الوسطية والاعتدال في خطاب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

أحمد شوقي عفيفي
"المنهج الوسطي الذي يدعو إليه الاتحاد يظل من أهم الركائز التي يمكن أن تسهم في نهضة الأمة الإسلامية واستعادة مكانتها"
"المنهج الوسطي الذي يدعو إليه الاتحاد يظل من أهم الركائز التي يمكن أن تسهم في نهضة الأمة الإسلامية واستعادة مكانتها"
شارك الخبر
تمثل الوسطية إحدى أعظم الخصائص التي تميزت بها الشريعة الإسلامية، فهي المنهج الرباني الذي أقام التوازن الدقيق بين مطالب الروح وحاجات الجسد، وبين ثبات المبادئ ومرونة الوسائل، وبين حقوق الأفراد ومصالح الجماعات بما يحقق للإنسان الاستقامة في الفكر والاعتدال في السلوك والانسجام في الحياة. وقد جعل الله تعالى هذه السمة عنوانا لهذه الأمة ورسالتها الحضارية، فقال سبحانه: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطا" (البقرة: 143)، إيذانا بأن العدل والاعتدال والتوازن ليست قيما عارضة في الإسلام، وإنما هي من صميم هويته وأحد أركان بنائه الفكري والتشريعي. ومن هذا المنطلق، جعل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الوسطية والاعتدال ركيزة أساسية في خطابه العلمي والدعوي والفكري إيمانا منه بأن الأمة لا يمكن أن تستعيد دورها الحضاري إلا من خلال الفهم الرشيد للدين، البعيد عن مسالك الغلو والتشدد من جهة، وعن مزالق التفريط والانحلال من جهة أخرى. ولذلك سعى الاتحاد إلى تقديم الإسلام في صورته الناصعة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتصل بين نصوص الوحي ومقاصده الكلية، وتحافظ على ثوابت الشريعة مع استيعاب متغيرات الواقع ومستجدات العصر ليظل الإسلام هاديا للإنسانية وقادرا على معالجة قضاياها المتجددة في كل زمان ومكان.

مفهوم الوسطية في خطاب الاتحاد:

لا ينظر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إلى الوسطية بوصفها تنازلا عن أحكام الشريعة أو مساومة على ثوابتها الراسخة كما لا يراها موقفا رماديا يقف على مسافة واحدة من الحق والباطل، وإنما يعدها تجسيدا حقيقيا لمنهج الإسلام الذي يقوم على العدل والاتزان والاستقامة. فالوسطية في تصوره هي السير في الصراط المستقيم بعيدا عن طرفي الإفراط والتفريط، والتحرر من نزعات الغلو والتشدد كما التحرر من مظاهر التسيب والانحلال.

الوسطية في تصوره هي السير في الصراط المستقيم بعيدا عن طرفي الإفراط والتفريط، والتحرر من نزعات الغلو والتشدد كما التحرر من مظاهر التسيب والانحلال

ومن هذا المنطلق، يؤكد الاتحاد في أدبياته وبياناته ومقرراته العلمية على أهمية الفهم الشامل للنصوص الشرعية فهما يستوعب مقاصد الشريعة الكبرى، ويراعي أحوال الناس ومتغيرات الواقع، ويصل بين الجزئيات والكليات، وبين الأحكام ومآلاتها في إطار من البصيرة والاجتهاد الرشيد. كما يحذر من القراءات المجتزأة أو الانتقائية للنصوص لما قد تفضي إليه من اضطراب في الفهم وانحراف في التطبيق، وتشويه لصورة الإسلام ورسالته الخالدة.

مواجهة الغلو والتطرف:

ومن أبرز الملامح التي تميز خطاب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين موقفه الواضح والحازم من ظواهر الغلو والتطرف التي أضرت بالأمة وشوهت صورة الإسلام في أعين كثير من الناس. فقد ظل الاتحاد يؤكد في مختلف مؤتمراته وبياناته وفتاواه، أن التكفير بغير حق، واستباحة الدماء المعصومة، وتجاوز مقاصد الشريعة في الدعوة والإصلاح والتغيير؛ كلها انحرافات تتنافى مع روح الإسلام القائمة على الرحمة والعدل والحكمة.

