أثار عودة ما يُعرف بـ"
السلاطين" إلى الواجهة في جنوب
اليمن تساؤلات بشأن أهداف هذا الظهور ودوافعه، بعد عقود من التراجع والتلاشي، وسط مخاوف من توظيف هذه الشخصيات في سياق الصراع المستمر الذي تشهده تلك المناطق.
وقبل أيام، ظهر أحفاد سلاطين يافع، وهي كيانات سياسية وقبلية كانت تحكم مناطق مختلفة قبل الاستقلال عن بريطانيا عام 1967، خلال فعالية أقيمت في مديرية يافع بمحافظة لحج شمالي عدن، في وقت تتمتع فيه شخصيات من المنطقة بنفوذ سياسي وأمني وعسكري واسع داخل مؤسسات السلطة التابعة لمجلس القيادة الرئاسي، ما أثار مخاوف من استثمار هذا الظهور في إحياء مشاريع التقسيم والفوضى في جنوب البلاد.
اظهار أخبار متعلقة
واقع اليوم مختلف
وفي السياق، قال رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان في العاصمة المؤقتة، عدن، جنوبا، محمد قاسم نعمان إن من حيث المبدأ ومن منطلق الحقوق الإنسانية والوطنية والحياتية فإنه من حق أبناء وأسر سلاطين الجنوب العودة إلى وطنهم وبين أهاليهم وذويهم كما هو حال غيرهم من اليمنيين الموجودين خارج اليمن وبينهم من تضرروا من الصراعات الداخلية شمالا وجنوبا وشرقا وغربا من الوطن اليمني.
وتابع نعمان في حديث خاص لـ"عربي21" بأنه من حق الجميع أن يعودوا إلى بلادهم وبين أهاليهم وذويهم.. ومن واجب الدولة أن توفر لهم الأمن والأمان والاستقرار كبقية أفراد المجتمع.
وأضاف أن هذا ما يتعلق وينطبق على سلاطين يافع الذي عادوا إلى عدن خلال الأيام الماضية لكن
شدد على أن "عودتهم لا يجب أن تخضع للتميزات الاجتماعية كما كان الحال أثناء وجود سلطناتهم ومشيخاتهم في حكم الجنوب و التي كانت موجودة في جنوب اليمن قبل الاستقلال".
وجدد رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان التأكيد على أن من حقهم اليوم العودة إلى وطنهم ومحافظاتهم ومناطقهم ومديرياتها كمواطنين يشاركون أهاليهم الحياة والتنمية وتطوير مجتمعاتهم.
وأشار إلى أن واقع اليوم يختلف عما كان عليه خلال فترة الوجود الاستعماري ونظام السلطنات والمشيخات، مؤكدا أن البلاد لم تعد تحتمل مزيدا من الانقسامات الاجتماعية. وأضاف أن السلطة والحكم يستندان إلى الدستور والقوانين النافذة التي تحظر عودة أبناء السلاطين وأسرهم بوصفهم فئة حاكمة، مع احتفاظهم بحق المشاركة في الحياة السياسية والوصول إلى السلطة عبر الآليات الديمقراطية والانتخابات.
ولم يستبعد أي مساعي أو محاولات لخلق مزيد من التمردات والتمزق الاجتماعي والسياسي جنوب اليمن، وقال إنه قد يكون هناك من يسعون إلى خلق مزيد من التمردات والتمزقات الاجتماعية والسياسية في الجنوب وهذا أمر لابد من مراعاته واستيعاب مخاطره وتعقيداته وبالذات في ظروفنا الحالية.
وبحسب الصحفي نعمان فإن عودة السلاطين وأبنائهم وأسرهم كمواطنين لهم كامل الحقوق الإنسانية والحياتية .. الحقوق المتجسدة بحقوق المواطنة، ولكن عليهم العمل استنادا إلى الدستور والقوانين النافذة في البلاد.
