"رسالة عيد الفطر إلى الأمة والعالم" للشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي

أحمد شوقي عفيفي
"عيد فريد في طبيعته، عيد لا تمنح فيه الأمة عطلة من المسؤولية، ولا تعفى فيه من واجباتها، بل يزداد فيه معنى الشكر والعمل الصالح"- وفا
"عيد فريد في طبيعته، عيد لا تمنح فيه الأمة عطلة من المسؤولية، ولا تعفى فيه من واجباتها، بل يزداد فيه معنى الشكر والعمل الصالح"- وفا
شارك الخبر
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وذرياته وأزواجه وبارك وسلم تسليما كثيرا كثيرا.. أما بعد، فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون. وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون".

يا إخوتي الكرام، وأصدقائي الأعزاء، وأحبتي، وكبارنا الأجلاء، لقد تلوت على مسامعكم آيات كريمة من سورة البقرة من القرآن العظيم، وهي الآيات التي تتصل بشهر رمضان المبارك، والتي يستهلها الحق سبحانه بقوله: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون". وفي ثنايا هذه الآيات المباركات يقول الله تعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان".

وفي هذه الآيات يخاطب الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين خطاب رحمة ولطف، فيبين لهم أن تشريع الصيام لم يرد به التضييق ولا المشقة، وإنما أريد به الخير واليسر، ولذلك يقول سبحانه: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".

فهذه الأيام المعدودات من الصيام تسعة وعشرون أو ثلاثون يوما، ليست بالأمر الشاق ولا بالحمل الثقيل، بل هي أيام متتابعة تمضي سريعا وتنقضي قبل أن يشعر الإنسان بطولها.

ثم يوجهنا الله تعالى إلى غاية عظيمة بعد إتمام هذه العبادة، فيقول سبحانه: "ولتكبروا الله على ما هداكم"، ثم يختم الآية بقوله تعالى: "ولعلكم تشكرون".

إن الله جل شأنه قد أشار في هذه الآية الكريمة إلى العيد إشارة لطيفة بليغة، فمع أن لفظ العيد لم يرد فيها صراحة، إلا أن مقصده وروحه ووظيفته قد تجلت في معانيها. فقد بينت الآية ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمن بعد أن يوفق لإتمام عبادة الصيام. فإذا من الله تعالى على عباده ببلوغ شهر رمضان، وهيأ لهم أسباب الخير، ووفقهم لقضائه في عافية وسلامة، فصاموا نهاره وقاموا ليله، وانقضى الشهر عليهم وهم في ظل الطاعة والعبادة، فإن الواجب عليهم عندئذ أن يلهجوا بتعظيم الله وتمجيده، وأن يعلنوا تكبيره شكرا على هذه النعمة العظيمة، كما قال سبحانه: ولتكبروا الله على ما هداكم.

إذ هداكم إلى نور الإيمان، وشرفكم بالانتساب إلى الإسلام، وهي أعظم نعمة يفيض بها الله على عباده. ثم لم يقتصر فضله على الهداية فحسب، بل أمدكم كذلك بالتوفيق لأداء هذه العبادة الجليلة، عبادة الصيام وقيام الليل. ولو فقدت واحدة من هذه النعم لما كان لرمضان ذلك المعنى العظيم في حياة الإنسان، ولما أدرك حقيقة الصيام وروحه. ففي هذه الدنيا أمم وشعوب كثيرة، قد تعلم أن شهرا يسمى رمضان يأتي عند المسلمين كما تأتي سائر الشهور، لكنها لا تشعر بروحه، ولا تدرك أسراره، ولا تميز بينه وبين غيره من الأيام.

فأولى هذه النعم إذن نعمة الهداية، إذ هدى الله قلوبنا إلى الإسلام، وأنعم علينا بالانتماء إلى هذا الدين العظيم، ثم منّ علينا بالصحة والعافية التي تمكننا من الصيام والقيام. غير أن أعظم هذه النعم جميعا هي نعمة التوفيق، فإن مدار الأعمال كلها على توفيق الله تعالى. فقد تجتمع لدى الإنسان الأسباب والوسائل كلها، غير أن التوفيق إن لم يكتبه الله له ضاعت تلك الأسباب ولم تؤت ثمرتها. ولذلك فإن الصيام، بل سائر الطاعات، إنما تتحقق حقيقتها وتؤتي ثمارها إذا اجتمعت أسبابها وتجلت معها عناية الله وتوفيقه.

