لم يكن العلماء في تاريخ الأمة حبيسي
المحاريب، ولا قاصري الرسالة على مجالس العلم والفتوى، بل كانوا في قلب
المجتمع،
يحملون همومه، ويصلحون خلله، ويرشدون مسيرته، وينصحون للحاكم والمحكوم، ويقيمون
للعدل ميزانه، وللحق مكانه، وللقيم سلطانها في حياة الناس. فالعلم في التصور
الإسلامي رسالة تتجاوز حدود المعرفة إلى صناعة الوعي، وبناء الإنسان، وإصلاح
المجتمع.
ومن هذا المنطلق، أولى الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين قضية
الإصلاح الاجتماعي والسياسي عناية ظاهرة مستندا إلى مرجعية
الإسلام ومقاصده الكبرى، وساعيا إلى رؤية إصلاحية لا تفصل بين صلاح الإنسان وصلاح
المجتمع، ولا تعزل الأخلاق عن السياسة، ولا تقيم حاجزا بين هداية الدين وشؤون
الحياة.
الإنسان منطلق الإصلاح وغايته
يبدأ الإصلاح الحقيقي من الإنسان، فهو روح
المجتمع ومحور نهضته، وما المؤسسات والقوانين والنظم إلا أوعية لا تستقيم ثمرتها
إلا باستقامة من يحملها ويقيم عليها. فإذا صلح الإنسان في فكره وضميره وسلوكه،
امتد صلاحه إلى أسرته ومجتمعه، وإذا اختل ميزانه انعكس ذلك على مختلف جوانب الحياة.
يبدأ الإصلاح الحقيقي من الإنسان، فهو روح المجتمع ومحور نهضته، وما المؤسسات والقوانين والنظم إلا أوعية لا تستقيم ثمرتها إلا باستقامة من يحملها ويقيم عليها. فإذا صلح الإنسان في فكره وضميره وسلوكه، امتد صلاحه إلى أسرته ومجتمعه، وإذا اختل ميزانه انعكس ذلك على مختلف جوانب الحياة.
ومن هنا اهتم الاتحاد ببناء الوعي الإيماني
والأخلاقي، وتعزيز الشعور بالمسؤولية، وربط المسلم بدينه وهويته وأمته، كما تناول
في خطابه قضايا الأسرة والشباب والمرأة والتربية والأخلاق والتكافل الاجتماعي
إدراكا منه أن الأسرة هي المحضن الأول الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان، ومنها يبدأ
تماسك المجتمع أو تفككه.
ولم ينظر إلى المشكلات الاجتماعية بوصفها
ظواهر منفصلة عن بعضها، بل دعا إلى معالجتها برؤية تجمع بين هداية الشريعة وفقه
الواقع، حتى يكون الخطاب الديني حاضرا في حياة الناس ملامسا لقضاياهم، ومساهما في
معالجة ما يواجهونه من فقر وجهل وتفكك أسري وانحراف أخلاقي.
العدالة الاجتماعية وروح التكافل
ومن دعائم الإصلاح الاجتماعي إحياء روح
التكافل بين أبناء المجتمع، فالمجتمع المسلم لا يقوم على الأنانية والجفاء، وإنما
على الرحمة والتراحم، والتعاون والتناصر، والشعور بمسؤولية القوي تجاه الضعيف،
والغني تجاه الفقير، والقادر تجاه المحتاج. ولهذا أبرز الاتحاد الأبعاد الاجتماعية
للزكاة والصدقات والأوقاف والعمل الخيري، وربطها بتحقيق العدالة وصيانة كرامة
الإنسان، حتى لا تستأثر فئة بخيرات المجتمع بينما تعيش فئات أخرى على هامش الحرمان
والحاجة.
فالعدالة الاجتماعية ليست شعارا يرفع، وإنما
ميزان يحفظ الحقوق، ويصون الكرامات، ويمنع الاستغلال والاحتكار والفساد، ويقيم
العلاقة بين أفراد المجتمع على أساس من الرحمة والإنصاف والتكافل.
إصلاح الفكر مدخل إلى إصلاح المجتمع
ولا يستقيم بناء المجتمع ما لم يستقم الفكر
الذي يقوده، فالأفكار تصنع المواقف، والمفاهيم توجه السلوك، والانحراف في التصور
لا يلبث أن يتحول إلى اضطراب في الواقع.