وانطلاقا من رؤيته العلمية المتوازنة، لم يكتف الاتحاد بإدانة مظاهر التطرف وآثارها، بل دعا إلى معالجة جذورها الفكرية والتربوية والثقافية إيمانا منه بأن الانحراف الفكري لا يعالج إلا بالفكر الرشيد، وأن بناء الوعي الصحيح وترسيخ الفهم السليم للدين يشكلان الحصن المنيع الذي يحمي الشباب من الوقوع في براثن الغلو والانغلاق والتشدد.

مواجهة التفريط والانحلال:

وفي مقابل موقفه الرافض للغلو والتطرف، يقف الاتحاد كذلك موقفا ناقدا للتيارات التي تدعو إلى تمييع الأحكام الشرعية أو إقصاء الدين عن مجالات الحياة المختلفة، أو إخضاع النصوص القطعية لضغوط الواقع وأهواء العصر. فالانحراف عن منهج الإسلام قد يكون بالغلو كما يكون بالتفريط وكلاهما خروج عن جادة الاعتدال التي جاء بها الوحي.

ولهذا يؤكد الاتحاد أن الوسطية الحقة لا تتحقق إلا بالموازنة بين المحافظة على الثوابت والانفتاح على المستجدات، وبين الوفاء للهوية الإسلامية والتفاعل الإيجابي مع الحضارة الإنسانية. ومن ثم يدعو إلى الاستفادة من المنجزات العلمية والفكرية المعاصرة، والأخذ بأسباب التقدم والرقي مع التمسك بأصول الإسلام وقيمه الكبرى، وصيانة الشخصية الإسلامية من الذوبان والتبعية وفقدان الخصوصية الحضارية.

فقه التيسير ورفع الحرج:

ومن المعالم البارزة في خطاب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عنايته بفقه التيسير المنضبط بأصول الشريعة وقواعدها المعتبرة انطلاقا من إدراكه العميق أن الإسلام دين رحمة وهداية، وأن أحكامه إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد ودفع المشقة والحرج عنهم. وقد قرر القرآن الكريم هذا الأصل العظيم في قوله تعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"، وقوله سبحانه: "وما جعل عليكم في الدين من حرج"، مما يدل على أن التيسير مقصد أصيل من مقاصد الشريعة، ما دام منضبطا بضوابطها ومحققا لغاياتها. ومن هنا يحرص الاتحاد على تقديم الاجتهادات والفتاوى التي تراعي أحوال المسلمين واختلاف ظروفهم وأوضاعهم في أنحاء العالم، ولا سيما الأقليات المسلمة التي تواجه تحديات دينية واجتماعية وثقافية خاصة. وفي الوقت ذاته يؤكد على ضرورة المحافظة على ثوابت الشريعة وأصولها القطعية بما يحقق التوازن بين متطلبات الواقع ومقتضيات النص، وبين مراعاة المصالح وصيانة الهوية الإسلامية في إطار من الفقه الراشد والاجتهاد المسؤول.

الحوار والتعايش الإنساني:

ومن أبرز تجليات المنهج الوسطي في خطاب الاتحاد دعوته الدائمة إلى الحوار البناء والتفاهم الإيجابي والتعاون على الخير مع مختلف مكونات المجتمعات الإنسانية. فالاختلاف سنة من سنن الله في الكون، والتنوع من مظاهر حكمته في الخلق، والإسلام لا ينظر إلى هذا التنوع بوصفه سببا للصراع والتنازع، بل يجعله مدخلا للتعارف والتعاون وتحقيق المصالح المشتركة.

وانطلاقا من هذا الفهم، يؤكد الاتحاد على قيم العدل والرحمة واحترام الكرامة الإنسانية وصيانة الحقوق الأساسية لجميع البشر بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الثقافية. وقد شارك في العديد من المؤتمرات والملتقيات والمبادرات الدولية التي هدفت إلى ترسيخ ثقافة السلم المجتمعي وتعزيز جسور التفاهم بين الشعوب والحضارات، مع التشديد في الوقت نفسه على حق المسلمين في الحفاظ على عقيدتهم وهويتهم وخصوصيتهم الثقافية بعيدا عن الذوبان أو التبعية أو التنازل عن الثوابت.

