هل أنت من النخبة؟

مصطفى أبو السعود
"كل من يسكن الصفوف الأولى في مجاله العملي والمهني، بشرط أن يكون له تأثير على الآخرين"- جيتي
"كل من يسكن الصفوف الأولى في مجاله العملي والمهني، بشرط أن يكون له تأثير على الآخرين"- جيتي
شارك الخبر
ذهب شابٌ لحضور ندوةٍ سياسيةٍ، فسمع مصطلحاتٍ كثيرة، أبرزها "النخبة"، فلما عاد أخبر والده بأنه صار من النخبة، سأله الوالد من قال ذلك؟ أجابه إن المتحدثين في الندوة قالوا إنكم أنتم نخبة المجتمع، سأله الوالد شو معنى نخبة يا أبو الشباب؟ رد الابن: مش عارف يا حج، ضحك الأب وقال ماشي يا ابن النخبة.

"مش عارف" التي قالها الشاب هي إجابة تعبر عن رأي كثيرين لا يعرفون المعنى الدقيق للنخبة، وفي أحسن الأحوال يُعرّفونها بالمعنى الضيق، فتراهم يتداولونها من باب الإتيكيت وايهام الآخرين بأنهم من المثقفين، وربما ظن كثيرون أن مصطلح النخبة ينطبق على من يرتدي بدلة وربطة عنق وحذاء نظيفا، وهذا ربما يمكن إدراجه ضمن النخبة الشكلية.

إن حصر النخبة في مجالاتٍ معينة جعل النوابغ في المجالات غير السياسية والاقتصادية يشعرون بالدونية، ويتسلقون للنخبة الحاكمة لتيسير أمورهم، بغض النظر عن مدى المكانة الفكرية والعلمية التي يتمتع بها أصحاب السلطة السياسية والاقتصادية.

إن حصر النخبة في مجالاتٍ معينة جعل النوابغ في المجالات غير السياسية والاقتصادية يشعرون بالدونية، ويتسلقون للنخبة الحاكمة لتيسير أمورهم، بغض النظر عن مدى المكانة الفكرية والعلمية التي يتمتع بها أصحاب السلطة السياسية والاقتصادية

لقد تطرق الإسلام لجوهر مصطلح النخبة فلم يقصره على فئة معينة، بل المجال مفتوح للجميع إن أراد أن يكون من أهل النخبة، وفق الآية "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، فلم يرتبط ذلك بمواصفات شخصية جسمية أو شكلية أو مالية أو علمية، بل يمكن للإنسان دخول حلبة النخبة وفق التصور الإسلامي الأخلاقي من بوابة التقوى، كما قال الرسول الكريم عليه الصلة والسلام قولا يصلح ليكون تعبيرا عن النخبة، حيث قال: "تجدون الناس كإبل مئة، بالكاد تجد منهم راحلة"، والراحلة في معناها الواسع تصلح أن تكون "نخبة".

والشعر العربي أيضا قال كلمته، فلم يخل من الحديث عما يمكن فهمه أنه قد يصلح ليكون ضمن النخبة، فالمتنبي قد أدلى بدلوه فقال: على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وتأتي على قدر الكرام المكارم، وله أيضا: إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام. وهذا يدل على أن التميز لا يُمنح مجانا، بل يُنتزع بالاجتهاد والمثابرة.

صحيح أن التقوى بالمفهوم الإسلامي لا تعني النخبة بالمفهوم السياسي المعروف، فهو مفهوم ذو دلالية أخلاقية لا يلتزم الجميع، فربما شخص لا علاقة له بالإسلام لكنه يتمتع بحضور واسع ومؤثر بين الناس، إلا أن الإسلام أكد على ضرورة التقوى في كل شيء، وأنها المعيار الذي يرفع قدر الإنسان أو يضعه.

وقد جاء في قاموس أوكسفورد أن النخبة هي "أقوى مجموعة من الناس في المجتمع ولها مكانتها المتميزة"، ويرى المفكر الإيطالي فليفريدو باريتو النخبة بأنها "الأشخاص الذين يحققون أعلى درجات النجاح أو الكفاية في مجالاتهم"، وقسمها إلى نخبةٍ حاكمةٍ ونخبةٍ غير حاكمة، بينما عند المفكر الاسلامي عبد الوهاب المسيري فإن "النخبة الحقيقية ليست مجرد أصحاب سلطة أو مال، وإنما الفئة القادرة على انتاج الأفكار وصناعة الهوية الحضارية والأخلاقية للمجتمع وتوجيه الثقافة". وقد ميز بين نخبة وظيفية مرتبطة بالنظام وتخدمه، ونخبة حضارية رسالية تحمل مشروعا فكريا وأخلاقيا يسعى لنهضة المجتمع والحفاظ على استقلاله الذاتي". وهنا أرى التأكيد على أنه ليس شرطا أن يكون تأثير النخبة إيجابيا، بل قد يكون إيجابيا أو سلبيا.

شخصيا، أضم صوتي للرأي القائل بأن النخبة ليست مقتصرة على أهل السياسة والاقتصاد، بل تمتد ليشمل كل من يسكن الصفوف الأولى في مجاله العملي والمهني، بشرط أن يكون له تأثير على الآخرين، فربما تصلح تسمية المعلم والمقاتل والطالب والطبيب والمهندس المؤثر والمحفز والملهم؛ من أهل النخبة إن أبدعوا في أعمالهم، وهذا ينقلنا للحديث عن أنواع النخب ما بين فكرية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، كما في المقاومة الفلسطينية، وهنا الأنواع تسمح للجميع بأن يكون نخبويا في فئته التي ينتمي إليها، ليس فقط بالانتماء الشكلي العددي، بل بالتأثير في الآخرين.

إن الحديث عن النخبة لا يكفيه مقال بهذا الحجم، بل يحتاج لوقفات طويلة، فالنخبة فكرة غنية ودسمة وبها تفريعات كثيرة.

والآن وبعدما كل ما سبق، هل تجد نفسك من النخبة؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل