إرثٌ لا يرحل.. قصة وقفٍ ورؤيةٍ حضارية في أوروبا

عبد الحميد الحمدي
سيظل مركز حمد بن خليفة الحضاري ومسجد خير البرية شاهدين على أن الرجال قد يرحلون، لكن الرؤية الصادقة لا تموت، وأن أعظم ما يورثه الإنسان بعد رحيله ليس المال ولا السلطة، وإنما الأثر الذي يقرّب الناس إلى الله، ويصلح بينهم..
سيظل مركز حمد بن خليفة الحضاري ومسجد خير البرية شاهدين على أن الرجال قد يرحلون، لكن الرؤية الصادقة لا تموت، وأن أعظم ما يورثه الإنسان بعد رحيله ليس المال ولا السلطة، وإنما الأثر الذي يقرّب الناس إلى الله، ويصلح بينهم..
شارك الخبر
هناك رجال يصنعون الأحداث، وهناك رجال يصنعون التاريخ. والفرق بينهما أن الأول يترك خبراً في الصحف، أما الثاني فيترك أثراً في حياة الناس لا تمحوه السنون. ومن هؤلاء، بلا شك، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله تعالى، الذي لم يكن عطاؤه للمسلمين في أوروبا منحة عابرة أو موقفاً سياسياً مؤقتاً، وإنما كان رؤية حضارية بعيدة المدى، أدركت أن مستقبل الإسلام في الغرب لا يُصان بالشعارات، وإنما ببناء الإنسان، وإقامة المؤسسات، وصناعة الجسور بين المسلمين ومجتمعاتهم.

وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتب عن رجل سمعت عنه، بل عن رجل نعيش كل يوم ثمار ما غرسه. فكلما دخلت مركز حمد بن خليفة الحضاري في كوبنهاغن، وكلما ارتفع الأذان من منارة مسجد خير البرية، تذكرت أن وراء هذا المشهد رجلاً آمن بأن للمسلمين في أقصى شمال أوروبا حقاً في أن يكون لهم بيت يعبدون فيه ربهم بكرامة، ويتعلم فيه أبناؤهم دينهم بثقة، ويتحاورون فيه مع غيرهم بلغة الاحترام والمحبة.

الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، رحمه الله، اختار أن يقف في الجانب الصحيح من التاريخ. لم يختر المواجهة بالصخب، بل اختار أن يواجه الجهل بالعلم، والكراهية بالحوار، والخوف ببناء مؤسسة حضارية مفتوحة للجميع. وهكذا وُلد مركز حمد بن خليفة الحضاري، ليصبح مع مرور السنوات واحداً من أهم المعالم الإسلامية في أوروبا الشمالية.
لقد جاء هذا المشروع في زمن كان من أصعب الأزمنة على المسلمين في الدنمارك وأوروبا الغربية. كانت الحملات على الإسلام في أوجها، وكانت الإساءات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تتكرر، وكان الدفاع عن الإسلام ورموزه يكلّف أصحابه كثيراً من الاتهامات والضغوط والعزلة. وفي تلك اللحظة التاريخية، كان كثيرون يترددون في دعم أي مشروع إسلامي كبير في أوروبا، خوفاً من الحملات الإعلامية أو الحسابات السياسية.

لكن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، رحمه الله، اختار أن يقف في الجانب الصحيح من التاريخ. لم يختر المواجهة بالصخب، بل اختار أن يواجه الجهل بالعلم، والكراهية بالحوار، والخوف ببناء مؤسسة حضارية مفتوحة للجميع. وهكذا وُلد مركز حمد بن خليفة الحضاري، ليصبح مع مرور السنوات واحداً من أهم المعالم الإسلامية في أوروبا الشمالية.

ولم يكن مسجد خير البرية مجرد مسجد يؤدي فيه الناس صلواتهم، بل أصبح مدرسة للأجيال، ومنارة للوسطية، ومركزاً لتكوين الشخصية الإسلامية المتوازنة. مئات الأطفال والشباب تعلموا بين جدرانه القرآن الكريم، واللغة العربية، وأخلاق الإسلام، وتربوا على أن يكونوا مسلمين صالحين ومواطنين صالحين في الوقت نفسه، يحملون الخير لأوطانهم كما يحملونه لأمتهم.

لقد كانت المنارة التي تعلو المسجد أكثر من معلم معماري؛ كانت رسالة صامتة تقول إن الإسلام ليس غريباً عن هذه الأرض، وإن المسلمين جزء من نسيج المجتمع الأوروبي، يساهمون في بنائه، ويحترمون قوانينه، ويشاركون في خيره العام. ولهذا أصبحت هذه المنارة، في نظري، لا تنير سماء كوبنهاغن وحدها، بل تبعث برسالة أمل إلى المسلمين في الدول الإسكندنافية وأوروبا الغربية كلها.

ومن نعم الله على هذا الصرح أنه لم يتحول إلى مؤسسة منغلقة على المسلمين، بل أصبح بيتاً للحوار بين أتباع الثقافات المختلفة. استقبلنا على مدار السنوات مسؤولين، ورجال دين، وأساتذة جامعات، وطلاب مدارس، وإعلاميين،  وسياسيين، وجيراناً جاءوا بدافع الفضول، فعاد كثير منهم بصورة مختلفة عن الإسلام، بعد أن رأوه في أخلاق أهله لا في عناوين الأخبار.

