جدلية التبعية واضمحلال الشخصية

محمد صالح البدراني
"جتمعات المفككة تصبح أكثر قابلية للارتهان، لأن الإنسان الخائف يبحث دائما عن قوة تحميه حتى لو كانت سببا في خوفه"- Pixabay/Geralt
"جتمعات المفككة تصبح أكثر قابلية للارتهان، لأن الإنسان الخائف يبحث دائما عن قوة تحميه حتى لو كانت سببا في خوفه"- Pixabay/Geralt
شارك الخبر
التبعية تبعيات:

ليست التبعية السياسية مجرد علاقة قوة بين غالب ومغلوب، بل حالة نفسية وفلسفية أعمق بكثير، إنها خوف مزمن من الحرية، فالحرية ليست شعارا سهلا كما تُقدَّم في الخطب، بل عبء ثقيل؛ لأنها تعني تحمل نتائج القرار، والوقوف عاريا أمام احتمالات الخطأ والفشل.

إن أي إنسان أو دولة أو أمة بلا مشروع ورؤية وتخطيط علمي، هي كيان ومشروع استغلال واستخدام واستنزاف وابتزاز، يعيش التفاهة ووهم الكرامة التي أصلا لا تعريف لها إلا عبر سرديات الماضي.

فيقال له أنت لست عالة ولا فاشلا ولا متخلفا، أنت أجدادك أولئك الذين فتحوا العالم القديم ودلوا الناس على العلوم والمدنية، أنت ابن الفراعنة العظام الذين أعلوا التماثيل وشيدوا الأهرام، أنت ابن سومر واكد وآشور، والحقيقة أنه بيع الوهم وشراؤه بالتفاهة والكسل، وجهل حتى بمن يفتخر بهم لا يدري ما صنعوا من سلبيات أو إيجابيات، ومعظمهم أمم بائدة بلا امتداد ولم يبق منها إلا ما نرى.

فأين الأمة اليوم وهذا وضعها؛ لا مشروع ولا رؤية ولا إعمار وإنما فساد وقتل وسجون وتبعية ودمار؟ هي اليوم في أفضل الأحوال لوحة يُرسم عليها أو فرشاة يخط بها مشاريع الآخرين.

وعندما تفضّل بعض المجتمعات والدول، في لحظات القلق التاريخي، الاحتماء بظل قوة أكبر، حتى لو كان ذلك على حساب كرامتها ومصالحها البعيدة، فهي تقر بالاستعباد الذي تراه رأي العين وتتحمل نزوات السيد الحامي المهينة، إنها صفقة غير معلنة: نتنازل عن جزء من إرادتنا (والإرادة لا تتجزأ) مقابل وعد بالأمان، لكن المشكلة أن الأمان المستعار يشبه المال المستدان بالربا؛ يمنح راحة مؤقتة، ثم يطالب بثمن مضاعف، وقد لا يمنح فعلا، وتصبح البلاد حديقة خلفية لمغامر يحتمى به.

التابع لا يولد تابعا بالضرورة، بل يتحول إلى ذلك تدريجيا حين يعتاد النظر إلى الخارج باعتباره مصدر الخلاص أوان التهديد من الداخل، عندها يفقد ثقته بذاته، ثم يفقد ثقته بمجتمعه، ثم يبدأ أخيرا بتبرير عجزه بوصفه "واقعية سياسية". وهكذا تتحول التبعية من وضع مؤقت إلى عقلية كاملة.

تداعيات التبعية:

أخطر ما تفعله الهيمنة ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على المخيال والفكر، والكفر بالكينونة والشخصية، فيتغير التفكير والنفسية لتمحى الهوية، وحين تقتنع أمة ما أن مصيرها يُصنع دائما في عواصم الآخرين، فإنها تتوقف عن إنتاج المستقبل، وتتحول إلى مجرد متفرج على التاريخ، وعلى مصيرها هي هنا يبدأ الانهيار الحقيقي؛ عندما يصبح الانتظار لما سيحل بها وكأنه قدرا مقدورا بديلا عن الفعل.