أثر المنهج الوسطي في نهضة الأمة:

إن الأمة الإسلامية في هذا العصر أحوج ما تكون إلى خطاب وسطي رشيد يجمع بين أصالة المرجعية ووعي الواقع، وبين رسوخ العلم وسداد الحكمة، وبين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل. وهذا هو المنهج الذي يسعى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إلى ترسيخه من خلال مؤتمراته وندواته وبياناته وإصداراته العلمية ومبادراته الفكرية والدعوية.

فالوسطية في رؤية الاتحاد ليست شعارا يرفع في المناسبات، ولا مصطلحا نظريا مجردا، بل هي مشروع حضاري متكامل يهدف إلى بناء الإنسان، وترشيد الفكر، وتوحيد الصف، وتعزيز حضور الأمة في ميادين الشهود الحضاري والإسهام الإنساني. كما أنها تمثل سبيلا لمواجهة التحديات الفكرية والثقافية والسياسية المعاصرة بروح من الحكمة والبصيرة والاتزان بعيدا عن ردود الأفعال المتطرفة أو المواقف المتساهلة.

ومن ثم فإن ترسيخ المنهج الوسطي يسهم في جمع كلمة المسلمين، وتجديد وعيهم برسالة الإسلام، وتوجيه طاقاتهم نحو البناء والإصلاح بما يمكن الأمة من استعادة دورها الحضاري والقيام بمسؤوليتها في نشر قيم العدل والرحمة والخير بين الناس.

خاتمة:
تتجلى أهمية الرسالة التي يحملها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين باعتبارها دعوة إلى الفهم الرشيد للدين، وإلى التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وإلى استنهاض طاقات الأمة للقيام بدورها الحضاري والإنساني

لقد نجح الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في تقديم نموذج رائد للخطاب الإسلامي الوسطي المعاصر خطاب يستمد أصالته من الكتاب والسنة، ويسترشد بمقاصد الشريعة وكلياتها، ويجمع بين رسوخ المرجعية الشرعية ووعي الواقع الإنساني المتجدد. ومن خلال مسيرته العلمية والدعوية والفكرية، سعى الاتحاد إلى ترسيخ قيم الاعتدال والتوازن، وإبراز الصورة الحقيقية للإسلام بوصفه دين رحمة وعدل وحكمة قادر على التفاعل مع قضايا العصر دون تفريط في الثوابت أو جمود عن مقتضيات التجديد.

وفي زمن تتعاظم فيه التحديات الفكرية والثقافية، وتتجدد فيه مظاهر الغلو والتطرف من جهة، ودعوات التفريط والذوبان من جهة أخرى، تبرز الوسطية الإسلامية باعتبارها السبيل الأمثل لحماية هوية الأمة وصيانة وحدتها وتوجيه مسيرتها نحو البناء والإصلاح. ومن هنا تتجلى أهمية الرسالة التي يحملها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين باعتبارها دعوة إلى الفهم الرشيد للدين، وإلى التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وإلى استنهاض طاقات الأمة للقيام بدورها الحضاري والإنساني.

وإذا كانت الأمم تقاس بقدرتها على الحفاظ على قيمها وتجديد عطائها، فإن المنهج الوسطي الذي يدعو إليه الاتحاد يظل من أهم الركائز التي يمكن أن تسهم في نهضة الأمة الإسلامية واستعادة مكانتها بين الأمم لتبقى شاهدة على الناس حاملة لرسالة الخير والعدل والرحمة، ومؤدية لأمانتها الحضارية في حاضرها ومستقبلها.

المراجع:

1. القرآن الكريم.

2. الدكتور يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف.

3. الدكتور يوسف القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام.

4. الدكتور يوسف القرضاوي، في فقه الأولويات.

5. الدكتور يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية.

6. الدكتور يوسف القرضاوي، فقه الوسطية الإسلامية والتجديد.

7. الدكتور علي محيي الدين القره داغي، بحوث في فقه المعاملات المالية المعاصرة.

8. الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.

9. الشيخ محمد الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن.

10. الشيخ محمد الغزالي، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث.

11. موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)