لم تبدأ قصة
الاستثمارات السورية الجديدة
عند توقيع أول صفقة، ولا عند الإعلان عن أصول الصندوق السيادي السوري المقدرة بنحو
2.5 مليار دولار. بدأت قبل ذلك، عندما تغير الشرط الذي يجعل الاستثمار ممكنًا
أصلًا: تفكيك منظومة العقوبات
الاقتصادية الأمريكية وإلغاء "قانون قيصر"،
بالتوازي مع استئناف التحويلات المصرفية الدولية عبر شبكة "سويفت".
الفرق جوهري. فرفع القيد القانوني يتيح
للمستثمر أن يدخل، لكن النظام المصرفي هو الذي يسمح للمال بأن يتحرك. لذلك لم يكن
استئناف التحويلات الدولية مجرد واقعة تقنية، بل مؤشرًا إلى بداية إعادة وصل
الاقتصاد السوري بالدورة المالية العالمية بعد سنوات طويلة من العزلة.
الولايات المتحدة، حتى حين لا تدخل بأكبر استثمار مباشر، امتلكت القدرة على تغيير قواعد الدخول إلى السوق السورية. ودول الخليج تملك رأس المال، وتركيا تملك الجغرافيا وشبكات التجارة، فيما تمتلك أوروبا أدوات اقتصادية ومؤسسية، إضافة إلى وجود جزء مهم من رأس المال البشري السوري على أراضيها.
ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي أقل تعلقًا
بحجم الأموال المعلنة، وأكثر اتصالًا بالشروط التي ستدخل وفقها هذه الأموال: من
يملك المال؟ ومن يملك، في المقابل، القدرة على التفاوض معه؟
كان عالم الاجتماع الأمريكي إيمانويل
والرشتاين (1930 ـ 2019)، صاحب نظرية "النظام العالمي"، يرى الاقتصاد
الدولي بنية غير متكافئة من المركز والأطراف، لا سوقًا مفتوحة تتحرك فيها دول
متساوية في القوة والقدرة على فرض شروطها. ومن هذه الزاوية، لا يعني خروج
سوريا من
عزلتها الاقتصادية أنها غادرت تلقائيًا موقع الضعف، بل إنها انتقلت من هامش شبه
مغلق إلى شبكة تتحرك داخلها قوى أكبر منها اقتصاديًا وسياسيًا.
فالولايات المتحدة، حتى حين لا تدخل بأكبر
استثمار مباشر، امتلكت القدرة على تغيير قواعد الدخول إلى السوق السورية. ودول
الخليج تملك رأس المال، وتركيا تملك الجغرافيا وشبكات التجارة، فيما تمتلك أوروبا
أدوات اقتصادية ومؤسسية، إضافة إلى وجود جزء مهم من رأس المال البشري السوري على
أراضيها.
هذه الخريطة لا تعني بالضرورة أن سوريا
محكومة بالبقاء في موقع المتلقي. فالرشتاين نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى قدر محتوم.
تستطيع الدولة الواقعة في الأطراف، حين تمتلك مؤسسات قوية وخبراء وقدرة تفاوضية،
أن تستخدم تنافس القوى عليها بدل أن تتحول إلى ساحة لهذا التنافس.
وهنا يظهر السؤال المركزي للمرحلة المقبلة:
هل تستطيع سوريا تحويل مصالح الآخرين فيها إلى موارد لمشروعها الوطني، أم تتحول هي
نفسها إلى مورد لمشاريع الآخرين؟
الصندوق السيادي.. من يملك حق السؤال؟
عند هذه النقطة يصبح الصندوق السيادي أهم من
رقم أصوله. فالاقتصادي
الأمريكي دوغلاس نورث (1920ـ 2015)، الحائز جائزة نوبل وأحد أبرز منظّري الاقتصاد
المؤسسي، أعاد تفسير الثروة من خلال ما سماه "قواعد اللعبة": أي
المؤسسات التي تحدد من يقرر، وكيف يتصرف، ومن يراقبه ويحاسبه.
