إذا كانت الأمم
تعرف برجالها، وتخلد في سجل التاريخ بما أنجبت من أعلامها، فإن الأمة الإسلامية قد
ازدانت عبر عصورها بكوكبة من العلماء الذين حملوا ميراث النبوة، وصانوا للشريعة مقامها،
وجمعوا بين رسوخ العلم، ونفاذ البصيرة، وصدق الدعوة، فكانوا للعقول هداة، وللضمائر
مصابيح، وللأمة حراسا على ثوابتها وقيمها. وفي طليعة علماء العصر الحديث يبرز اسم الشيخ
الدكتور علي محيي الدين القره داغي بما اجتمع له من سعة في
الفقه، وتمكن في الأصول،
وريادة في الاقتصاد الإسلامي، وحضور بارز في ميادين الاجتهاد والإفتاء والعمل المؤسسي
حتى غدا اسمه علما على مدرسة علمية تجمع بين أصالة التأصيل، ورحابة النظر، وفقه الواقع،
واستيعاب تحولات العصر في ضوء مقاصد الشريعة وهداية الوحي.
ولد الشيخ
الدكتور علي محيي الدين القره داغي عام 1949م في منطقة قره داغ التابعة لمحافظة السليمانية
في إقليم كردستان العراق، في بيت اشتهر بالعلم والفضل وأصالة النسب، إذ تنتهي سلسلة
نسبه إلى الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما. فنشأ في رحاب أسرة اجتمع فيها شرف النسب
وشرف التربية، وتشرب منذ طفولته معاني الإيمان، وحب العلم، وتعظيم الشريعة، والاعتزاز
بالهوية الإسلامية.
وفي تلك البيئة
تفتحت مداركه، واتصل قلبه بالقرآن، وتلقى مبادئ العلوم الشرعية واللغوية على أيدي أفراد
أسرته، ثم اتسعت دائرة تحصيله على أيدي علماء السليمانية وبغداد. وقد ظهرت عليه منذ
صغره مخايل النبوغ، وحدة الذكاء، وقوة الحفظ، وشغف لا يفتر بالمعرفة، حتى حفظ جانبا
وافرا من الشعر العربي والكردي والفارسي، فصقلت بذلك ملكته اللغوية، واتسعت آفاقه الأدبية
والثقافية.
ثم التحق بالمعهد
الإسلامي في بغداد، وتخرج فيه عام 1970م قبل أن يواصل دراسته في كلية الإمام الأعظم،
التي تخرج فيها عام 1975م. ولم تقف همته عند هذا الحد، بل قادته أشواق العلم إلى مصر،
حيث رحاب الأزهر الشريف، ذلك الصرح الذي ظل عبر القرون منارة للفقه والعلم والفكر الإسلامي.
وفي الأزهر
بدأت مرحلة جديدة من نضجه العلمي، إذ جمع بين ما حصله من المدرسة العراقية وما وجده
في البيئة الأزهرية من منهج مقارن، وأفق بحثي واسع. فنال درجة الماجستير في الفقه المقارن
والقانون عام 1980م، ثم توج دراسته بالحصول على الدكتوراة عام 1985م عن أطروحته: مبدأ
الرضا في الشريعة الإسلامية والقانون المدني. وقد كشفت هذه الدراسة عن مَلَكة علمية
راسخة، وقدرة على الموازنة بين الفقه الإسلامي والقانون الحديث، وربط الفروع بأصولها،
والنظر في النصوص من خلال مقاصدها وآثارها ومآلاتها.
في عام 1985م
انتقل الشيخ من مقاعد التلقي إلى ساحات التعليم والتأثير، فالتحق بهيئة التدريس في
جامعة قطر لتبدأ واحدة من أخصب مراحل عطائه العلمي. ولم يكن يرى التدريس وظيفة أكاديمية
مجردة، بل رسالة تتجاوز نقل المعلومات إلى بناء الملكات، وتكوين العقول، وصناعة الأجيال.
فكان يربي طلابه على فقه الدليل، ودقة النظر، والقدرة على الموازنة، ويعلمهم أن الفقه
ليس حفظا للأقوال، بل بصيرة في تنزيل النصوص على الوقائع، وفهم عميق لمقاصد الشريعة
وحاجات الناس. وقد عُرف في مجالسه العلمية بسعة الاطلاع، ورصانة التحليل، وقدرته على
تقريب أدق المسائل إلى الأذهان.
وتدرج في المناصب
الأكاديمية حتى بلغ مرتبة الأستاذية، وتولى رئاسة قسم الفقه وأصوله بكلية الشريعة والقانون،
وأسهم في تطوير المناهج والخطط الدراسية، والإشراف على الرسائل الجامعية، ومناقشة الأطروحات،
ورعاية طلاب العلم والباحثين، حتى امتد أثره في أجيال حملت علمه ومنهجه إلى الجامعات
ومراكز البحث والمؤسسات الشرعية.
ومن أبرز معالم
مشروعه العلمي ما اصطلح عليه بفقه الميزان، وهو منهج يقوم على تحقيق التوازن بين النص
والمقصد، وبين الثابت والمتغير، وبين الحق والواجب، وبين المصلحة والمفسدة بعيدا عن
مسالك الغلو والتفريط. ولم يكن هذا المنهج
فكرة عابرة، بل ثمرة عقود من البحث والتأمل
والاستقراء ومخالطة قضايا الناس ونوازلهم. وقد جعل الشيخُ العدلَ غاية لهذا الفقه،
والاعتدال روحه، ومقاصد الشريعة إطاره الحاكم بحيث لا ينفصل الحكم عن أثره، ولا النص
عن غايته، ولا الاجتهاد عن واقع الإنسان. ومن هنا غدا فقه الميزان خلاصة لرؤية فقهية
ترى أن الشريعة جاءت رحمة وعدلا، وصيانة للكرامة، وتحقيقا للمصالح، ودرءا للمفاسد،
وأن الفقيه الحق هو الذي يزن الأمور بعلم وإنصاف، فلا تحمله الحماسة إلى الإفراط، ولا
تدفعه ضغوط الواقع إلى التفريط.