وأشهد، من خلال مسؤوليتي في هذا المركز، أن أثر هذا المشروع تجاوز الجانب الديني إلى البعد الاجتماعي والإنساني. فقد أسهم في احتواء الشباب، وتقوية الأسرة، وإصلاح ذات البين، وتشجيع العمل التطوعي، وتعزيز روح المواطنة الصالحة، حتى أصبح نموذجاً عملياً لما يمكن أن يقدمه الإسلام للمجتمع الأوروبي عندما يُفهم على حقيقته.

لقد فهم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، رحمه الله، حقيقة الوقف في الإسلام. فالوقف ليس بناءً من حجر فحسب، وإنما استثمار في الإنسان، وصدقة جارية تنبض بالحياة جيلاً بعد جيل. وما نراه اليوم من استقرار للمركز، واستمرار لرسالته، واتساع لدوره، هو ثمرة تلك الرؤية البعيدة التي تجاوزت حدود اللحظة، ونظرت إلى مستقبل المسلمين في أوروبا بعين المسؤولية.

وسيأتي يوم قد لا يعرف فيه كثير من زوار هذا المسجد تفاصيل قصة تأسيسه، لكنهم سيدعون لصاحب الفضل كلما دخلوا هذا المكان، أو تعلم طفل آية من كتاب الله، أو أعلن إنسان إسلامه، أو جلس مسلم وغير مسلم يتحاوران في رحابه باحترام وسلام. وهكذا تبقى الأعمال الصالحة أبلغ من الأسماء، ويبقى الوقف الصادق أخلد من العمر.

رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة، وجعل هذا الصرح الحضاري في ميزان حسناته إلى يوم الدين. وسيظل مركز حمد بن خليفة الحضاري ومسجد خير البرية شاهدين على أن الرجال قد يرحلون، لكن الرؤية الصادقة لا تموت، وأن أعظم ما يورثه الإنسان بعد رحيله ليس المال ولا السلطة، وإنما الأثر الذي يقرّب الناس إلى الله، ويصلح بينهم، ويجعلهم أكثر إيماناً، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على العيش المشترك.

لقد أدرك الأمير الشيخ تميم أن قيمة مركز حمد بن خليفة الحضاري لا تكمن في حجارة بنائه، وإنما في رسالته. ولذلك استمرت عنايته به ليظل جسراً للحوار بين الحضارات، ومنبراً للتفاهم بين أتباع الديانات، وموطناً للتلاقي الإنساني، وفضاءً للتعايش الإيجابي، وحاضنةً للفعل الحضاري الذي يبني الإنسان، ويحصّن الشباب، ويعزز الانتماء
ومن تمام الإنصاف، ونحن نستذكر فضل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أن نشهد كذلك بأن هذه الرسالة الحضارية لم تتوقف برحيله عن سدة الحكم، بل وجدت امتدادها الطبيعي في عهد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، الذي تسلّم راية القيادة من والده في مشهد حضاري نادر، يجسد استمرارية الدولة ورسوخ الرؤية. ولم يقتصر هذا الامتداد على المحافظة على هذا الصرح، بل تجددت رعايته ودعمه ليواصل أداء رسالته في خدمة المسلمين والمجتمع الدنماركي على السواء.

لقد أدرك الأمير الشيخ تميم أن قيمة مركز حمد بن خليفة الحضاري لا تكمن في حجارة بنائه، وإنما في رسالته. ولذلك استمرت عنايته به ليظل جسراً للحوار بين الحضارات، ومنبراً للتفاهم بين أتباع الديانات، وموطناً للتلاقي الإنساني، وفضاءً للتعايش الإيجابي، وحاضنةً للفعل الحضاري الذي يبني الإنسان، ويحصّن الشباب، ويعزز الانتماء، وينشر قيم الاعتدال والرحمة والاحترام المتبادل. وهكذا بقي المشروع وفياً للرؤية التي انطلق منها، تتعاقب عليه الأجيال، بينما تظل رسالته ثابتة: أن الإسلام، حين يُقدَّم في صورته الصحيحة، يكون قوةً للبناء لا للهدم، وللتعارف لا للتنافر، وللسلام لا للصراع.

ومن موقع المسؤولية التي تشرفت بها رئيساً لهذا المركز، أقول بكل صدق: إننا لمسنا هذا الدعم المتواصل، ورأينا أثره في استمرار الرسالة واتساعها، حتى غدا المركز اليوم نموذجاً أوروبياً يُحتذى به في الجمع بين الاعتزاز بالهوية الإسلامية والانفتاح على المجتمع، وفي ترسيخ ثقافة المواطنة الصالحة والتعايش واحترام التنوع، وهي شهادة أؤديها لله ثم للتاريخ، وفاءً لمن أسس، وإنصافاً لمن واصل، وحفظاً لذاكرة مشروع حضاري ستبقى آثاره بإذن الله ممتدة في الأجيال القادمة.

*رئيس مركز حمد بن خليفة الحضاري ـ كوبنهاغن


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)