وتشتد الحاجة إلى العلماء حين تنقسم المجتمعات، وتحتدم الخصومات، وتغلب لغة الصراع على لغة الحوار. ففي تلك اللحظات يصبح العالم مطالبا بأن يكون جسرا للتقارب لا وقودا للخصومة، وصوتا للحكمة لا طرفا في تأجيج الفتنة.
ومن هنا جعل الاتحاد الوسطية والاعتدال من
المعالم البارزة في خطابه، وسعى إلى مواجهة الغلو والتطرف من ناحية، والتفريط في
ثوابت الدين من ناحية أخرى داعيا إلى فهم يجمع بين النصوص ومقاصدها، ويراعي
الثوابت والمتغيرات، ويصل بين أصالة الشريعة وتحولات العصر. فالإصلاح الفكري ليس
ترفا معرفيا، وإنما هو أساس لإصلاح المجتمع، إذ لا يمكن بناء واقع رشيد بعقل
مضطرب، ولا إقامة مجتمع متوازن على مفاهيم يختلط فيها الإفراط بالتفريط.
السياسة في ميزان القيم والأخلاق
وفي المجال السياسي، انطلق الاتحاد من رؤية
لا تجعل السياسة عالما منفصلا عن الأخلاق، فالسلطة في التصور الإسلامي مسؤولية
وأمانة، وتدبير شؤون الناس ينبغي أن يقوم على العدل والشورى وحفظ الحقوق وصيانة
الكرامة الإنسانية. ومن هنا دعا الاتحاد إلى الحكم الرشيد، ومحاربة الظلم والفساد
والاستبداد، وإشراك الأمة في شؤونها العامة، واحترام إرادتها وحقوقها. وليس معنى
ذلك أن يتحول العالم إلى رجل حزب ينافس على مواقع السلطة، فرسالة العلماء أسمى من
أن تحصر في دائرة التنافس السياسي. وإنما تتمثل مسؤوليتهم في بيان ميزان الشرع، ونصح
أصحاب القرار، وتوعية الأمة، والدفاع عن الحقوق، والوقوف في وجه الظلم والانحراف.
فالعالم لا تكتمل رسالته إذا بارك كل واقع، كما أنه لا يؤدي واجبه إذا جعل من
الخصومة منهجا، وإنما رسالته أن يكون مع الحق حيث كان، وأن يجعل العدل ميزانه
والحكمة سبيله.
الشورى ومشاركة الأمة
وتحتل الشورى منزلة أصيلة في بناء الحياة
السياسية الرشيدة، إذ تحول دون استبداد الفرد بالرأي، وتجعل الأمة شريكة في شؤونها
وقضاياها الكبرى. قال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: 38]. ومن هذا الأصل
تنبع أهمية المشاركة المسؤولة في الشأن العام، وإفساح المجال للأمة لتسهم في صناعة
حاضرها ومستقبلها، ومساءلة من يتولى مسؤولية شؤونها. فالمجتمع الذي يشعر أفراده
بأن لهم نصيبا في صناعة القرار يكون أقدر على تحمل المسؤولية وحماية مؤسساته، أما
إقصاء الناس عن شؤونهم فيفتح أبواب الاستبداد، ويعمق الفجوة بين المجتمع ومؤسساته.
في مواجهة الاستبداد والفساد
الاستبداد والفساد من أشد الآفات فتكا بحياة
الأمم، فالاستبداد يخنق النصيحة، ويغلق أبواب المراجعة، والفساد يبدد الثروات،
ويهدر الحقوق، ويفسد الثقة بين الإنسان ومؤسسات مجتمعه. ولهذا كان التحذير من
الظلم والفساد حاضرا في خطاب الاتحاد انطلاقا من أن العدل أساس العمران، وأن الظلم
وإن طال بقاؤه يحمل في داخله أسباب الاضطراب والانهيار. وفي هذا السياق تبرز
مسؤولية العلماء في النصح وقول الحق، والدعوة إلى الإصلاح بالحكمة والوسائل
السلمية مع الحرص على حفظ المجتمعات من الفوضى والاقتتال، لأن الإصلاح الذي ينتهي
إلى هدم المجتمع يناقض الغاية التي جاء من أجلها، كما أن الاستقرار الذي يقوم على
الظلم لا يستطيع أن يصنع نهضة راسخة.