فالعمر بفضل الله تعالى ممدود، والحياة قائمة، والشباب الذي هو زمن القوة والقدرة حاضر، ومرحلة البلوغ متحققة، والصحة التي يحتاجها الإنسان لأداء الصيام متوفرة، كما أن أحكام الصيام ومسائله معلومة لديه. وليس هناك مانع من جهة حكومة أو قانون، ولا طبيب نصحه بترك الصيام أو حذره منه لضرر يلحق بصحته. فإذا كانت جميع هذه الأسباب متوافرة، فما الذي يمنع الإنسان من الصيام؟ ولماذا لا تتحقق الطاعة؟ إن الجواب في كلمة واحدة: التوفيق. فالتوفيق حقيقة جليلة وعميقة، يعسر أن تنقل دلالتها الكاملة إلى لغة أخرى ترجمة تامة. ومعناه أن يتفضل الله تعالى على عبده بإرادة الخير له، وأن يفيض عليه من رحمته، فيلقي في قلبه العزم والرغبة الصادقة في الطاعة، ويهيئ له أسبابها، ويزيل من طريقه العقبات والموانع، ثم يقضي سبحانه بأن يتم هذا العمل، فيوفق العبد للصيام، وييسر له القيام بالصلاة وسائر القربات. فهذا المعنى الواسع الذي يحتاج إلى عبارات طويلة لبيانه وشرحه، قد جمعه القرآن الكريم في كلمة واحدة جامعة بليغة، هي كلمة: التوفيق.

وسترون هذا الأمر واضحا في أحيائكم ومجتمعاتكم فالأجواء مهيأة والأسباب متوافرة والشروط مكتملة والبيئة كلها مهيأة للصيام، ومع ذلك قد يرى بعض الناس لا يصومون وليس السبب في فقدان القدرة أو انعدام الظروف وإنما السبب الحقيقي هو غياب التوفيق. أما إذا تفضل الله عليكم بأن جمع لكم هذه النعم كلها وزادكم فوقها نعمة التوفيق فذلك فضل عظيم يستوجب الشكر والتعظيم، ولهذا قال سبحانه ولتكبروا الله على ما هداكم. ومن هنا شُرع للمسلمين أن يظهروا التكبير عند حلول العيد، فإذا جاء عيد الفطر استُحب للمؤمن أن يتوجه إلى المصلى وهو يذكر الله ويكبره بصوت خافت، أما في عيد الأضحى فيسن أن يرفع صوته بالتكبير فيردد: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

ومن السنن كذلك أن يأتي المسلم إلى صلاة العيد من طريق ويعود من طريق آخر ليعم ذكر الله في الطرقات وتمتلئ الأجواء بالتكبير، فتبلغ هذه الكلمات المباركة أسماع الناس وتشهد الأرض التي يمر بها العبد بذكر الله تعالى عليها.

كما يستحب للمؤمن أن يظل مشتغلا بالتكبير والذكر وهو ينتظر صلاة العيد متمثلا قول الله تعالى: "ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون". فنقول في هذا المقام الحمد لله الذي وفقنا لصيام رمضان وأعاننا على إتمام هذه العبادة العظيمة، وإن كان بعض الناس قد فاته الصيام لعذر من مرض أو غيره فإنه لا يحرم من الأجر إذا صدقت نيته فإن الله تعالى يعلم ما في القلوب. وإذا تأملنا في أعياد الناس في أنحاء العالم كلها وجدنا أن الأعياد مواسم للفرح والسرور، حيث تخفف فيها الأعمال المعتادة ويرخص للناس أن يخرجوا قليلا من روتين حياتهم اليومية ليعيشوا لحظات من البهجة والراحة، أما عيد المسلمين فإنه فرح ممزوج بالشكر وسرور مقرون بذكر الله وتعظيمه لأنه يأتي عقب عبادة عظيمة أتمها المؤمنون بتوفيق الله وفضله. غير أن الإسلام يكاد يكون الدين الوحيد الذي لا يجعل يوم الفرح يوم تعطيل من الطاعة والعمل، بل يجعل يوم العيد موسما يزداد فيه العبد قربا من الله، وتتعاظم فيه معاني الشكر والعبودية. ومع ذلك فليست هذه الأعمال أعمالا شاقة تثقل على الإنسان حتى يعجز عنها، بل هي أعمال مباركة سامية ترفع الإنسان درجات، وتهذب روحه، وتغرس فيه معاني الإنسانية والكرامة. فالركعتان اللتان يؤديهما المسلم يوم العيد ليستا من جنس الصيام بطبيعة الحال، وقد يصلي قبلها أو بعدها ما شاء من النوافل كصلاة الإشراق أو الضحى، وهي ليست فرضا ولا واجبا، غير أن صلاة العيد نفسها قد شرعت في هذا اليوم المبارك ليزداد المؤمن عبادة وشكرا لله تعالى.

