ما بعد الجغرافيا.. في فلسفة الدولة وحدود القوة: دروس من التجربتين القطرية والكويتية

براءة زيدان
"تحويل الإنسان إلى رأس مال والمعرفة إلى قوة والمؤسسات إلى ثقة والدبلوماسية إلى نفوذ"- جيتي
"تحويل الإنسان إلى رأس مال والمعرفة إلى قوة والمؤسسات إلى ثقة والدبلوماسية إلى نفوذ"- جيتي
شارك الخبر
ليست كل دولة كبيرة قادرة على التأثير، وليست كل دولة صغيرة محكومة بالبقاء على الهامش. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الجغرافيا تضع نقطة البداية، لكنها لا تكتب النهاية. ومن هنا يبرز سؤال لم يفقد راهنيته: هل تصنع الجغرافيا قوة الدولة، أم أن الدولة هي التي تعيد تعريف جغرافيتها؟ ظل هذا السؤال حاضراً في الفكر السياسي طويلاً، حين كانت مساحة الأرض وعدد السكان والثروات الطبيعية هي المعيار الرئيس لقياس مكانة الدول، غير أن تحولات العقود الأخيرة كشفت أن القوة يمكن أن تُبنى أيضاً بالمعرفة والمؤسسات والدبلوماسية والقدرة على إنتاج الأفكار.

وكان جمال حمدان (1928-1993)، الجغرافي والمفكر المصري وصاحب موسوعة شخصية مصر، من أوائل من قرؤوا العلاقة بين المكان والتاريخ بوصفها علاقة ديناميكية، فالجغرافيا عنده ليست قدراً مغلقاً، بل إطاراً تتحدد قيمته بقدرة الإنسان على توظيفه.

يمكن النظر إلى التجربتين القطرية والكويتية، لا باعتبارهما نموذجين متطابقين، بل مسارين عربيين مختلفين للإجابة عن سؤال واحد: كيف تبني الدولة قوتها؟ فقد

ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى التجربتين القطرية والكويتية، لا باعتبارهما نموذجين متطابقين، بل مسارين عربيين مختلفين للإجابة عن سؤال واحد: كيف تبني الدولة قوتها؟ فقد اختارت قطر أن تستثمر في الإنسان قبل أي شيء آخر، فجعلت من التعليم والبحث العلمي والإعلام والدبلوماسية أدوات لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي. ولم تكن المدينة التعليمية مجرد مشروع جامعي، بل رؤية تعتبر المعرفة استثماراً في المستقبل، كما أصبح المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أحد أبرز الفضاءات العربية لإنتاج المعرفة والحوار في العلوم الإنسانية والاجتماعية، بما يعكس انتقال الاهتمام من استهلاك الأفكار إلى المساهمة في إنتاجها.

وفي السياق نفسه، أسهمت قناة الجزيرة في إحداث تحول نوعي في الإعلام العربي، إذ وسعت مساحة النقاش العام، ونقلت قضايا المنطقة إلى جمهور عالمي. كما سعت الدوحة إلى توظيف الدبلوماسية بوصفها أداة تأثير، فكان اتفاق الدوحة عام 2008 محطة مهمة في احتواء الأزمة اللبنانية، ثم برزت أدوارها في استضافة المفاوضات الخاصة بأفغانستان، وفي جهود الوساطة المتعلقة بقطاع غزة. وهذه التجارب، بصرف النظر عن اختلاف التقييمات السياسية لها، تؤكد أن الدولة الصغيرة تستطيع أن تتجاوز حدودها الجغرافية عندما تمتلك الثقة، وأدوات الحوار، والقدرة على التواصل مع أطراف متعددة.

