منذ بداية
تكون التجمعات البشرية، سعى أفراد التجمع لإيجاد عناصر مشتركة يعبرون من خلالها عن
مشاعرهم وأفكارهم وطموحاتهم، سواء لبعضهم البعض أو للآخرين، ودافعوا عنها لدرجة أن
أصبحت ذات تأثير كبير عليهم، وهذا ما يمكن تسميته بالهوية الوطنية.
والهوية
الوطنية تتكون من رموز وعادات وتقاليد وأفكار وتعيش في فضاء ديناميكي، تؤثر وتتأثر
بما يحدث من مستجدات في الحياة، فتخضع للتغيرات من حذف وإضافة وتعديل بما يناسب
حاجات
المجتمع، وقد تكون هذه التغيرات نابعة من داخل المجتمع أو مفروضة عليه من
الخارج.
ولقد
ساهمت
الهوية الوطنية للشعوب ولا تزال في الحفاظ على النسيج الداخلي للمجتمع لما
تتمتع به من هيبة، كما كانت ولا تزال محط أنظار بعض الدول الكبرى. ولا غرابة أن
تكون من ضمن ما تسعى له الدول الغازية لفعله في الدول التي تتعرض للغزو، إلى جانب
السيطرة على مواردها المادية، إعادة تشكيل الهوية الوطنية أو التأثير فيها بما
يخدم مصالحها.
تنازل دول ما عن هويتها الوطنية وتماشيها مع العولمة، قد يفقدها هيبتها، ويمنعها من أن توجد لها موقعا متميزاً في العلاقات الدولية
ومن مظاهر
إعادة تشكيل الهوية الوطنية بما فيها من طقوس ورموز وعادات وتقاليد وأفكار،
التشكيك في جدواها، والتقليل من شأنها واعتبارها عائقا أمام تطور المجتمع، وتشويه
الشخصيات الوطنية الفاعلة لخدمة المجتمع بشكل حقيقي، وإفساح المجال لإعلاء
الشخصيات التافهة، وهدم المؤسسات المحافظة على الهوية الوطنية مثل المتاحف
والمراكز الثقافية، وتقييد حرية نشر المطبوعات الهادفة، وفتح المجال للأعمال
المرئية والمكتوبة والمسموعة المسمومة.
لا يقتصر
دور الهوية الوطنية على تشكيل الوعي الذاتي الداخلي للمجتمع والمحافظة عليه، بل
يسهم في رفع شأن الدولة بين الأمم، فكلما كانت الهوية الوطنية فعالة ونشطة ولها
حضور اجتماعي قوي داخليا، أمكنها ذلك من تعزيز حضورها خارج المجتمع، ولعب دور مهم
في نسج علاقات دولية مع الدول الأخرى. فمثلاً حين تعلي الهوية الوطنية من قيمة
العلم والعمل، فذلك معناه أنها تدفع المواطنين للعلم والعمل، وهذا يرفع نسبة
المتعلمين ومستوى الإنتاج كمّا ونوعاً مما يحقق فائضاً في الإنتاج، والذي بدوره
سيتم تصديره للخارج، ورسم صورة عند الآخرين بأن هذا الشعب منتج انطلاقاً من أن
هويته الوطنية تشجع العلم والعمل. ولعل الصين واليابان وكوريا الجنوبية نماذج
بارزة لدول استطاعت المحافظة على هويتها والانفتاح على العالم.
إن المتأمل
في تفاصيل الهوية الوطنية لكثير من الشعوب حالياً، يلحظ أن منها قد تعرض للتغيير
السلبي، نظراً لما يمكن تسميته بالعولمة، حيث تسعى دول كبرى من خلالها إلى بسط
نفوذ طقوسها وثقافتها على الآخرين وإقناعهم وايهامهم بأن تلك الطقوس صارت ذات طابع
عالمي، وأن دخول
تنازل دول ما عن هويتها الوطنية وتماشيها مع العولمة، قد يفقدها هيبتها، ويمنعها من أن توجد لها موقعا متميزاً في العلاقات الدولية
العالمية يتطلب الإيمان بها وتطبيقها في حياة الشعوب. وإزاء ذلك
اختلفت ردود فعل الدول فمنها من رفض، ومنها من قبل دون شروط، ومنها من تمكن من
المواءمة والاستفادة منها حسب حاجته، مع التأكيد على أن
العولمة ليست شرا على
إطلاقها، بل هي فكرة بشرية لها ما لها وعليها ما عليها.
إن تنازل
دول ما عن هويتها الوطنية وتماشيها مع العولمة، قد يفقدها هيبتها، ويمنعها من أن
توجد لها موقعا متميزاً في العلاقات الدولية، وبدل أن تكون صاحبة قول وفعل في
صياغة العلاقات مع الآخرين، أصبحت علاقاتها مع الآخرين مرتبطة بهم ويقررون عنها.
إن ما يجب
التأكيد عليه هو أن المحافظة على الهوية الوطنية لا يعني رفض الانفتاح، وإنما تمثل
الأساس الذي يمكّن الدولة من الانفتاح بثقة، والتفاعل مع العالم دون أن تفقد
شخصيتها أو استقلال قرارها.
والهوية هي
البوصلة التي يجب أن يحرص المواطنون على أن تشير دوماً إلى خدمة الشعب من الداخل
حتى يسهل تحقيق مكاسب من الخارج، فالناس لا يحترمون من باع هويته مهما كانت الأثمان،
وأول هذه الإنجازات هي أن يصنع الشعب له مكانة مميزة بين الأمم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.