في المقال السابق حول "دروس
الفرات" كان السؤال المطروح: كيف نبني الدولة والمجتمع السوري بعد سنوات
طويلة من الحرب والانهيار؟ وقد بدت الإجابة مرتبطة بإعادة بناء الإنسان والمؤسسات
والبنية التحتية واستعادة المجال العام بوصفه شرطا لأي انتقال سياسي حقيقي. لكن سؤالا آخر لا يقل أهمية يفرض نفسه
اليوم: إذا نجحنا في بناء الدولة، فكيف نحميها من إعادة إنتاج
الاستبداد؟
في الثاني والعشرين من حزيران/يونيو تحل
ذكرى رحيل عبد الرحمن
الكواكبي (1855-1902)، غير أن أهمية هذا المفكر السوري لا
تكمن في استعادته بوصفه جزءا من الماضي، بل في أن السؤال الذي طرحه قبل أكثر من
قرن ما يزال حاضرا بيننا. فبعد تغير الأنظمة والشعارات والنخب السياسية، لا تزال
المنطقة العربية تواجه الإشكالية نفسها: لماذا تتحول الدولة في لحظات معينة من
إطار لتنظيم المجتمع إلى سلطة تخاف منه أكثر مما تثق به؟
لو عاد الكواكبي إلى سوريا اليوم، فربما لم يبدأ بسؤال: من يحكم؟ بل بسؤال أكثر عمقا: هل أصبح الإنسان شريكا في المجال العام أم لا يزال موضوعا للإدارة والضبط؟
لم يكن الكواكبي منشغلا بحاكم بعينه بقدر
ما كان منشغلا ببنية سياسية كاملة تسمح للاستبداد بأن يتحول إلى نمط حكم وثقافة
اجتماعية في آن واحد. فالاستبداد عنده لا يفسد السياسة فقط، بل يفسد العلم والدين
والأخلاق والعلاقات الاجتماعية، حتى يصبح الخوف جزءا من الحياة اليومية، ويغدو
الصمت وسيلة للنجاة.
ولو عاد الكواكبي إلى
سوريا اليوم، فربما
لم يبدأ بسؤال: من يحكم؟ بل بسؤال أكثر عمقا: هل أصبح الإنسان شريكا في المجال
العام أم لا يزال موضوعا للإدارة والضبط؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أن التجربة
السورية لم تكن مجرد تجربة استبداد سياسي، بل تجربة طويلة من إعادة تشكيل العلاقة
بين الدولة والمجتمع. فعلى مدى عقود، جرى تضييق المجال العام وتراجع دور السياسة
بوصفها فعلا جماعيا يشارك فيه المواطنون، مقابل تصاعد منطق الإدارة والضبط
والرقابة. ومع الزمن، أصبح كثير من الأفراد أكثر انشغالا بشروط النجاة الفردية من
الانخراط في صياغة الشأن العام.
وهنا تحديدا تبدو فكرة "الدولة
الأمنية" أكثر تعقيدا من مجرد أجهزة أو مؤسسات. فالمشكلة لا تبدأ عندما تتوسع
صلاحيات الأجهزة، بل عندما تتحول العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى علاقة خوف
متبادل، وحين ترى السلطة في المشاركة مصدر قلق أكثر مما تراها مصدرا للشرعية،
ويصبح المواطن موضوعا للإدارة لا شريكا في القرار.
من هنا يلتقي الكواكبي مع مالك بن نبي
(1905-1973)، الذي لم يكتف بالسؤال عن السلطة، بل حاول فهم الشروط التي تجعل
المجتمعات قابلة لإعادة إنتاج أنماط الهيمنة نفسها. فالمشكلة لا تكمن دائما في
وجود سلطة مستبدة فقط، بل في غياب الشروط التي تسمح للمواطن بأن يكون فاعلا لا
تابعا.
لكن مفهوم "التابع" يكتسب بعدا
أعمق مع المفكرة الهندية غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك (1942-)، التي طرحت سؤالا
أصبح من أكثر أسئلة الفكر السياسي المعاصر إثارة: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟
لا يتعلق الأمر هنا بحرية التعبير بمعناها
المباشر فقط، بل بقدرة الإنسان على أن يكون فاعلا في المجال العام؛ لا مجرد شخص
يتحدث الآخرون باسمه. فالدولة الأمنية لا تنتج الخوف وحده، بل تنتج أيضا مواطنا
يعتاد أن يُتحدث باسمه بدل أن يتحدث عن نفسه. تتحدث السلطة باسمه، والنخب باسمه،
والأيديولوجيات باسمه، بينما يتراجع حضوره بوصفه مواطنا يمتلك حق المشاركة
والتأثير.
التحدي السوري لا يقتصر على إسقاط أنماط حكم معينة، بل يمتد إلى منع عودتها بأشكال جديدة. ولا يتعلق الأمر بالأشخاص بقدر ما يتعلق ببناء مؤسسات للمساءلة، وثقافة سياسية تقوم على المشاركة، وعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع أساسها الثقة لا الخوف
أما علي عزت بيغوفيتش (1925-2003)، فقد
نظر إلى المسألة من زاوية مختلفة حين ربط بين
الحرية والمسؤولية. فالدولة الحرة لا
تُبنى بالقوانين والمؤسسات وحدها، بل بوجود إنسان حر قادر على تحمل مسؤولية حريته.
ولهذا فإن الانتقال من الاستبداد إلى الحرية لا يتحقق بمجرد تغيير السلطة، بل
ببناء مواطن يمتلك القدرة على المشاركة والنقد والمساءلة.
ولعل هذا ما يجعل سؤال الكواكبي أكثر
راهنية اليوم، فالتحدي السوري لا يقتصر على إسقاط أنماط حكم معينة، بل يمتد إلى
منع عودتها بأشكال جديدة. ولا يتعلق الأمر بالأشخاص بقدر ما يتعلق ببناء مؤسسات
للمساءلة، وثقافة سياسية تقوم على المشاركة، وعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع
أساسها الثقة لا الخوف.
بعد 124 عاما على رحيل الكواكبي، ربما لم
يعد السؤال: لماذا يظهر الاستبداد؟ بل لماذا ينجح في العودة كل مرة بأسماء جديدة
وشعارات جديدة وأدوات مختلفة؟
وربما لهذا السبب لا يكفي إسقاط الاستبداد
إذا بقيت شروط إنتاجه قائمة، ولا يكفي بناء مؤسسات جديدة إذا ظلت العلاقة بين
الدولة والمجتمع قائمة على الخوف لا الثقة، وعلى التبعية لا المشاركة.
يبقى السؤال الذي تركه الكواكبي مفتوحا
أمام السوريين اليوم: هل نستطيع بناء دولة ترى في الإنسان شريكا لا تابعا، وفي
المجتمع مصدرا للشرعية لا تهديدا لها؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست مهمة مفكر أو
سياسي واحد، بل مهمة جيل كامل يسعى إلى الخروج من إرث طويل من الخوف نحو أفق جديد
من المواطنة والمسؤولية والثقة المتبادلة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.