ولم يقتصر الاستثمار على المؤسسات، بل شمل الإنسان أيضاً، وفي مقدمته المرأة. فقد ارتبط اسم الشيخة موزا بنت ناصر بمشروعات التعليم والتنمية، بينما برزت لولوة الخاطر في العمل الدبلوماسي والسياسي، بما يعكس أن تمكين المرأة لم يعد قضية اجتماعية فحسب، بل أصبح جزءاً من بناء رأس المال البشري للدولة. وهنا تبدو أفكار بيير بورديو (1930-2002)، عالم الاجتماع الفرنسي، ذات دلالة خاصة؛ فالقوة لا تُختزل في المال أو السلاح، بل تمتد إلى الرأسمال الثقافي والرمزي، أي إلى قدرة الدولة على إنتاج المعرفة، وصناعة المكانة، وبناء الثقة، وهي عناصر أصبحت اليوم جزءاً من معادلات النفوذ الدولي.

النظم السياسية تنشأ من مسارات تاريخية واجتماعية مختلفة، وأن الحداثة لا تأتي بصيغة واحدة. وبذلك لا تبدو قطر والكويت تجربتين متنافستين، بل طريقين مختلفين لبناء الدولة؛ أحدهما راهن على المعرفة والدبلوماسية والقوة الرمزية، والآخر راكم خبرة دستورية وبرلمانية، ولكل منهما خصوصيته وسياقه التاريخي

غير أن بناء الدولة لا يسلك طريقاً واحداً، وهو ما تؤكده التجربة الكويتية. فمنذ الاستقلال عام 1961، ثم إقرار الدستور عام 1962، راكمت الكويت تجربة نيابية جعلت مجلس الأمة جزءاً أساسياً من الحياة السياسية، رغم ما مرت به من أزمات وتوترات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. ولم تكن الكويت التجربة البرلمانية العربية الوحيدة؛ فقد عرف لبنان منذ الاستقلال تقاليد نيابية ودستورية مبكرة، غير أن تعقيدات النظام الطائفي والحروب المتعاقبة حدّت من قدرتها على التحول إلى نموذج مستقر، بما يؤكد أن نجاح المؤسسات يبقى رهيناً بالسياق الوطني الذي تنشأ فيه.

ومن هنا تكتسب أفكار بارينغتون مور (1913-2005)، المؤرخ وعالم الاجتماع السياسي الأمريكي، أهميتها. ففي كتابه الأصول الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية صاغ عبارته الشهيرة: "لا برجوازية، لا ديمقراطية، لكنه لم يكن يقدم وصفة جاهزة، بل يبين أن النظم السياسية تنشأ من مسارات تاريخية واجتماعية مختلفة، وأن الحداثة لا تأتي بصيغة واحدة. وبذلك لا تبدو قطر والكويت تجربتين متنافستين، بل طريقين مختلفين لبناء الدولة؛ أحدهما راهن على المعرفة والدبلوماسية والقوة الرمزية، والآخر راكم خبرة دستورية وبرلمانية، ولكل منهما خصوصيته وسياقه التاريخي.

وقبل أكثر من ستة قرون، كان عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406)، مؤسس علم العمران وصاحب المقدمة، يبحث في أسباب قيام الدول وازدهارها وأفولها. ولو قُدّر له أن يتأمل التجربتين القطرية والكويتية اليوم، فربما لم يتوقف عند صغر مساحة الأولى أو خصوصية الثانية، بقدر ما كان سيتساءل: كيف استطاعت كل منهما أن توظف ما تملكه لصناعة مسارها الخاص؟ ولعل هذا هو الدرس الأهم؛ فالدول لا تُقاس بما تملكه من جغرافيا فحسب، بل بقدرتها على تحويل الإنسان إلى رأس مال والمعرفة إلى قوة والمؤسسات إلى ثقة والدبلوماسية إلى نفوذ. فالتجارب الناجحة لا تُستنسخ، بل تُقرأ في سياقاتها التاريخية والوطنية، ثم يُستخلص منها ما يساعد على بناء مشروع وطني يناسب كل مجتمع. فالجغرافيا قد تحدد نقطة البداية، لكنها لا تحدد المصير، أما الدولة فهي التي تكتب نهاية الحكاية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)