من يحرس الدولة السورية حين يغريها الدور الإقليمي؟

براءة زيدان
"هل تستطيع الدولة الخارجة من الحرب أن تؤجل طموحاتها الخارجية حتى تنتهي من إعادة بناء الداخل؟"- سانا
"هل تستطيع الدولة الخارجة من الحرب أن تؤجل طموحاتها الخارجية حتى تنتهي من إعادة بناء الداخل؟"- سانا
شارك الخبر
ليست كل الأخطار التي تواجه الدول الخارجة من الحروب تأتي من ضعفها، فبعضها يبدأ لحظة اعتقادها أنها استعادت قوتها قبل أوانها. عندها لا يعود السؤال: هل تستطيع الدولة أن تلعب دوراً إقليمياً؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ما كلفة هذا الدور، وهل حان أوانه؟

ولم يعد السؤال المطروح في الشرق الأوسط من سيملأ الفراغ الذي خلّفه تراجع بعض الفاعلين، بل من سيدفع كلفة ملئه. فإعادة تشكيل الإقليم لا تعيد توزيع النفوذ فقط، بل تعيد أيضاً توزيع الأعباء والاستنزاف، وهنا تبدأ المعضلة السورية.

تبدو سوريا اليوم أمام هذا الاختبار الصعب. فالشرق الأوسط يعاد تشكيله على وقع الحروب، وتراجع بعض الفاعلين، وصعود آخرين، ومحاولات إعادة توزيع موازين القوى. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الدول الخارجة من النزاعات عرضة لإغراء مزدوج: استعادة المكانة سريعاً، والحصول على اعتراف إقليمي ودولي بدور جديد. غير أن الإغراء في السياسة قد يكون بداية الاستنزاف، لا نهايته.

قبل أكثر من قرن، لم يكن عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902)، المفكر السوري وأحد أبرز رواد النهضة العربية، يناقش السلطة بوصفها غاية، بل الدولة بوصفها وظيفة. وكان يرى أن الدولة تفقد معناها عندما تنصرف عن خدمة مجتمعها إلى مطاردة أوهام القوة. واليوم يعود سؤاله بصيغة مختلفة: هل تستطيع الدولة الخارجة من الحرب أن تؤجل طموحاتها الخارجية حتى تنتهي من إعادة بناء الداخل؟

إذا قبلت سوريا الانخراط المبكر في دور إقليمي واسع، فقد تحقق مكاسب سياسية أو اعترافاً أسرع بموقعها الجديد، لكنها قد تواجه في المقابل استنزافاً جديداً لمواردها، وتأجيلاً لعملية إعادة الإعمار، واحتمال الانجرار إلى مواجهات تتجاوز أولوياتها الوطنية

لكن بناء الدولة لا يكتمل بالنوايا وحدها. وهنا يحضر عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864-1920)، ليذكرنا بأن الدولة الحديثة تحتكر الاستخدام المشروع للقوة. غير أن هذا الاحتكار لا يكتسب قيمته إلا إذا بقي قرار استخدام القوة قراراً وطنياً مستقلاً، لا استجابةً لضغوط البيئة الإقليمية أو لحسابات الآخرين.

وتضيف الفيلسوفة السياسية الألمانية-الأمريكية حنة أرندت (1906-1975) بعداً آخر للنقاش، عندما تميز بين القوة والشرعية. فالدولة قد تمتلك القوة، لكنها لا تضمن بذلك ثقة مجتمعها. والشرعية لا تُبنى في ميادين الصراع الخارجي، بل في قدرتها على إعادة بناء العقد الاجتماعي، وترميم الثقة بين المجتمع ومؤسساته، واستعادة وظائفها الأساسية في الأمن والعدالة والتنمية.

من هنا، لا يبدو السؤال السوري الحقيقي: هل تنخرط الدولة في الدور الإقليمي أم لا؟ بل سؤال آخر أكثر عمقاً: ما كلفة كل خيار؟

قد يقول قائل إن سوريا لا تملك ترف تأجيل دورها الإقليمي، لأن موقعها الجغرافي يجعلها جزءاً من كل معادلات الشرق الأوسط، ولأن غيابها عن هذه المعادلات قد يسمح لفاعلين آخرين بملء الفراغ على حساب مصالحها. وهي حجة تستحق النقاش، لأن الجغرافيا كثيراً ما تفرض على الدول أدواراً لا تختارها بنفسها. لكن السؤال المقابل أكثر أهمية: هل تستطيع دولة ما تزال تعيد بناء مؤسساتها، واقتصادها، وعقدها الاجتماعي، أن تتحمل كلفة الانخراط في صراعات إقليمية جديدة؟ فالدور الإقليمي لا يُقاس بحجم النفوذ فقط، بل أيضاً بحجم الموارد التي يستهلكها، وبالثمن الذي قد تدفعه الدولة إذا تحولت من فاعل يختار توقيت تدخله إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين.

