تعد
بنغلاديش من البلاد ذات الأغلبية المسلمة، حيث لا يقف أثر الإسلام عند حدود
الشعائر التعبدية والمظاهر الدينية، بل يتغلغل في نسيج المجتمع، ويطبع الثقافة،
ويوجه التعليم، ويلامس الاقتصاد، ويؤثر في الرؤية الفكرية والسياسية للأمة. وقد
أصبح الإسلام في وجدان الشعب البنغلاديشي روحا نابضة، ومصدرا أصيلا للقيم، ومنارة
تهدي السلوك الفردي والجماعي. ومن هنا، فإن الحديث عن
السياسة الإسلامية في
بنغلاديش لا يراد به مجرد استعراض أنشطة
الأحزاب أو قراءة مواقف الجماعات، وإنما
هو حديث عن تيار عميق الجذور، متصل بتاريخ الأمة، نابض بإيمان الشعب، ومعبر عن
تطلعاته نحو دولة تشاد على أسس العدل، وتصان فيها الكرامة، وترعى فيها القيم،
ويصاغ حاضرها ومستقبلها بروح الرسالة ومقاصدها السامية.
الخلفية
التاريخية للسياسة الإسلامية:
أشرقت شمس
الإسلام على أرض البنغال عبر قوافل الدعاة، وصفوف العلماء، ومسالك الصالحين من أهل
التصوف، الذين حملوا إلى الناس رسالة الرحمة، وغرسوا في القلوب معاني العدل، وبثوا
في المجتمع روح المساواة والإخاء. فلامست دعوتهم أفئدة العامة، ووجدت في النفوس
قبولا واسعا حتى غدا الإسلام منذ فجره في تلك الديار قوة إصلاح وبناء، لا مجرد
عنوان ديني عابر.
ثم تعاقبت
العصور الإسلامية، فتشكلت في ميادين الإدارة، ومؤسسات التعليم، ونظم الحياة
الاجتماعية ملامح حضارية استمدت روحها من القيم الإسلامية حتى أصبحت تلك القيم
جزءا أصيلا من هوية المجتمع البنغالي ووعيه الجمعي. وعلى الرغم مما أصاب المسلمين
من تراجع سياسي في زمن الاستعمار البريطاني، فإن جذوة الوعي الإسلامي لم تخب، بل
بقيت متقدة في الضمائر، نابضة في الفكر، متوارثة عبر الأجيال، تستمد قوتها من
الإيمان وعمق الانتماء. فلما وقع تقسيم الهند سنة 1947، وجد مسلمو شرق البنغال
أنفسهم جزءا من كيان سياسي جديد مستندين إلى شخصيتهم الدينية والثقافية. غير أن
عهد باكستان لم يخل من صور التهميش السياسي والتمييز، فظل أهل الشرق يعانون اختلال
التوازن وغياب الإنصاف. ثم جاءت سنة حرب تحرير بنغلاديش، فانبثقت بنغلاديش دولة
مستقلة، وبدأت مرحلة جديدة حفلت بالجدل الفكري والسياسي حول موقع الدين، ومعنى
القومية، وحدود الديمقراطية. وفي خضم تلك التحولات الكبرى، برزت السياسة الإسلامية
تيارا أصيلا يسعى إلى وصل الحاضر بجذور الأمة، وصياغة المستقبل في ضوء القيم
والمبادئ.
الفلسفة
الأساسية للسياسة الإسلامية:
تقوم
الفلسفة الجوهرية للسياسة الإسلامية في بنغلاديش على رعاية الإنسان في شؤون دينه
ودنياه، وتحقيق الخير العام، وإقامة ميزان العدل، وتطهير الحكم من آفات الفساد،
وبناء مجتمع تسوده المساواة، وتنهض فيه دولة تستمد قوتها من القيم والأخلاق.
والسياسة الإسلامية لا تحصر الدين في دائرة الشعائر الفردية والعبادات الخاصة، بل
تنظر إليه باعتباره منهجا شاملا للحياة، يهدي مسار المجتمع، وينظم شؤون الدولة،
ويقيم العمران الإنساني على دعائم المسؤولية، والمحاسبة، وصيانة الكرامة، وترسيخ
الفضائل. وفي الرؤية السياسية الإسلامية ليست السلطة غاية تتنافس عليها النفوس،
ولا مغنما تتزاحم عليه الأهواء، وإنما هي أمانة ثقيلة ومسؤولية عظيمة يحملها من
نهض بحقها، ويؤديها لمن استرعاه الله أمرهم. ومن ثم يُنظر إلى الحاكم على أنه خادم
للأمة، قائم على مصالحها، لا متسلط على إرادتها ولا متجبر على حقوقها. ولهذا كان
مدار السياسة الإسلامية على الصدق في القول، والكفاءة في الأداء، والنزاهة في
السيرة، والعدل في الحكم، والإخلاص في خدمة الناس حتى تكون السلطة وسيلة للإصلاح،
لا بابا للاستعلاء، وجسرا للنهضة، لا أداة للهيمنة.
الأحزاب
السياسية الإسلامية في بنغلاديش:
شهدت
بنغلاديش منذ فجر استقلالها، بروز عدد من الأحزاب السياسية الإسلامية التي كان لها
حضور ظاهر وأثر ملموس في مسيرتها الوطنية وتقلبات حياتها العامة. ومن أبرز هذه
القوى الجماعة الإسلامية البنغلاديشية، والحركة الإسلامية البنغلاديشية، ومجلس
الخلافة ومجلس الخلافة في بنغلاديش، وجمعية علماء الإسلام في بنغلاديش، وحركة
الخلافة في بنغلاديش، وغيرها من التكوينات التي استلهمت مرجعيتها من الإسلام
ومقاصده. وعلى اختلاف طرائقها، وتباين وسائلها، وتنوع اجتهاداتها السياسية، فإنها
تلتقي عند غاية جامعة، وهي إقامة مجتمع تسوده القيم الإسلامية، وبناء دولة ينهض
بنيانها على العدل والأخلاق وصيانة الحقوق. فمنها من ولج ميدان العمل الدستوري،
مشاركا في المؤسسات الرسمية وآليات التداول السياسي، ومنها من آثر التأثير
المجتمعي وتشكيل الرأي العام، ومنها من جعل التربية والتعليم والدعوة لب مشروعه
ومحور رسالته.
مكانة
السياسة الإسلامية في وجدان الشعب:
يتميز
الشعب البنغلاديشي بتدين راسخ، وصلة وثيقة بروح الإسلام وتعاليمه، ولذلك فهو يتطلع
دائما إلى قيادة نزيهة، عادلة، قريبة من هموم الناس، منحازة إلى مصالحهم، بعيدة عن
الفساد والاستئثار. ومن هذا المنطلق، وجدت السياسة الإسلامية لها موضعا راسخا في
الضمير الشعبي، واستطاعت في محطات عديدة أن تؤثر في المزاج العام، وأن تحرك وجدان
الجماهير، وأن تقدم نفسها بوصفها خيارا أخلاقيا وسياسيا في آن واحد. ويزداد هذا
الحضور وضوحا في أوساط الشباب حيث تنمو الرغبة في قيادة ذات رسالة، والبحث عن
بدائل تتجاوز الحسابات الضيقة، والانجذاب إلى ممارسة سياسية تستند إلى المبادئ
والقيم، لا إلى المنافع العابرة والتحالفات المؤقتة. ومن القرى الوادعة إلى المدن
الصاخبة انتشرت الفكرة الإسلامية عبر المساجد، والمدارس الدينية، والمؤسسات
الاجتماعية، والمبادرات الخيرية حتى غدت السياسة الإسلامية في بنغلاديش أكثر من
مجرد تنافس انتخابي، بل صارت ظاهرة اجتماعية متجذرة، وتيارا حيا يسهم في تشكيل
الوعي العام وصناعة المستقبل.