وبهذا المعنى، فإن الاختبار الحقيقي لأي
صندوق سيادي سوري لن يكون في حجم ما يملكه فقط، بل في الطريقة التي يُدار بها: كيف
تُقيّم الأصول؟ ومن يقرر استثمارها؟ وكيف تُبرم العقود؟ وما حدود الرقابة عليها؟
والأهم: ما الذي يستطيع السوري أن يعرفه عن مال يفترض أنه، في نهاية المطاف، مال
عام؟
فالشفافية هنا ليست ترفًا ديمقراطيًا يمكن
تأجيله إلى ما بعد إعادة الإعمار، بل جزء من حماية عملية إعادة الإعمار نفسها.
وهنا يطل ديفيد هارفي (1935ـ )، الجغرافي
والمنظّر الماركسي وأحد أشهر نقاد النيوليبرالية، بتحذيره من "التراكم عبر
نزع الملكية"، حين تتحول الأزمات والتحولات الكبرى إلى فرصة لنقل الأصول
العامة إلى دوائر رأس المال.
لكن التجربة السورية تفرض علينا أن نحاور
هارفي أيضًا، لا أن نستدعيه بوصفه نبوءة جاهزة. فترك الأصول مدمرة ليس حماية لها،
ورفض الاستثمار ليس سياسة اقتصادية، والخوف من رأس المال لا يبني دولة خرجت من حرب
طويلة.
الخطر الحقيقي يبدأ في مكان آخر: حين يجلس
مستثمر يعرف تمامًا ماذا يريد أمام دولة مستعجلة لم تبنِ بعد القدرة الكافية
لتحديد ما تريده منه.
حين تصبح الخبرة مسألة سيادة
لهذا قد تكون مشكلة الخبرة أخطر من مشكلة
التمويل. فالانتقال من
إدارة تشكلت في ظروف حرب وثورة إلى إدارة دولة واقتصاد ومؤسسات وعقود بمليارات
الدولارات ليس انتقالًا تلقائيًا. والسؤال هنا ليس في خلفية السلطة بوصفها تهمة
سياسية، بل في قدرتها على إدراك حدود خبرتها وإفساح المجال أمام أصحاب الاختصاص.
دعم الثورة رصيد سياسي، لكنه ليس شهادة في
الاقتصاد أو القانون أو إدارة الاستثمارات. وفي المقابل، فإن العمل سابقًا داخل
مؤسسات الدولة ليس إدانة تلقائية لصاحبه.
خلال سنوات اللجوء، راكم آلاف السوريين خبرات مهنية وعلمية ومؤسسية داخل جامعات وشركات ومستشفيات ومراكز بحثية وإدارات أوروبية. وهذه الخبرات يمكن أن تتحول إلى جزء من عملية البناء من دون اختزال المسألة كلها في السؤال التقليدي عن "عودة اللاجئين".
وبين اجتثاث يفرغ الدولة من خبراتها، وإعادة
تدوير تعيد إنتاج شبكات الماضي، يبقى معيار الدولة الحديثة واضحًا: الكفاءة
والنزاهة والمساءلة.
هنا يحضر فرانسيس فوكوياما، الذي جعل "قدرة
الدولة" محورًا أساسيًا في أعماله اللاحقة. فالدولة القوية، في هذا التصور،
هي الدولة القادرة على تحويل القرار السياسي إلى تنفيذ مؤسسي.
لكن القدرة وحدها قد تنتج سلطة فعالة من دون
أن تنتج حكمًا رشيدًا.
ولهذا يقف إلى جانبها سؤال يورغن هابرماس عن
المجال العام: من يناقش القرار؟ ومن يراقبه؟ ومن يمتلك حق السؤال عنه؟
فوكوياما يريد دولة تستطيع أن تفعل،
وهابرماس يريد مجتمعًا يستطيع أن يسألها لماذا فعلت.