إذا قبلت سوريا الانخراط المبكر في دور إقليمي واسع، فقد تحقق مكاسب سياسية أو اعترافاً أسرع بموقعها الجديد، لكنها قد تواجه في المقابل استنزافاً جديداً لمواردها، وتأجيلاً لعملية إعادة الإعمار، واحتمال الانجرار إلى مواجهات تتجاوز أولوياتها الوطنية.

ولا يقتصر الأمر على القرار السوري وحده، فإذا رأت الولايات المتحدة أو إسرائيل أن إعادة ترتيب المشهد الإقليمي تقتضي إسناد أدوار جديدة إلى دمشق، أو دفعها إلى الانخراط في ترتيبات أمنية تتجاوز أولوياتها الداخلية، فقد تجد الدولة السورية نفسها أمام ضغوط يصعب تجاهلها. عندها تصبح كلفة القبول مرتفعة، لأن الانخراط قد يفتح باب استنزاف جديد، كما تصبح كلفة الرفض مرتفعة أيضاً، لأنه قد يعرّضها لضغوط سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة. وهكذا لا يعود التحدي في اختيار الدور، بل في إدارة كلفة كل خيار، والحفاظ على استقلال القرار الوطني.

وإذا رفضت هذا الدور، فقد تمنح مشروع إعادة بناء الدولة فرصة أكبر للنجاح، لكنها قد تواجه في المقابل ضغوطاً سياسية واقتصادية وأمنية، لأن موقعها الجغرافي يجعل من الصعب عزلها عن ديناميات الإقليم.

ويبقى الاحتمال الأكثر تعقيداً هو ألا يكون القرار سورياً بالكامل، بل أن تجد الدولة نفسها منخرطة تدريجياً في صراعات المنطقة بفعل تداخل الجبهات وتشابك المصالح. عندها لا يعود السؤال: هل دخلت سوريا الدور الإقليمي؟ بل: هل دخلته بإرادتها، أم دُفعت إليه تحت ضغط البيئة الاستراتيجية المحيطة؟

إذا كانت إعادة تشكيل الشرق الأوسط ستفرض أدواراً جديدة على دوله، فهل تستطيع سوريا أن تجعل هذا الدور امتداداً لدولتها، أم تتحول الدولة نفسها إلى أداة في خدمة هذا الدور؟

ولعل التجربة اللبنانية الأخيرة تقدم مثالاً يستحق التأمل. فالجدل الذي أثاره البند الثالث عشر من الاتفاق اللبناني الإسرائيلي تجاوز الخلاف القانوني حول نص الاتفاق إلى سؤال سياسي أوسع: ماذا يحدث عندما تصل الدولة إلى طاولة التسويات بعد سنوات طويلة من الاستنزاف؟ عندها لا تفاوض على إنهاء الحرب وحده، بل تفاوض أيضاً على السيادة، والعدالة، وأولوياتها الوطنية، تحت ضغط موازين قوى لا تكون دائماً في صالحها. وهنا تكمن العبرة بالنسبة لسوريا: كلما تأخر بناء الدولة، تقلص هامش خياراتها، وارتفعت كلفة قراراتها.

لذلك، قد لا تكون الحكمة اليوم في البحث عن دور إقليمي سريع، ولا في الانكفاء الكامل عنه، بل في امتلاك القدرة على اختيار توقيته وشروطه. فالدول لا تُقاس بقدرتها على خوض جميع المعارك، بل بقدرتها على معرفة أي المعارك تخدم مشروعها الوطني، وأيها قد تستنزفه.

وربما لهذا يصبح السؤال الأهم في المرحلة المقبلة: إذا كانت إعادة تشكيل الشرق الأوسط ستفرض أدواراً جديدة على دوله، فهل تستطيع سوريا أن تجعل هذا الدور امتداداً لدولتها، أم تتحول الدولة نفسها إلى أداة في خدمة هذا الدور؟

فالدول الخارجة من الحروب لا تُستنزف دائماً لأنها ضعيفة، بل قد تُستنزف أيضاً لأنها استعجلت استعادة دورها قبل أن تستعيد نفسها. وربما لهذا، لا يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغل دمشق اليوم: كيف تعود إلى الإقليم؟ بل كيف تمنع الإقليم من أن يبتلع مشروعها الوطني قبل أن يكتمل.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)