المولد النبوي: مراحل مفصلية في حياة خير البرية ﷺ (2-4)

محمد الصغير
"إن كانت فترة ما قبل النبوة قد حوت مواقف مفصلية في حياة خير البرية ﷺ، فإن ذلك معهود في حياة البشر"- واس
"إن كانت فترة ما قبل النبوة قد حوت مواقف مفصلية في حياة خير البرية ﷺ، فإن ذلك معهود في حياة البشر"- واس
شارك الخبر
كانت فترة خلوة النبي المكرم ﷺ في غار حراء، والانقطاع عن الخلق للتفكر والتأمل، والتي بدأت بعد عمر الخامسة والثلاثين، هي فترة التهيئة لاستقبال الوحي، حتى إذا بلغ أربعين سنة نزل عليه جبريل بأول آيات الذكر الحكيم، وعلى سنة النزول منجما بما يوافق الحال ويلائم المقام، كانت البداية بكلمة "اقرأ" التي تكررت في أول سطرين مرتين، مشفوعة بآلة العلم والكتابة: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)" (سورة العلق).

وإن كانت فترة ما قبل النبوة قد حوت مواقف مفصلية في حياة خير البرية ﷺ، فإن ذلك معهود في حياة البشر، ولم ينقل عنها وهي الأطول مقارنة بفترة النبوة (23 سنة) خطب أو حكم أو تعليم ينسب إلى رسول الله ﷺ، ومع اتصاله بحبل الوحي تفجرت منه ينابيع العلم والحكمة، وكانت أحواله بين التربية والتزكية، وهو في كل مقام يرشد أو يعلم على أي حال "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" (التوبة: 2). وبعد نزول الوحي بدأت مرحلة فاصلة في مسيرة رسول الله ﷺ.

ثامنا: مرحلة الدعوة بشقيها

امتثل النبي ﷺ أمر الله بالبلاغ، فمن معاني كلمة اقرأ "بلّغ"، فقام بأمر البلاغ والنذارة حق القيام: "يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2)" (سورة المدثر)؛ قام بعدها فما استراح.

بدأت مرحلة الدعوة سرا واستمرت ثلاث سنوات، اختار فيها اللبنات التي يؤسس عليها البناء، وتتحمل معه مسؤولية الدعوة فكانت مرحلة "وأنذر عشيرتك الأقربين"، وكان أول من صدق وآزر زوجَه خديجة أم المؤمنين الأولى وبناته منها عليهم رضوان الله أجمعين، وذهبت بالنبي ﷺ إلى ورقة بن نوفل لعلمه بالكتب السابقة، فصدق رسول الله ﷺ وبشره أن ما رآه هو الناموس (الوحي) الذي أُنزل على موسى عليه السلام، ثم كان أبو بكر بن أبي قحافة أول من بكر إلى الإسلام، وبادر من اليوم الأول لتحمل أمانة البلاغ، فتذكر كتب السير أن بين إسلامه وإسلام عثمان بن عفان ليلة واحدة، ويأتي في صحيفته جل من آمن من العشرة المبشرين بالجنة.

ومع تنامي عدد المؤمنين احتاج رسول الله ﷺ محضنا علميا يعلم فيه أصحابه ويلتقي بهم فيه، فوقع الاختيار على دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وذلك لقربه من جبل الصفا حيث يغدو الناس ويروحون، ولأن الأرقم من بني مخزوم، أكثر بطون قريش مجابهة للدعوة الجديدة، وكان الأرقم في السادسة عشرة من عمره، وقد عُمِّر بعدها وشهد المشاهد كلها، ومات بعد أن تجاوز الثمانين، في خلافة معاوية رضي الله عنهم أجمعين، لكن كتّاب السير والتاريخ لم يزاحموا عمله الأول، الذي حقق به الأولية والمكانة العلية بأي عمل جليل آخر، وبعد هذه الفترة صعد النبي ﷺ جبل الصفا، فعم وخص وبدأ مرحلة الإعلان بالدعوة.

تاسعا: الهجرة إلى الحبشة:

كانت في العام الخامس من البعثة النبوية، في ظل إصرار قريش على التنكيل بكل من يدخل في الدين الجديد، وهنا أذن لهم رسول الله ﷺ في الخروج إلى الحبشة، معللا اختياره بأن فيها ملكا عادلا لا يظلم أحد عنده. وأرض الحبشة جغرافيا في قارة أفريقيا، وقلبها الآن ما يعرف بأثيوبيا وإرتريا.

وفي ذلك درس وهو أن يلم صاحب الدعوة بأيام التاريخ وواقع الجغرافيا، ولا ينعزل عن أحداث العالم من حوله. وما أعظمها من منقبة للنجاشي، حين وصفه رسول الله ﷺ بالعدل، وبقدرته على فرض ذلك فيما تحت يديه فلا يظلم أحد عنده، فكم من عادل لكن يظلم الناس عنده، لكثرة حاشيته واتساع الدوائر من حوله، وعجز المظلومين عن الوصول إليه.

والحبشة لها ارتباط برسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه الأول، فحاضنته السيدة بركة الحبشية (أم أيمن)، التي زوّجها بعد ذلك لمولاه زيد بن حارثة، وأنجبت أسامة حب رسول الله ﷺ.

