معلقة حمد بن خليفة

محمد الصغير
فقدت أم الدنيا رجلا من أكثر القادة حبا لها وإخلاصا لشعبها، ودعما لها في كل مراحلها، حمد بن خليفة كان يحب مصر على قدرها وبكل ما فيها..
فقدت أم الدنيا رجلا من أكثر القادة حبا لها وإخلاصا لشعبها، ودعما لها في كل مراحلها، حمد بن خليفة كان يحب مصر على قدرها وبكل ما فيها..
شارك الخبر
تأخرت الكتابة عن مؤسس قطر الحديثة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أكثر من عقد من الزمن، بعدما حططت رحالي في الدوحة قبل ثلاث عشرة سنة، حيث كانت كل تفاصيل قطر تقول هنا الشيخ حمد، ثم التقطت أذني مصطلح الأمير الوالد، ليس كمجرد لقب لشخص، وإنما هي حالة معبرة عن أهل قطر والمقيمين فيها، وكثير منهم له قصص في ذلك يرويها، فقد كانت فرصة اللقاء به ميسورة في المناسبات الاجتماعية التي كان يحرص عليها في الأفراح أو الأتراح، ولا يوجد من يحول بينه وبين الناس، كذلك من كان من رواد "سوق واقف" فهو على موعد في أي لحظة مع رؤيته أو السلام عليه.

كانت الجزيرة هديته للوطن العربي والمحيط الإسلامي ونافذتهم على العالم، ومن خلالها نافس الكبار في صناعتهم الثقيلة "الإعلام"، واستطاع إيجاد قوة بديلة تواجه أسلحة الدمار الشامل بسلاح القوة الناعمة،
وسبب تأخر الكتابة مع وجود الداعي، هو الخوف من سطوة أصحاب الألسنة الحداد الأشحة على الخير، الذين لا يريدون إبراز قدوة صالحة أو الحديث عن مآثرها، وفي ظل وجود التهم الجاهزة والاتهامات المعلبة، من قبيل أنك تقول ذلك لأنك تعيش في قطر، ولا أخفي أن خوض المعارك مع هذا الصنف من الناس يحتاج إلى صبر وجلد، وشيء من اللا مبالاة التي لا يملكها كل أحد، في الوقت الذي تراهم فيه يعظمون الرويبضة، ويقدمون التافه، وخوفا من هذه المقاصل وقعت في التقصير فإنه لن يشكر الله من لم يشكر الناس، لكن مع انتقال الأمير الوالد إلى جوار ربه، انتقل الأمر من المباح إلى اللازم، وامتنع عليَّ تأخير البيان عن وقت الواجب، لذا سأكتب على طريقة المطولات والمعلقات، وإن كنت لست بصدد الحديث عن المسيرة الكاملة لقائد أسس دولة حديثة في فترة وجيزة، واستطاع أن يجعل لها مكانة عالمية بعيدا عن حدود الجغرافيا وضيق المساحة، وإنما كانت على سعة طموحه وآماله، متمثلا قول أبي الطيب المتنبي :

إذا غامرت في شرف مروم         ...              فلا تقنع بما دون النجوم .

وسأحصر كلامي عن أعمال تفرد بها ولم يسبق إليها:

أولا ـ الصرح الإعلامي الأكبر عربيا وضمن الأشهر عالميا قناة الجزيرة صاحبة أكبر شبكة مراسلين حول العالم، التي فتحت أول نافذة للرأي، وللرأي الآخر الذي هو ممنوع أو مصادر، وهيأت البوق لأصحاب الصوت المكتوم عمدا، ووفرت منبرا لمن لا منبر له.

كانت الجزيرة هديته للوطن العربي والمحيط الإسلامي ونافذتهم على العالم، ومن خلالها نافس الكبار في صناعتهم الثقيلة "الإعلام"،  واستطاع إيجاد قوة بديلة تواجه أسلحة الدمار الشامل بسلاح القوة الناعمة، حتى احتكرت قطر الترسانة الكبرى من هذه القوة، وذلك على مسار الإعلام الحر الذي لا تحكمه إلا المهنية، وسلاح التفاوض والقيام بدور الوساطة بين أصحاب الاتجاهات المختلفة، حتى أصبح هذا الملف محجوزا عالميا لصالح الدبلوماسية القطرية.

ثانيا ـ راهن الشيخ حمد على المشروع الإسلامي ونهضة الأمة العربية، وكان يرى أن ثمة جولة قادمة وتمكينا جديدا، واستطاع أن يجعل قطر نموذجا وطليعة لذلك، وبدأ بدعم أفغانستان في مشروع تحررها من يوم أن كان وليا للعهد، ثم رعت قطر المفاوضات مع الأمريكان ووفرت كل السبل لإنجاحها طوال سبع سنوات كاملة، ومازال الأفغان يذكرون صنيعه ولا ينسون مواقفه، ويوم انفض الجميع عن سوريا وثورتها ظل علم الثورة السورية يرفرف على السفارة في الدوحة التي رفضت مسار إعادة إنتاج جزار الشام، ومما تناقله القطريون أن فتح دمشق توافق مع زواج أحد أبناء الأمير الوالد فكان الناس يباركون له على المناسبتين معا.

راهن الشيخ حمد على المشروع الإسلامي ونهضة الأمة العربية، وكان يرى أن ثمة جولة قادمة وتمكينا جديدا، واستطاع أن يجعل قطر نموذجا وطليعة لذلك
ثالثا ـ كانت القضية الفلسطينية محور اهتمام الشيخ حمد، مهتما بكل تفصيلاتها وفصائلها، ومواقفه المشهودة تحتاج إلى كتابة مستقلة، ومن أكثرها شهرة عندما دعا لاجتماع قمة عربية طارئة، لمساندة قطاع غزة في أعقاب عدوان 2008/ 2009 وظهرت صورة الخذلان العربي إلى العلن، فكلما اكتمل نصاب الانعقاد حدث انسحاب، وكانت الطامة في انسحاب السلطة الفلسطينية، مما جعل الشيخ حمد يلقي بيانا حول ذلك، ختمه بالختام الشهير: حسبنا الله ونعم الوكيل.

أما غزة تحديدا فكانت لها مكانة خاصة، فهو الزعيم الوحيد الذي زارها وكسر الحصار عن أهلها، وأنشأ فيها مدينة سكنية كبيرة تحمل اسمه، وتكفلت قطر برواتب الموظفين في غزة إلى بداية حرب طوفان الأقصى، وعندما زرت غزة وجدت الطريق الرئيس الذي يربطها بمصر يحمل اسمه وبصمته، وصرح الشيخ حمد بن جاسم بن جبر رئيس الوزراء السابق أن الأمير الوالد في آخر أيامه كان يسأل عن آخر أخبار غزة، وحجم الإغاثة المقدمة إليها، بل كان يسأل عن نوعية الطعام وجودته، لذا رأينا إجماعا فلسطينيا على تأبينه والحزن على فراقه، وأقام أهل غزة بيوت عزاء له، بين ركام بيوتهم وعلى أطلال منازلهم.

رابعا ـ أنشأ الشيخ حمد بن خليفة علاقة خاصة بين الحاكم والعالم، وقدم نموذجا فريدا في تعامل السلطة مع أهل العلم والدعوة، وما رأينا حفاوة حاكم بعالم كما رأينا حفاوته بالشيخ يوسف القرضاوي، وختم هذا بطباعة موسوعة القرضاوي في مائة مجلد وخمسة، وبينهما من المواقف والطرائف ما هو جدير بالجمع والنشر، وكان الشيخ حمد مشهورا بسرعة التخلص وحضور البديهة، فعندما أصدر الشيخ القرضاوي فتوى مقاطعة بعض المشروبات الغازية، كلمه سفراء غربيون في ذلك، وأن هذه الفتوى تضر بالاقتصاد الغربي والقطري، فقال لهم: هل تعلقون عندكم على كلام البابا؟ فقالوا: لا،  فقال ونحن لا نتدخل في فتاوى العلماء. وسمعت الشيخ القرضاوي يقول أنا في قطر من عام 1961 ما قال لي أحد قط "قل كذا" أو لماذا قلت كذا ؟ بل كانت خطبة القرضاوي تبث أسبوعيا على تليفزيون قطر، وكثيرا ما أحدثت بعض خطبه ردود فعل قوية في بلدان كثيرة، وكان الشيخ حمد -رحمه الله- يطيب الخواطر ويفكك المشكلة، دون أن يذكر شيئا للشيخ عليهما رحمات الله، وأصبحت هذه المعاملة جزءا من الميراث الذي تركه لأولاده، وغرسه في نفوس أبناء شعبه.

غزة تحديدا فكانت لها مكانة خاصة، فهو الزعيم الوحيد الذي زارها وكسر الحصار عن أهلها، وأنشأ فيها مدينة سكنية كبيرة تحمل اسمه، وتكفلت قطر برواتب الموظفين في غزة إلى بداية حرب طوفان الأقصى،
خامسا ـ فكرة الثورة والسعي للتغيير من مفاتيح شخصية حمد بن خليفة، وظهر ذلك مبكرا في مراحل حياته الأولى، وظل يحمل هذه الروح ويغرسها فيمن حوله، وظهر ذلك في استلامه للحكم وفي تنازله عنه، فإن شهوة الحكم وحب السلطة يزداد كلما تقدم الحاكم في العمر، وهنا يظهر الفارق حيث تنازل الأمير الوالد وهو في قمة عطائه ومجده، لأن إيمانه بالتغيير والتطوير وتمكين الأجيال الشابة، لم يكن مجرد شعارات فارغة، وإنما بدأ في ذلك بنفسه، وتحقق له رؤية تمام رؤيته، ونجاح من يحمل الراية لإتمام مسيرته.

