هب أنك
جاءك اتصال من فلانٍ يُخبرك بأنه من طرفِ فلان، وفلان الثاني له مكانةٌ عظيمةٌ
وكبيرةٌ في نفسك، وتحبه جدا، فماذا عساك أن تفعل؟ أعتقد أنك ستقوم بالآتي: ستفرح
ويسعد قلبك، ستخبر أهلك وأسرتك وتبدأ بتجهيز ما لذ وطاب من طعامٍ وشراب، وترتدي
أجمل الثياب، وتُوعزُ لأهلِ بيتك بترتيب وتنظيف البيت استعدادا لقدوم الضيف
العزيز، لأنك سترى في فلان القادم، نسمات من فلان الذي أرسله.
ما
سبق يصلح إسقاطه على الضيف الرائع الذي يزورنا هذه الأيام، وسيمكث معنا أياما
معدودات، يُطّهر قلوبنا ونفوسنا ويجمع شملنا، ويُقربنا إلى الله عز وجل، ثم بعد إيصال
الرسالة، يفارقنا.
الحديثُ
عن
رمضان، الشهر الذي تتعدى فضائله حدود الحروف، ليس بالأمر السهل، يكيفه فخرا
وشرفا أن الله عز وجل أنزل به القرآن.
وبالعودة
إلى العنوان" كيف نستقبلُ رمضان؟"، ودخولا في الموضوع، فإن رمضان يستحق
منا أن نتجهز لاستقباله استقبالا مميزا؛ لأنه شهرٌ كريمٌ ورسولُ ربٍ كريمٍ، فما هي
يا تُرى طرق استقبالنا لرمضان؟
استقبال
روحاني قلبي: بإظهار السعادة الحقيقية بقدومه، فلا تذمر من طول
نهار
الصيام، ولا شكوى من صلاة التراويح، ولا تهرب من قراءة القرآن وتدبره.
استقبال
اجتماعي:
انهاء الخصومات والشحناء مع الآخرين، وصلة الأرحام، فرمضان فرصة لتأليف القلوب.
استقبال
عملي سلوكي: لا تكن من الذين يظنون أن رمضان شهر الكسل والنوم،
فهذه خرافة وكذبة كبيرة، فلا تترك المذاكرة، والعمل، والأنشطة الاجتماعية بحجة
الصيام، وعليك أن تتذكر أن أعظم الفتوحات عبر التاريخ الإسلامي كانت في شهر رمضان.
ومن
أجمل ما قرأتُ في هذا السياق ما كتبه الدكتور عبد الكريم بكار، "خمسة أثقال تُترك
قبل عبور بوابة رمضان"، أنقله للفائدة:
1- أوزار
الخصومة: القلب المشحون بالخلافات لا يجد متسعا للسكينة، والتحرر من ضغينة
قديمة ليس تنازلا، بل إفراغ لمساحات الروح من أجل العفو الإلهي، والوفاء للذات
يبدأ من ترك الخصومات التي استنزفت الطاقة في غير طاعة.
2- عبء
المثالية المرهقة: الدخول في رمضان بخطط مثاليةٍ غالبا ما ينتهي بجلد الذات
عند أول تقصير، فالعبادة "حضور قلب"، وليست "سباق أرقام"،
والروحانية الحقيقية تكمن في "صدق المحاولة" وليس في "كمال
النتائج" المرسومة في الأذهان.
3- ضجيج
المقارنات: مراقبة تفاصيل حياة الآخرين عبر الشاشات تسرق الرضا، وتغرس بذور
الحرمان. والرسوخ النفسي يقتضي الانكفاء على الذات، وصناعة عالم خاص بعيدا عن بريق
الشهرة الزائف وزحام الموائد المصورة.
4- الانهماك
في الماديات: الانشغال بتأمين الجدران والكماليات يطغى أحيانا على تأمين
النفوس الساكنة فيها، والأثاث الفاخر لا يملأ فراغ الأرواح، والبيوت التي تُشرق
بالود والتفاهم هي الأقدر على عيش روحانية الشهر بعيدا عن ترف المظاهر.
5-
وهْم التأجيل: تسويف الإصلاح بحجة انتظار "لحظة مثالية"، هو استنزاف
للعمر؛ لأن البناء الإيماني لا يحدث بقفزة مفاجئة، بل بتراكماتٍ صغيرةٍ تبدأ من الآن،
فمن لم يغرس الصدق في شعبان، صعب عليه جني الثمر في رمضان.
يبقى
القول واجبا أن رمضان فرصة لصناعة انسانٍ جديد، يُكمل حياته وفق ما غرسه فيه رمضان
من حبٍ وصبرٍ ورضا وقوةٍ نفسية. فيا أيها المسلم إياك أن تخرج من رمضان كما دخلته،
فإن فعلت ذلك، فلا أصدق من المثل القادم ينطبق عليك" تيتي تيتي زي ما رحتي زي
ما جيتي".
وكل
عام وأنتم بخير..