ولعل أكثر ما يكشف هشاشة التبعية أن القوة التي يُعوَّل عليها كثيرا ما تتصرف وفق مصالحها الخاصة لا وفق مصالح أتباعها، فالدول لا تمتلك صداقات أبدية، بل حسابات متغيرة، وعندما تتغير الكلفة أو الأولويات، يكتشف التابع أنه كان مجرد أداة ضمن لعبة أكبر منه.

معضلة البيئة الداخلية:

غير أن المشكلة ليست فقط في الخارج، بل في الداخل أيضا، فالتبعية تحتاج دائما إلى بيئة مناسبة كي تستمر؛ انقسامات داخلية، خوف متبادل، فساد، ضعف ثقة، وهروب من المسؤولية. المجتمعات المفككة تصبح أكثر قابلية للارتهان، لأن الإنسان الخائف يبحث دائما عن قوة تحميه حتى لو كانت سببا في خوفه.

ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول الطائفية والقبلية والولاءات الضيقة إلى بدائل عن الرابطة العليا، فعندما تفشل الدولة في بناء معنى جامع لأمة، يعود الناس إلى الروابط الهابطة بحثا عن الأمان النفسي، ولا تستغرب أن تجد مثقفا أو عالما يلجأ إلى إحدى هذه الروابط طلبا للحماية، لكن هذه العودة لا تنتج استقرارا، بل مزيدا من التفتت؛ لأن الجماعات الصغيرة، مهما بدت قوية، لا تستطيع بناء أفق حضاري واسع، ولا تطور مدني وإنما عودة إلى ما قبل المدنيات بثياب وأزياء ووظائف عصرية.

ما يحصل؟

النتيجة النهائية لهذا المسار هي مجتمعات تعيش حالة إنهاك دائم: موارد كثيرة، وطاقة بشرية ضخمة، لكن دون مشروع واضح، يصبح الشباب ممزقين بين الغضب والهجرة، بين الرغبة في التغيير وفقدان الإيمان بإمكانه، ويظهر شعور خفي بأن التاريخ يتحرك في مكان آخر، وأن دورهم يقتصر على التلقي لا المشاركة. والتفاهة في المعاني وكل حديث عن التطور والتقدم والفكر محض وهْم، فهذه أمم ميتة، وفي التاريخ لا تُحترم الأمم التي تتهرب من مسؤوليتها، المدنيات لا تُمنح كمكافأة، بل تُبنى عبر القدرة على مواجهة الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون؛ لأننا سنواجه الواقع حتما كما هو، أو بمزايدات الكلام كما نفعل دوما في صفحات التواصل التي منح التطور يمينها لنا لنصدق الوهم، بيد أن المواجهة تبدأ أولا بتحرير الوعي من عقدة الضحية وأوهام كوهم المخلّص الخارجي.

إن المجتمع الذي يريد استعادة نفسه يحتاج إلى شجاعة التفكير المستقل، يحتاج إلى تعليم ينتج عقلا نقديا لا عقلا خائفا، وإلى ثقافة ترى في العمل والمعرفة مصدر السيادة الحقيقي، لا في الخطابات العالية أو الولاءات المؤقتة.

الاستقلال الحقيقي لا يعني العداء للعالم، بل القدرة على التعامل معه من موقع الندّية لا التوسل، فالأمم القوية ليست تلك التي لا تخطئ، بل التي تملك القدرة على مراجعة نفسها دون انهيار نفسي أو أخلاقي.

الأساطيرُ لا تنقذ الشعوبَ، بل البشر الواقعيون الذين يزرعون الأرض، ويبنون المؤسسات، ويتحملون مسؤولية أخطائهم، أما انتظار المنقذ، فليس سوى السير الحثيث في طريق السقوط.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)