منذ فجر
التاريخ والتنافس بين البشر قائمٌ على قدمٍ وساق للسيطرة والزعامة وفرض الرأي على
الآخرين والاستحواذ على ممتلكاتهم وحصر طموحاتهم في الحدود الدنيا.
ومن أوجه
التنافس هو ما كان بين القبائل، فكل قبيلة كانت تسعى لحسم الأمر مع القبائل الأخرى
حول الزعامة والسيطرة داخل المجتمع الواحد، ثم مع تطور الفكر الإنساني ضعف دور
القبيلة لصالح مكونات اجتماعية جديدة مثل الحزب.
والحزب
كما عرّفه ماكس فيبر هو "تجمع يرتكز على انخراط حر (شكليا) يهدف إلى منح
قادته سلطة داخل الجماعة ولمناضليه النشطاء فرصا مثالية أو واقعية لتحقيق أهداف
موضوعية والحصول على امتيازات شخصية، أو تحقيق الاثنين معا". كما يمكن تعريفه
بأنه مجموعة من الناس اجتمعوا على فكرة واتفقوا على أهدافٍ معينة لتحقيقها،
مستندين إلى وسائل معينة لينافسوا أحزابا أخرى في تصدر المشهد داخل المجتمع في
كافة المجالات خاصة السياسية.
لو تجولنا
في الجغرافية
العربية سنجد أن
الأحزاب العربية يزيد عددها عن حاجة المجتمع مقارنة
بعدد سكانها، ولك أن تتخيل أن دولة مثل مصر يبلغ عدد الأحزاب فيها ما بين 80-90
حزبا، وفي الأردن ما بين 35 و40 حزبا، وفي العراق أكثر من 340 حزبا، وفي لبنان ما
بين 50 و60 حزبا، وسوريا ما بين 15 و20 حزب، وفي فلسطين يبلغ عدد الأحزاب ما بين
15 و20 حزبا. ولو تجولنا في الغرب، سنجد في أمريكا أكثر من 50 حزب، وفي ألمانيا
أكثر من 40 حزبا، وفرنسا 100 حزب، وفي إسبانيا 50 حزبا وبريطانيا ما بين 20 و30
حزبا، وهولندا 35 حزبا، والسويد 15 و20 حزبا.
إزاء تعدد
الأحزاب داخل المجتمع، ثمة من ينظر لها على أنها عبء، وآخرون ينظرون لها على أنها
ضرورة، ترى أي الفريقين أقرب للصواب؟
الإجابة
المنطقية عن هذا السؤال لا يجب أن تُختزل في أنها عبء أو ضرورة، بل الحكم يقتضي
البحث في ماهية الحزب وأهدافه ومبادئه ومدى اتساق أفعاله مع أقواله ومدى إيجابية
البرامج التي يطرحها وانعكاسها على المجتمع إيجابيا، فإن كان الحزب السياسي يحمل
أهدافا ومبادئ تناسب طبيعة المجتمع ويقدم الخدمات المناسبة دون تمييز، فيمكن القول
بأن وجوده ضرورة، وإن كان العكس، فوجوده أقرب للعبء.
لو سألنا
المواطن العربي من المحيط إلى الخليج عن رأيه في الأحزاب السياسية، ربما يتنهد
تنهيدة قوية مؤلمة قبل أن يجيب، وهذا دليل على ارتفاع مستوى الشك والسخط في نفسه
تجاهها، فهو كان يرى فيها حبل نجاة من الواقع الصعب المُعاش، وربما بالغ في
تقديرها خاصة إن كان الحزب جديد النشأة، لكن مع مرور الوقت وعدم تنفيذ الحزب لما
وعد به وما تأسس من أجله، يبدأ المواطن يعزف عن الحزب بحثا عن طوق نجاة آخر، وهذا
يجعل الأحزاب عرضة لفقدان للشرعية الجماهيرية. أما لو وجهنا ذات السؤال لمواطن
غربي فقد يجد ما يقوله إيجابا من ناحية عقلانية لا عاطفية؛ لأن التنافس الحزبي
متاح للجميع، والمواطن يشعر بأثر عمل الأحزاب السياسية وتبادل السلطة بشكلٍ سليم،
ومن حيث انعكاس الأداء السياسي على الحياة المعيشية للمواطن.
قد يكون
المواطن العربي مُحقا في نظرته للحزب؛ لأن هذه النظرة نابعة مما يراه ويعيشه
المواطن وهو خارج الحزب، لكن ثمة رأي آخر يرى أن الحكم الصادق يتطلب تقنين العاطفة
وعدم النظر للحزب على أنه المنقذ والمخلّص السريع من صعوباتٍ جذورها ضاربة في عمق
المجتمع، كما يتطلب التأمل في الحزب بأشخاصه ومبادئه والظروف المجتمعية والنظام
الحاكم، فإن توفر للحزب ما يعينه على تحقيق برنامجه، لكنه لم يحققه، فهذا يرجع
لخلل بنيوي في المبادئ والأهداف والزيغ عن النهج المرسوم، خاصة إن كان من يقود
الحزب الآن ليس هو الجيل الذي أسسه، وقد يكون ذلك مرتبطا بعوامل خارجية نتيجة ضغوط
عليها بأن تبقى تسير في محلها حتى لا تصطدم مع الحزب الحاكم.
يبقى
القول إن عدد الأحزاب ليس عائقا أمام تطور المجتمع بقدر ما يكون برامج الأحزاب
ورغبة الحزب الحاكم في إتاحة الفرصة لجميع الأحزاب بممارسة نشاطها السياسي وفق
القانون الذي يخدم الجميع، وبما ينعكس على رفاهية المواطن، فالأحزاب في العالم
العربي تعتبر المواطن وسيلة للفوز وسلم الصعود للسلطة، بينما في الغرب تبدو
العلاقة بين الأحزاب والمواطن في كثير من الديمقراطيات الغربية أكثر مؤسسية
واستقرارا مقارنة بعدد من الدول العربية.
من يعش
يرو البقية..
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.