أما الاقتصاد
الإسلامي، فقد كان من أخصب ميادين عطائه وأوسعها أثرا. فقد أمضى الشيخ عقودا في دراسة
فقه المعاملات والتمويل الإسلامي حتى غدا واحدا من أبرز المراجع في النوازل المالية
المعاصرة.
ولم ينظر إلى
الاقتصاد الإسلامي بوصفه أحكاما متفرقة في البيع والشراء فحسب، بل رآه نظاما حضاريا
يقوم على العدل، وصيانة المال، وتحقيق التكافل، وربط النشاط الاقتصادي بالقيم الأخلاقية،
وتوجيه الثروة نحو البناء والإعمار. وقد تناول بالدراسة والبحث صيغ التمويل الحديثة
من مرابحة ومشاركة ومضاربة وإجارة وسلم واستصناع وصكوك وتورق وتأمين تكافلي، وكان يؤكد
أن نجاح الصناعة المالية الإسلامية لا يكتمل بمجرد اجتناب الربا، بل يتحقق حين تعبر
المعاملة عن روح الشريعة، وتسهم في التنمية، وتربط التمويل بالاقتصاد الحقيقي، وتحد
من الظلم والاستغلال. كما وقف عند الأزمات المالية العالمية، فقرأ أسبابها قراءة فقهية
واقتصادية، وأبرز أثر الربا، وتضخم الديون، والمضاربات، والانفصال بين المال والإنتاج،
ثم قدم من خلال الاقتصاد الإسلامي رؤية بديلة تقوم على المشاركة في المخاطر، وربط التمويل
بالنشاط الحقيقي، وتحقيق التوازن بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية.
وقد خلّف الشيخ
رصيدا علميا وافرا في الفقه والاقتصاد الإسلامي وفقه النوازل والقضايا الطبية، ومن
أشهر مؤلفاته: التأمين التكافلي الإسلامي، والتورق المصرفي، والأزمة المالية العالمية،
وفقه القضايا الطبية المعاصرة. كما تعد حقيبة طالب العلم في الاقتصاد الإسلامي في اثني
عشر مجلدا من أبرز مشروعاته العلمية، لما اشتملت عليه من تأصيل فقهي وتحليل اقتصادي
واسع.
ولم يحصر الشيخ
رسالته في صفحات الكتب أو قاعات الجامعات، بل امتد حضوره إلى المجامع الفقهية، والهيئات
الشرعية، والمؤسسات العلمية والإنسانية، فشارك في دراسة النوازل، وصياغة القرارات والمعايير،
وترسيخ منهج الاجتهاد الجماعي، وربط الفتوى بالخبرة الاقتصادية والقانونية والمحاسبية.
كما كان له
حضور في ميادين العمل الإنساني، والدفاع عن قضايا اللاجئين والنازحين والفقراء والمنكوبين،
والدعوة إلى تفعيل الزكاة والوقف والتكافل الاجتماعي، انطلاقا من إيمانه بأن الفقه
إذا انفصل عن آلام الإنسان فقد جانبا عظيما من رسالته.
وقد توجت مسيرته
الطويلة بتوليه رئاسة
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في كانون الثاني/يناير 2024م
بعد عقود من العمل العلمي والدعوي والمؤسسي. فجاءت هذه المسؤولية امتدادا طبيعيا لمسيرته،
وفرصة جديدة لتوظيف علمه وخبرته في جمع كلمة العلماء، وتعزيز مرجعية الشريعة، والدفاع
عن قضايا الأمة، ونشر قيم العدل والحرية والكرامة.
وقد نهل في
تكوينه الفكري من مدارس متعددة، فأفاد من تراث عدد من العلماء والمصلحين، ومنهم حسن
البنا، وسيد قطب، ومصطفى السباعي، وعبد الحليم محمود، وحسن حبنكة الميداني، كما كان
للمدرسة العراقية، وفي مقدمة أعلامها أمجد الزهاوي وعبد الكريم زيدان، أثر ظاهر في
تكوينه الفقهي والفكري.
تبدو سيرة
الشيخ الدكتور علي محيي الدين القره داغي رحلة علمية متصلة الحلقات، اجتمع فيها رسوخ
الفقيه، ووعي المفكر، وخبرة الاقتصادي، وحكمة القائد، وروح المصلح. وقد استطاع أن يصل
بين التراث والواقع، وبين التأصيل والتجديد، وبين العلم والعمل، وأن يجعل من الفقه
جسرا يعبر به إلى قضايا الإنسان والعصر.
ولا تزال مسيرته
ماضية في ساحات العلم والدعوة والإصلاح شاهدة على عالم وهب عمره لخدمة الشريعة، وبناء
الفكر، ونصرة قضايا الأمة، حتى غدا واحدا من أبرز أعلام الفقه والفكر الإسلامي في عصرنا،
وبقيت آثاره العلمية وجهوده المؤسسية رصيدا للباحثين، ومنارة في طريق الاجتهاد المعاصر.
المصادر والمراجع:
1. الدكتور
علي القره داغي، فقه الميزان.
2. الدكتور
علي القره داغي، حقيبة طالب العلم في الاقتصاد الإسلامي.
3. الدكتور
علي القره داغي، التأمين التكافلي الإسلامي.
4. الموقع
الرسمي للدكتور علي محي الدين القره داغي.
5. الموقع
الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.