وسوريا تحتاج الاثنين معًا.
كيف تعود الخبرة قبل أصحابها؟
في هذا السياق، تستطيع ألمانيا والدول
الأوروبية التي استقبلت أعدادًا كبيرة من السوريين أن تؤدي دورًا يتجاوز التمويل
والمساعدات التقليدية.
فخلال سنوات اللجوء، راكم آلاف السوريين
خبرات مهنية وعلمية ومؤسسية داخل جامعات وشركات ومستشفيات ومراكز بحثية وإدارات
أوروبية. وهذه الخبرات يمكن أن تتحول إلى جزء من عملية البناء من دون اختزال
المسألة كلها في السؤال التقليدي عن "عودة اللاجئين".
ربما يكون السؤال الأكثر فائدة لسوريا اليوم
هو: كيف تعود الخبرة قبل أن يعود أصحابها؟
يمكن أن يحدث ذلك عبر الهجرة الدائرية،
والمشاريع المشتركة، وبرامج نقل المعرفة، والتعاون بين الجامعات والمؤسسات، وإتاحة
المجال أمام الكفاءات السورية في الخارج للمشاركة في بناء المؤسسات من دون إجبارها
على الاختيار الفوري بين حياة بنتها في الخارج ووطن تريد المساهمة في بنائه.
فرأس المال يذهب حيث يجد الربح، أما الخبير
فيذهب حيث يجد مؤسسة تحترم خبرته.
المليارات لا تعني التنمية
لكن المليارات والصناديق والخبراء جميعًا
تبقى وسائل، لا غايات. وهنا يأتي
الاقتصادي والفيلسوف الهندي أمارتيا سن، الحائز جائزة نوبل وصاحب "مقاربة
القدرات"، ليعيد التنمية إلى سؤالها الأكثر بساطة وعمقًا في الوقت نفسه: ماذا
أصبح الإنسان قادرًا على فعله؟
حين يسمع المواطن عن استثمارات بمليارات
الدولارات، فيما يظل عاجزًا عن الحصول على كهرباء مستقرة، أو نقل آمن، أو تعليم
جيد، أو خدمة عامة تحفظ كرامته، تصبح المسافة بين الاستثمار والتنمية واضحة.
فليس كل نمو اقتصادي تنمية، وليس كل استثمار
إعادة إعمار، وليس كل تدفق لرأس المال دليلًا على أن حياة الناس أصبحت أفضل.
ثقل الخراب الذي ورثته المرحلة الانتقالية
يفسر بطء النتائج، لكنه لا يعفي السياسات من المساءلة. وفي المقابل، فإن النقد
الذي يتجاهل حجم التحول الذي طرأ على البيئة الدولية والاقتصادية المحيطة بسوريا
لا يصبح أكثر موضوعية لمجرد أنه أكثر قسوة.
المسألة ليست الدفاع عن السلطة ولا إدانتها،
بل بناء دولة أكبر من السلطة نفسها. لقد فُتح
الباب أمام سوريا. أزيلت قيود كانت تخنق اقتصادها، وعادت قنوات الاتصال المالي،
وتحرك المستثمرون، وبدأت مرحلة جديدة تحمل فرصًا حقيقية بقدر ما تحمل مخاطرها.
لكن فتح الباب لا يحدد شروط من يعبره. وهذا هو الامتحان الحقيقي للمرحلة المقبلة: هل يجلس في
الجهة السورية من الطاولة من يعرف قيمة ما يملك؟ من يستطيع قراءة العقد قبل
توقيعه، ومساءلة المستثمر قبل استقباله، والموازنة بين الحاجة إلى رأس المال
وحماية المصلحة العامة، وقول "لا" حين يجب أن تقال؟
فالسيادة الاقتصادية ليست أن تمنع رأس المال
من الدخول، بل أن تعرف لماذا يدخل، وماذا سيأخذ، وماذا سيترك. وأهلًا بالعالم في سوريا.. ولكن من يكتب شروط الدخول؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.