التحديات
والعقبات:
تواجه
السياسة الإسلامية في بنغلاديش طيفا واسعا من التحديات والعقبات، تتداخل فيه
العوامل الداخلية والخارجية، وتتشابك فيه الاعتبارات السياسية والإدارية
والإعلامية. فمن الاستقطاب الحاد الذي يمزق المشهد العام، إلى القيود الإدارية
التي تعسر الحركة، ومن الحملات الدعائية السلبية التي تسعى إلى التشويه إلى
الانقسامات الداخلية التي تضعف الصف، تظل مسيرة هذا التيار محفوفة بالصعاب ومحاطة
بالموانع. وكثيرا ما تعرض السياسة الإسلامية في صور مبتسرة، وكأنها مجرد سعي إلى
السلطة أو تنافس على المواقع، بينما حقيقتها أعمق من ذلك وأشمل، إذ تحمل في جوهرها
مشروعا أخلاقيا إصلاحيا يروم بناء الإنسان، وتقويم المجتمع، وإقامة الحياة العامة
على دعائم العدل والكرامة والمسؤولية. ومن أعظم ما يحد من فاعلية هذا التيار ضعف
التنسيق بين مكوناته، وقلة الوفاق بين مدارسه مع أن ما يجمعها من المقاصد الكبرى
أوسع مما يفرقها من الجزئيات. ولو سمت هذه القوى فوق الحسابات الضيقة، وأقامت جسور
التعاون على قاعدة المصلحة الوطنية العليا لأصبح أثرها أرسخ، وصوتها أبلغ، وحضورها
أوسع.
الآفاق
المستقبلية:
ومع هذه
التحديات، فإن أفق السياسة الإسلامية في بنغلاديش يبدو رحبا واعدا، ذلك أن
الجماهير قد أضناها الفساد، وأرهقها سوء التدبير، وملت من سياسات جردت العمل العام
من القيم والمعاني. ولهذا أخذت تتطلع إلى بديل يزاوج بين الكفاءة والنزاهة، ويجمع
بين القوة الأخلاقية وحسن الإدارة. فإن استطاعت القوى الإسلامية أن تدرك تحولات
العصر، وأن تقدم قيادات راشدة، ورؤى واضحة للحكم الصالح، وبرامج اقتصادية واقعية،
ومبادرات جادة لتحقيق العدالة الاجتماعية، فإنها ستكون أقدر على ترسيخ موضعها في
الحياة الوطنية، وأجدر بثقة الناس وتأييدهم. ويزداد هذا الأمل إشراقا إذا أحسنت
مخاطبة الشباب بلغتهم، واستثمرت أدوات التقنية الحديثة، ووسعت مجالات مشاركة
المرأة، وصاغت سياسات عملية في التعليم، والعمل، والتنمية، إذ عندئذ تنفتح أمامها
آفاق جديدة، وتتسع لها دوائر التأثير والبناء.
الخاتمة:
ليست
السياسة الإسلامية في بنغلاديش نزوة عابرة في تاريخ السياسة، ولا ظاهرة مؤقتة
تمليها الظروف، بل هي امتداد حي لعقيدة الشعب، وصدى لتاريخه، وتجسيد لتطلعاته
الأخلاقية والحضارية. وقد تتبدل الوسائل، وتتغير الأساليب بتغير الأزمنة وتقلب
الأحوال غير أن الأسس التي تقوم عليها من عدل، ونزاهة، وخدمة للناس، وخشية لله
تبقى قيما راسخة لا يطالها البلى ولا تنال منها التحولات. وكلما ازدادت القوى
الإسلامية حكمة في الرؤية، ووحدة في الصف، وإخلاصا في خدمة المجتمع، تعاظم دورها
في رسم مستقبل الأمة، وغدت أقدر على الإسهام في نهضة بنغلاديش وصناعة غدها
المنشود.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.