بعد سقوط
الأنظمة، تنشغل المجتمعات عادة بأسئلة السلطة والدستور والانتخابات وإعادة
الإعمار. لكن ثمة سؤال آخر أكثر عمقا وأطول عمرا من كل تلك الأسئلة: أي
ذاكرة سنورثها للأجيال القادمة؟
فالدول لا
تُبنى بالمؤسسات وحدها، بل أيضا بالقصص التي ترويها عن نفسها، وبالطريقة التي تفهم
بها ماضيها، وبالإنسان الذي تسعى إلى تكوينه من خلال هذه الذاكرة. وفي الحالة
السورية، يبدو هذا السؤال اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
فبعد
سنوات طويلة من القمع والحرب والاعتقال والتهجير والانقسام، لم يعد التحدي مقتصرا
على بناء مؤسسات جديدة أو إنتاج شرعية سياسية جديدة، بل يمتد إلى بناء رواية وطنية
قادرة على حماية الذاكرة من النسيان، وعلى مصالحة الماضي مع الحاضر دون الوقوع في
أسر الثأر أو الإنكار. فالذاكرة
ليست مجرد مستودع للأحداث، بل هي حارسة التاريخ ومسؤوليته.
وقد ناقش
الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (1913-2005)، في كتابه الشهير "الذاكرة، التاريخ،
النسيان"، العلاقة المعقدة بين حفظ الذاكرة وكتابة التاريخ. فالمجتمعات لا
تستطيع العيش بلا ذاكرة، لكنها لا تستطيع أيضا بناء مستقبلها إذا بقيت أسيرة
جراحها إلى الأبد. فالذاكرة التي تحمي الحقيقة ضرورية، لكن الذاكرة التي تتحول إلى
إقامة دائمة في الماضي قد تصبح عبئا على المستقبل نفسه.
ومن زاوية
أخرى، حذر المفكر البلغاري الفرنسي تزفيتان تودوروف (1939-2017) من تحويل الذاكرة
إلى أداة للصراع الدائم. فليست كل ذاكرة عادلة بالضرورة، إذ يمكن للذاكرة أن تساعد
على التعلم والمصالحة، كما يمكن أن تتحول إلى وقود جديد للانقسام والكراهية إذا
جرى توظيفها سياسيا بصورة انتقائية.
وفي
سوريا
اليوم، لا يقتصر السؤال على حماية ذاكرة الضحايا أو توثيق الجرائم، رغم أهمية ذلك،
بل يتجاوزها إلى سؤال أوسع: كيف يمكن تحويل الذاكرة إلى أساس لمستقبل مشترك؟
هنا تبرز
أهمية النقاش الذي قدّمه المفكر العربي عزمي بشارة (1956-) حول الأمة والهوية
والمجال العام. فالأمم لا تُبنى بالمؤسسات والحدود وحدها، بل أيضا بذاكرة مشتركة
وتجربة سياسية تسمح للأفراد برؤية أنفسهم جزءا من جماعة وطنية واحدة رغم
اختلافاتهم الدينية أو القومية أو السياسية.
ولهذا فإن
أزمة سوريا اليوم ليست أزمة سلطة فقط، بل أزمة رواية أيضا. فلكل طرف روايته الخاصة: رواية الضحية، ورواية الناجي، ورواية المنفى،
ورواية الداخل، ورواية القوى السياسية، بل وحتى رواية القوى الإقليمية والدولية
التي حاولت تفسير ما جرى أو توظيفه وفق مصالحها الخاصة.
لكن
الدولة لا تستطيع أن تقوم على روايات متوازية لا تلتقي. وهنا يستعيد المرء أفكار
المفكر الأيرلندي بندكت أندرسون (1936-2015)، صاحب مفهوم "الجماعات المتخيلة"،
الذي رأى أن الأمم ليست مجرد وقائع جغرافية أو حدود سياسية، بل قصص مشتركة يتفق
الناس على الانتماء إليها.
غير أن
بناء رواية وطنية سورية لا يعني فرض رواية واحدة بالقوة، ولا محو الاختلافات
والتجارب المتعددة. بل يعني الاتفاق على حد أدنى من الحقيقة المشتركة التي تسمح
بحماية الذاكرة من التزييف، وفي الوقت نفسه تمنع تحويلها إلى أداة للانتقام أو
الإقصاء.
إن حماية
الذاكرة لا تعني العيش داخلها، كما أن المصالحة مع الماضي لا تعني نسيانه. فالشعوب التي تفقد ذاكرتها تضيع هويتها، والشعوب
التي تصبح أسيرة ذاكرتها تفقد قدرتها على بناء المستقبل.
ولعل
السؤال الأهم بعد سقوط النظام البائد لا يتمثل فقط في شكل النظام السياسي القادم
أو طبيعة المؤسسات الجديدة، بل في نوع الإنسان الذي نريد أن تساهم هذه الرواية
الوطنية في بنائه.
هل نريد
إنسانا يحمل جراح الماضي بوصفها دعوة دائمة للثأر؟ أم إنسانا قادرا على الاعتراف
بالألم دون أن يصبح أسيره؟ هل نريد ذاكرة تستخدم لتقسيم السوريين إلى معسكرات
متصارعة؟ أم ذاكرة تساعدهم على فهم ما جرى، واستخلاص دروسه، ومنع تكراره؟
إن
الرواية الوطنية ليست مجرد قصة عن الماضي، بل مشروع لصناعة الإنسان الذي سيعيش
المستقبل. فمن خلالها يتشكل معنى الانتماء، وتتحدد علاقة المواطن بدولته، وتتكون
رؤيته للمسؤولية والعدالة والمواطنة.
ولهذا فإن
التحدي الحقيقي بعد سقوط النظام البائد لا يتمثل فقط في كتابة تاريخ جديد لسوريا،
بل في القدرة على بناء رواية وطنية تحمي الذاكرة من النسيان، وتحمي المجتمع من
التحول إلى أسير لذاكرته، وتساعد على تكوين إنسان متوازن قادر على مصالحة الماضي
مع الحاضر واستشراف المستقبل. فالذاكرة
ليست مُلكا للماضي وحده، بل مسؤولية تجاه المستقبل أيضا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.