الحوار والمصالحة وصيانة وحدة المجتمع
وتشتد الحاجة إلى العلماء حين تنقسم
المجتمعات، وتحتدم الخصومات، وتغلب لغة الصراع على لغة الحوار. ففي تلك اللحظات
يصبح العالم مطالبا بأن يكون جسرا للتقارب لا وقودا للخصومة، وصوتا للحكمة لا طرفا
في تأجيج الفتنة.
ومن هنا تبرز أهمية نشر ثقافة الحوار
والمصالحة، وترسيخ أدب الاختلاف، وتقريب وجهات النظر، وصيانة وحدة المجتمعات من
الانقسام السياسي والمذهبي والعرقي.
فالأمة التي تستنزف طاقاتها في صراعاتها
الداخلية يصعب عليها أن تبني مستقبلها، والمصالحة الرشيدة لا تعني إهدار الحقوق أو
السكوت عن الظلم، وإنما تعني البحث عن طريق يجمع بين حفظ الحقوق وإطفاء نار
الخصومة.
العلماء جسور للنصيحة والإصلاح
ومن أجمل أدوار العلماء أن يكونوا جسورا بين
المجتمع وأصحاب القرار، يحملون إلى المسؤولين آلام الناس وحاجاتهم، ويحملون إلى
المجتمع كلمة الحكمة والنصيحة، ويسعون إلى تخفيف الأزمات قبل أن تتحول إلى صدامات.
فالعالم المستقل لا يكون لسانا يبرر أخطاء
السلطة، ولا خصما يجعل من معارضتها غاية في ذاتها، وإنما يقف حيث يقف الحق، يؤيد
العدل إذا تحقق، وينكر الظلم إذا وقع، ويجعل مصلحة الأمة فوق المصالح الحزبية
والشخصية.
ومن هنا تظهر أهمية المؤسسات العلمائية
المستقلة، فهي تمنح العلماء فضاء للعمل الجماعي، وتقوي حضور صوتهم في القضايا
الكبرى، وتعينهم على أداء رسالة النصح والإصلاح بعيدا عن الاستقطابات الضيقة.
إصلاح يجمع بين الأصالة وفقه العصر
وتزداد مسؤولية الإصلاح تعقيدا في عصر
تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية، وتطرح على
المجتمعات الإسلامية أسئلة جديدة في الحكم والاقتصاد والأسرة والتعليم والإعلام
والعلاقات الدولية. ولا يمكن مواجهة هذه التحولات بخطاب منقطع عن العصر، كما لا
يجوز التعامل معها بعيدا عن هداية الشريعة. وإنما الرشد في الجمع بين رسوخ
المرجعية وعمق الوعي بالواقع، فلا تنزيل صحيح للأحكام دون فقه للواقع، ولا قراءة
راشدة للواقع إذا انفصلت عن أصول الشريعة ومقاصدها. ومن هنا تتأكد أهمية الاجتهاد
الجماعي، وتكامل جهود العلماء والخبراء والمتخصصين، حتى تكون الرؤية الإصلاحية
أكثر إحاطة بالنوازل، وأقدر على الجمع بين أصالة المرجعية ومتطلبات العصر.
ينبع دور
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
في الإصلاح الاجتماعي والسياسي من رؤية تجعل العلماء شركاء في بناء الأمة، وحراسا
لقيمها، وحملة لهمومها ساعين إلى ترسيخ العدل والشورى والوسطية والتكافل، ومواجهة
الظلم والفساد والغلو. وتظل رسالة الاتحاد أن يسهم العلماء بعلمهم وبصيرتهم في
إصلاح المجتمع، وصون كرامة الإنسان ووحدة الأمة، والإسهام في بناء مستقبل يقوم على
العدل والحكمة والإصلاح.
المراجع:
1 ـ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد
الشريعة الإسلامية.
2 ـ الدكتور يوسف القرضاوي، مشكلة الفقر
وكيف عالجها الإسلام.
3 ـ الشيخ علال الفاسي، مقاصد الشريعة
الإسلامية ومكارمها.
4 ـ الدكتور محمد عمارة، معالم المنهج
الإسلامي.
5 ـ الموقع الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.