سادسا ـ تعرفت على شخصية الأمير الوالد وطريقته عن قرب، من خلال برنامج الصندوق الأسود مع رفيق عمره الشيخ حمد بن جاسم، والعجيب أن أكثر ما لفت نظري إلى الجوانب المشرقة في تاريخه، ما كان يذكره حمد بن جاسم عن اختلاف وجهات النظر مع الأمير الوالد، سواء في التوجه الإسلامي العروبي الكامل، أو ما يأتي من ردات الفعل على الزلازل التي تحدثها قناة الجزيرة، وتصل توابعها يوميا إلى وزارة الخارجية ! ومن ذلك أن الأمير الوالد كانوا إذا عرضوا عليه مشروعا كبيرا، أو شراكة اقتصادية ضخمة، قال لنبدأ مع مصر أوالعراق والجزائر، وكلما عرض عليه أمر تذكر بلدا عربيا، ويقول نهضة الدول العربية الكبرى بداية نهضة الأمة.

سابعا ـ فقدت الأمة العربية والإسلامية حمد بن خليفة، ولكن بعد ألم الفقد لأهل قطر، تأتي مصر في المرتبة الثانية، حيث فقدت أم الدنيا رجلا من أكثر القادة حبا لها وإخلاصا لشعبها، ودعما لها في كل مراحلها، حمد بن خليفة كان يحب مصر على قدرها وبكل ما فيها، ويعشق تنوعها ويتسع صدره لتناقضاتها، ويظهر هذا في مواقفه مع القرضاوي ومحمد حسنين هيكل، ويزور مكتبة الشروق ليلتقي الأستاذ إبراهيم المعلم، ويشارك في ندوة شعرية "شعبية" لعبدالرحمن الأبنودي، وظل وفيا لمعلمه في المدرسة الأستاذ المصري أحمد منصور، الذي نزل إلى مصر خصيصا للتعزية فيه دون أي مراسم خاصة، وبنى في الدوحة مدرسة تحمل اسمه، وذكر الأستاذ أحمد الشيخ أحد مؤسسي قناة الجزيرة، أنه في يوم تنازله عن الحكم، وبعد تسجيل البيان يقول: فوجئنا بالشيخ حمد يقترب من رجل ويسأله عن آخر أخباره وعن وظائف أولاده؟ فقلنا من هذا الذي يهتم به الأمير في هذه اللحظة الحاسمة؟ فقالوا: هذا أستاذه المصري !

وأخيرا لم تتح لي فرصة اللقاء المباشر مع الأمير الوالد رحمه الله، ولكن رأيته في مناسبات عامة، وبعضها ترك في نفسي أثرا كبيرا، ومن ذلك أن من جملة العلماء الذين قصدوا كعبة المضيوم، ووفرت لهم قطر مظلة الرعاية، الشيخ محمد سرور زين العابدين، وهو رجل له شهرته في أوساط الدعاة والمفكرين، ولكني توقعت ألا تحضر جنازته عامة الجماهير، وبالفعل حضر نخبة الناس، ورأيت من حضر من بلاد عربية، وكان من أبرز الحضور أبو الوليد خالد مشعل، وبعد الفراغ من الدفن ساد الموقف ساعة من صمت، ثم قطع الصمت صوت صقيل يسأل خالد مشعل هل بقي شيء يا أبا الوليد أم يمكنني الانصراف؟ فنظرنا فإذا المتحدث هو الأمير الوالد، حضر بسيارته وبرفقته أحد أولاده، والمشهد الثاني في عزاء والدة رئيس الوزراء السابق الشيخ عبدالله بن ناصر، وكنت قد ذهبت للتعزية في وفد من علماء قطر ودعاتها، وتصادف دخولنا لساحة العزاء المكتظة بالناس مع خروج الأمير الوالد، الذي اكتفى بالسلام بالإشارة من داخل السيارة، وعندما رأى وفدنا أوقف السيارة أمامنا وفتح نوافذها، وخصنا بالسلام والتحية.

سيكتب التاريخ كثيرا عن الأمير الوالد ومسيرة حياته، لكن المشهد الأخير سيبقى في ذاكرة الناس طويلا قبل صفحات التاريخ: حيث وُرِيَ جثمان باني نهضة قطر الثرى، وهو من جعل اسمها عند الثريا.

ووقف أولاده ـ فيهم أمير البلاد ـ ليباشروا دفنه بأنفسهم، وتضمخت ثيابهم من طين تربته، لتكون أيديهم هي آخر ما يلامس جسده من الدنيا، في مشهد بعيد عن أبهة الملك وترتيبات المراسم، مشهد تحكمه طريقة الدفن الشرعي والوفاء الأبوي، والضراعة إلى أرحم الراحمين: اللهم ارحم عبدك حمد بن خليفة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)