وإذا تأملنا في كثير من أعياد الأمم الأخرى وجدنا أن العبادات فيها تخفف أو تترك، ويغدو العيد مجرد يوم للراحة أو الترفيه، فمن شاء أن يؤدي شعيرة دينية فعل، ومن شاء تركها، وقد يذهب إلى الكنيسة أو لا يذهب، ومع ذلك يبقى اليوم يوم عطلة لا أكثر. أما في الإسلام فالأمر مختلف تمام الاختلاف، إذ يبدأ المسلم يومه بصلاة الفجر، ثم يخرج بعد ذلك إلى صلاة العيد فيؤدي ركعتيها، ثم تمضي بقية الصلوات المفروضة في أوقاتها المعتادة كصلاة الظهر وغيرها. وهكذا يتجلى أن منهج الإسلام في الشكر لا يقوم على التعطيل والانقطاع، بل على زيادة الطاعة وتعظيم الله.

فالذي تُمنح له العطلة هو من لم يحفظ درسه، أما من أتقن درسه وحفظه فلا يقال له: خذ إجازة، بل يقال له: الزم مكانك واستمر في التعلم. وهذه الأمة والحمد لله أمة قد حفظت درسها. فإن الأمم الأخرى قد ضيعت دروسها أو نسيتها حتى لا تكاد تجد على وجه الأرض أمة لا تزال تحتفظ بدرسها كما أنزل وأعطي لها. أما هذه الأمة فهي الأمة الوحيدة التي بقي درسها محفوظا في صدورها، وإن كان في ذلك تفاوت بين القوة والضعف أو بين الإتقان والنقص. فإذا كان الطالب الذي يحفظ درسه في الكتاب أو المدرسة لا تمنح له العطلة، بل تلقى على عاتقه مسؤوليات جديدة، فكذلك حال هذه الأمة، فلما حفظت درسها لم تعط عطلة، وإنما حملت أمانة ومسؤولية، وكان عليها أن تؤدي شكر هذه النعمة. ذلك أن شكر النعمة سبب لزيادتها ودوامها، لا سبب لنقصانها. ولهذا شُرعت في يوم العيد ركعتا الصلاة، وفرضت كذلك صدقة الفطر التي ينبغي إخراجها.

وليس الأمر في الإسلام كما هو في كثير من أعياد الديانات الأخرى، حيث يقتصر العيد على الأكل والشرب واللهو، فيكون الأمر فيها أخذا محضا ومتعة خالصة. أما في الإسلام فالأمر مختلف، إذ يقوم العيد على العطاء أكثر مما يقوم على الأخذ، وعلى البذل قبل الاستمتاع، فيعطى الفقير صدقة الفطر، ثم يقف المؤمن بين يدي ربه فيصلي ركعتين شكرا له، ويملأ الأجواء بتكبير الله وتعظيمه، اعترافا بفضله وإحسانه، كما قال سبحانه: "ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون".

العالم محروم من العيد الحقيقي:

إنه عيد فريد في طبيعته، عيد لا تمنح فيه الأمة عطلة من المسؤولية، ولا تعفى فيه من واجباتها، بل يزداد فيه معنى الشكر والعمل الصالح. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة في هذا العصر إلى أن يعود المسلمون إلى دينهم عودة صادقة، وأن يثبتوا عليه من جديد بثبات ويقين، وأن يقدموا للعالم صورة حية من تعاليمه، ونموذجا عمليا لقيمه وأخلاقه. فلو أن المسلمين أقاموا دينهم حق الإقامة، وأظهروا للناس جماله وعدله وروحه الإنسانية، لكان ذلك عيدا للعالم بأسره، لأن العالم منذ زمن طويل لم يذق طعم العيد الحقيقي. إن البشرية اليوم محرومة من العيد الحق، وما يُرى من مظاهر الاحتفال في بقاع مختلفة من الأرض إنما هو صور ظاهرية لا تمس جوهر الحياة ولا تعالج أزماتها العميقة. فأين العيد الذي يبعث الطمأنينة في القلوب؟ وأين العيد الذي ينشر السلام في الأرض؟

إن العالم منذ قرون طويلة لم يعرف هذا العيد الحقيقي، ولو أن المسلمين عادوا إلى حقيقتهم، واستعادوا روح الإسلام في حياتهم وسلوكهم لكان ذلك بداية عيد جديد للبشرية جمعاء، لأن العالم اليوم يتطلع إلى هذا العيد الحق، ويتشوق إلى قيمه ومبادئه. فالبشرية تعيش اليوم حالة من الفراغ الروحي العميق، فلا أمن حقيقيا يستقر في النفوس، ولا أخلاق راسخة تضبط العلاقات، ولا إنسانية صادقة تحكم التعامل، ولا شرف في المعاملة، ولا تقدير للفضل، ولا روح للخدمة والتضحية، ولا حضور لذكر الله في القلوب، ولا معرفة صادقة بالله تعالى. وإذا غابت هذه المعاني السامية، فأي معنى يبقى للعيد؟