وكان نزول الصحابة في أرض الحبشة تحديدا فيما يعرف بدولة إرتريا الآن، ونزلوا في ميناء "مصوع" وبنوا مسجدا ما زالت آثاره باقية، وهو أول مسجد بني في أفريقيا. وأثمر لقاء الصحابة بالنجاشي دخوله في الإسلام، من خلال ثبات جعفر بن أبي طالب المتحدث باسمهم على وضوح دعوته، وتجلية معتقده وعدم المداهنة في بيان الحق، وأفشل بذلك محاولة عمرو بن العاص في استعادتهم أو التضييق عليهم، وهي سنة الجاهليين في تتبع الفارين بدينهم في أماكن هجرتهم، وحنقهم على نجاتهم من بطشهم ومعتقلاتهم: "وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً" (النساء: 100)؛ أي يرغم الله أعداءه بنجاته، ويوسع عليه في دار هجرته. وأي توسعة أكبر من إيمان رأس الدولة وحاكمها المطاع، وقد صلى رسول الله ﷺ على النجاشي صلاة الغائب بعد وفاته.

وكانت هجرة الحبشة أول منطلقات الدعوة عالميا: "وما أرسلناك إلا رحمة العالمين"؛ وهي آية في سورة الأنبياء المكية. وبقي جعفر في الحبشة حتى عاد مع فتح خيبر.

عاشرا: الحصار

الحصار خطة الفجّار في مواجهة دعوات الإصلاح، ويتسع ليشمل من يتعاطفون معها، حتى أضيف إلى قوانين الجور الآن، تهمة التعاطف وهي من أعمال القلوب!

سعت قريش إلى قتل رسول الله ﷺ، وخشي عمه العطوف أبو طالب عليه من مكرهم به، فجمع حوله بني هاشم في شِعبهم. وهنا قررت قريش فرض الحصار التام عليهم، فلا يتعاملون معهم بأي نوع من المعاملات التجارية أو الاجتماعية، واشتد الحصار على أهل الشِعب حتى أكلوا ورق الشجر وتقرحت أشداقهم، نظرا لإحكام الحصار وتفقد أبو جهل للمنافذ، وإحكامه إغلاق المعابر، منعا لتسريب أي شيء يحفظ على المحاصرين حياتهم. ومن المرات التي انكشفت فيه فيها محاولة المساعدة، أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد، ومعه غلام يحمل قمحا، يريد به عمته خديجة رضي الله عنها وهي في الشعب، فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختري بن هشام فقال: ما لك وله؟ قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم! قال: طعام كان لعمته عنده أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خلّ سبيل الرجل. ونال منه أبو البختري وتفوق عليه، ومن هنا بدأت فكرة السعي إلى كسر الحصار، والوقوف أمام جهالة أبي جهل ومن معه ممن قبلوا فكرة حصار الأشقاء!

واستطاع نفر من قريش هم: هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وزهير بن أبي أمية المخزومي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، والمطعم بن عدي أن يكسروا الحصار الظالم الذي شمل كل بني هاشم حتى الكفار منهم، ولم يخرق إجماعهم إلا أبو لهب الذي انحاز ضد عشيرته وابن أخيه! وخلال سنوات الحصار لم يتراجع أحد ممن لا يؤمنون بالإسلام، في موقف من المواقف التي يعلو فيها المبدأ والشهامة ورعاية القرابة حتى عن المعتقد، وهو ما سجله القرآن الكريم لهم في قوله تعالى: "وهم ينهون عنه وينأون عنه".

وهذا يظهر عجز أمة الملياري مسلم عن كسر الحصار عن غزة، الذي لم يتهيأ له خمسة من أهل النخوة على غرار جماعة المطعم بن عدي!

حادي عشر: الإسراء والمعراج

استمرت قريش على عنادها في مواجهة الدعوة الإسلامية، فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف ليعرض الإسلام على قبيلة ثقيف، فأغروا سفهاءهم وصبيانهم برسول الله ﷺ فقذفوه بالحجارة حتى أدموا عقبه الشريف، وزادوا عن قريش في الجفاء والعداء، حتى رق له عتبة بن ربيعة وكان له بستان هناك، فأرسل له قطفا من عنب مع عامله "عداس" الذي أسلم من حواره مع رسول الله ﷺ، ثم نزل إليه جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال؛ كما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أُحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت أحد، فانطلقت على وجهي وأنا مهموم فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني وقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال فتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال قد بعثني الله عز وجل لتأمرني بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل ولا يشرك به شيئا (رواه الشيخان).

وبعد هذه الحادثة كانت رحلة الإسراء والمعراج تكريما لرسول الله ﷺ وتهوينا عليه، فإن ضاق بك أهل الأرض فمرحبا بك بين أهل السماء، ومكانتك إمامة الأنبياء، فأُسري به ليلاً إلى بيت المقدس "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (الإسراء:1).

ثم عرج به إلى السماوات العلا، وبلغ ما لم يبلغه نبي مرسل ولا ملك مقرب: "وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9) فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ" (سورة النجم).

وكانت الصلوات الخمس هي هدية المعراج، ومعراج المؤمنين خمس مرات في اليوم والليلة، وأمَّ النبي ﷺ الأنبياء في المسجد الأقصى، إعلانا لاكتمال بنيان بيت النبوة، وختم سلسلة الوحي في خير الأمم، الأمينة على هذا الميراث والمطالبة بالحفاظ عليه. وبهذه المعجزة اقتربت صفحة المرحلة المكية من الانتهاء، حيث كانت حادثة الإسراء في العام الحادي عشر من البعثة النبوية، أي قبل الهجرة إلى يثرب بعامين.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)