقع أن يُقدم مجلس الشعب على وضع تشريعات من شأنها أن تغير آليات الحكم المؤسساتي، وكل ما سيقوم به هو الإشراف (تحت عباءة الرئاسة) على وضع دستور جديد للدولة، ووضع قانون انتخابي، وليس معروفاً ما إذا كانوا سيسنون تشريعات حول الأحزاب والمجتمع المدني.
ليست وظيفة مجلس الشعب الحالي إلا إضفاء ديكور شكلي (يسمى ديمقراطياً من قبل صانعيه) على نظام حكم استبدادي، ولا يجب أن يكون لدينا عُصاب الكلمات حين نستخدم كلمة استبدادي، لأن المصطلح في اللغة العربية يعني الإمساك بشيء: على صعيد المواقف الفردية يعني مصطلح الاستبداد الانفراد بالرأي والتعسف فيه دون مشورة من الآخري، وفي الشأن السياسي يعني المصطلح انفراد الحاكم، أو مجموعة من الأشخاص بالسلطة، دون الخضوع للقانون والرقابة.

وكما لم يختلف شكل تشكيل المجلس عن العهد الأسدي، كذلك لم تختلف الغاية منه في وقتنا الحالي: كان مجلس الشعب في عهد الأسد الأب والابن، ساحة للتنافس على المكانة والنفوذ ورعاية الاستزبان، بحيث أصبح التملق والولاء مدخلين للوصول إليه، ثم حدث تحول مهم في مسار المجلس خلال العقدين الماضيين مع دخول رجال أعمال حديثي النعمة معظمهم من صنيعة النظام، والنتيجة أن المجلس لم يعد ساحة للمكانة والنفوذ فحسب، بل أصبح سوقا للبازار السياسي تتم عبره الملاءمة بين رأس المال الاقتصادي ورأس المال السياسي، وفي الحالتين، هو مؤسسة للاستزبان السياسي.

هذا الواقع لم يتغير، فالمجلس الحالي ليس سوى ساحة للاستزبان السياسي مرة أخرى، ويكفي النظر إلى أعضائه، وخصوصاً الأعضاء السبعين الذي عينهم الرئيس الشرع: إنهم شخصيات عادية جداً، لا تمتلك إرثاً سياسياً، ولا مؤسسياً، ولا معرفياً، منهم من كان في الائتلاف الوطني السابق، ومنهم من يسموا بـ "محللين سياسيين" مدافعين بشراسة عن السلطة، ومنهم أكاديميين تكنوقراط، يصلحون كمسؤولين في الحكومة لا في مجلس الشعب حيث الاختصاص التشريعي، ومنهم من مجال التمثيل، ومنهم رجال دين، ومنهم رجال أعمال.

نحن هنا أمام تعينات بغرض الإرضاء السياسي، وليس أمام نخبة حقوقية ـ سياسية لها خبرة في مجال التشريع وبناء الدساتير والقوانين وأنظمة الحكم.. ليس هذا مجلس الشعب الذي نريده، إنه يمثل فئة معينة، كما كان الأمر في السابق: لقد تغيرت الشخوص ولم تتغير الذهنيات.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)