إن كثيرا من الأعياد التي تقام اليوم ليست إلا مظاهر لهو عابر، تشبه ألعاب الأطفال، أطفال لا يتحملون مسؤولية، يلعبون ويضحكون، ويأكلون ويشربون، ويظنون أنهم يعيشون الفرح، بينما الفرح الحقيقي أبعد من ذلك بكثير. لا عجب إذن أن أمم العالم اليوم تفرح وتحتفل كما يفرح الأطفال، غير أنها على كثرة احتفالاتها لا تنال الفرح الحقيقي. إن البشرية في هذا العصر أحوج ما تكون إلى عيد عالمي صادق، عيد يعيد إلى الإنسان إنسانيته، ويبعث في القلوب الطمأنينة والسكينة. غير أن هذا العيد لا يمكن أن يتحقق إلا بجهود المسلمين إذا أدركوا رسالتهم ونهضوا بواجبهم. غير أن المؤسف أن المسلمين أنفسهم لا يؤدون شكر عيدهم على الوجه اللائق، ولا يدركون معناه إدراكا صحيحا.

ومن الواجب على المسلم، أينما كان أن يبرهن بسلوكه وأخلاقه أنه أمة متميزة، وأنه يحمل رسالة تختلف عن سائر الرسائل. ولكن مما يدعو إلى الأسى أن هذا التميز قد تلاشى في كثير من الأحوال، حتى صارت الصورة واحدة في نظر الناس: أولئك يأخذون الرشوة، وهؤلاء كذلك يأخذونها. أولئك يتعاملون بالربا، وهؤلاء لا يتورعون عنه. أولئك أصبحوا أسرى المال وعبيده، وهؤلاء كذلك جعلوا المال غاية حياتهم. أولئك يطلبون الراحة والترف، ولا يبالون بما يجري حولهم، وهؤلاء يعيشون في الدائرة نفسها، لا يحملون هما لما يقع في العالم، ولا لما يحدث في أحيائهم وجوارهم. غير أن المسلم الحق لا يمكن أن يكون كذلك، لأن الله تعالى يقول: "ويجعل لكم فرقانا". أي إنكم إذا اتقيتم الله حق التقوى، وثبتم على منهج الإيمان، فإن الله يمنحكم صفة التميز، ويجعل لكم نورا تفرقون به بين الحق والباطل، ويكسوكم هيبة ومكانة يعرفكم بها الناس من بعيد. فحينئذ تصبح هذه الأمة أمة ظاهرة بمعانيها وقيمها، متميزة في أخلاقها وسلوكها، شاهدة على الناس بما تحمل من رسالة الحق.

انظروا، كان الناس إذا رأوا المسلم قالوا: ها هو المسلم قادم. هكذا كانت صورة المسلمين في القرون الأولى، إذ كانت أخلاقهم وسيرتهم كفيلة بأن تدعو الناس إلى الإسلام قبل الكلمات والخطب. ولهذا دخلت أمم بأسرها في الإسلام عندما رأت المسلمين وعاشت معهم. فإن إقناع الناس بالحجج والبراهين قد يستغرق أعواما طويلة، ولكن ماذا جرى في صفحات التاريخ؟ كيف أصبحت مصر بأسرها بلدا مسلما؟ لقد تبدلت حضارتها، وتغير خطها، وتحولت عاداتها وأساليب حياتها. وكذلك كان الأمر في العراق والشام، فهل كانت هذه البلاد كلها مسلمة من قبل؟ كلا، بل كان سكانها من أتباع ديانات شتى، فمنهم النصارى، ومنهم اليهود، ومنهم عبدة الأوثان، وكانت لغاتهم متعددة، وثقافاتهم متباينة، وتقاليدهم مختلفة. ومع ذلك، ما إن دخلت هذه الشعوب في ظل الإسلام حتى بدا كأنها قد صيغت في قالب واحد، أو كأنها خرجت من مصنع واحد في انسجام عجيب ووحدة ظاهرة.

أما في الهند فلم يقع الأمر على هذا النحو، لأن الذين وصلوا إليها لم تكن فيهم تلك الروح العظيمة التي كانت تسري في العرب الأوائل، تلك الروح التي كانت تجعلهم حيثما حلوا ينشرون الإسلام بروحه وأخلاقه حتى تتحول البلاد كلها إلى مجتمع مسلم.

لقد كانوا يعيشون مع الناس حياة واحدة، يأكلون معهم، ويشربون معهم، ويزيلون الحواجز بين العالي والداني، لأن الإنسان عندهم إنسان، لا فرق فيه بين طبقة وأخرى، ولا بين غني وفقير. ولهذا المعنى جاءت كلمات الحديث الشريف لتؤكد هذه الحقيقة.
التعليقات (0)

خبر عاجل