وشدد على أن الواقع في الجنوب يحتاج الى مزيد من التماسك والتلاحم والابتعاد عن الصراعات أو تصفيات الحسابات السياسية أو التأثيرات المجتمعية الضيقة التي من شأنه تمزيق المجتمعات.
وقال إننا بحاجة اليوم إلى العمل المشترك بين كل الفئات دون تمييز وإبعاد كل من يحاولون الإضرار بالمجتمع ووحدته وتلاحمه.
اظهار أخبار متعلقة
لا كهنوت ولا سلاطين
من جانبه، قال الناشط السياسي اليمني، فيصل البطاطي إن ما يسمى بسلاطين يافع، سواء العفيفي أو بن هرهرة، هم في الأصل شخصيات اجتماعية ظهرت في مرحلة كانت قبائل يافع تتقاتل فيما بينها، فتم اختيار العفيفي مصلحاً عن بني قاصد، وبن هرهرة مصلحاً عن بني مالك، وكان دورهم إصلاح ذات البين وتهدئة النزاعات القبلية ليس إلا.
وأضاف البطاطي عبر منصة "إكس" أن تلك المرحلة كانت لا دولة فيها ولا مؤسسات، وكانت القبائل تعتمد على المشايخ والوجهاء لإيقاف الدم وحل الخلافات.
وأشار "أما اليوم فلا سلطان على يافع ولا على غيرها من قبائل اليمن إلا سلطة الدولة والنظام والقانون، ولا سلطان على الشعب اليمني إلا الشعب اليمني نفسه".
وتابع الناشط اليمني بأنه "لا كهنوت ولا سلاطين ولا أوهام تعاد بلباس جديد.. فكل قبيلة لها شيخها الاجتماعي المعروف، واليمن لها رئيسها، وسلطان هذا الوطن الحقيقي هو الشعب اليمني".
وأكد على أن إعادة إحياء الألقاب القديمة ومحاولة تقديم أشخاص وكأنهم سلاطين على الناس، فهي خزعبلات لا تبني دولة ولا تصنع مستقبلا، موضحا أن من أراد خدمة الناس فليخدمهم بالعمل والمواقف والمصلحة العامة، لا بالألقاب والمظاهر الفارغة.
دور قبلي واجتماعي
بموازاة ذلك، قال الصحفي التابع للمجلس الانتقالي الجنوبي المعلن حله، ياسر اليافعي إنه يدور هذه الأيام جدل في يافع حول عودة أبناء سلاطين يافع، في مرحلة حساسة ومهمة من تاريخ الجنوب.
وأضاف اليافعي عبر موقع "فيسبوك" أن عودتهم أمر طبيعي؛ فهذه بلادهم ومناطقهم، وهم جزء أساسي من التركيبة الاجتماعية والتاريخية للجنوب.
وأوضح الصحفي التابع للمجلس الانتقالي المنحل أن الكثير يتحدث عن مخاوف من العودة إلى "باب اليمن" ( في إشارة منه إلى صنعاء) أو إلى مراحل قديمة، لكن الحقيقة أن من أكبر مشكلات الجنوب كانت القضاء على الهويات المحلية الجنوبية، وهي الهويات التي شكّلت تاريخيًا حائط صد أمام الغزوات الزيدية، وكان للمشيخات والسلطنات الجنوبية ثأر طويل مع دولة الأئمة الزيدية.
وبحسب المتحدث ذاته فإنه لا يجوز لمن ساهم في طمس هذه الهويات لصالح الهوية اليمنية أن يأتي اليوم ليحذر من عودة السلاطين والمشائخ بحجة أنها تعيدنا إلى "باب اليمن". فأنتم من أوصلتم الجنوب إلى باب اليمن، وانتهى الأمر.
ولفت إلى أنه لا مانع من أن يكون لهؤلاء المشائخ والسلاطين دور قبلي واجتماعي تقليدي، إذا أحسنوا قراءة المرحلة، وتعاملوا معها بما ينسجم مع تطلعات شعب الجنوب وإرادته.
استغلال سياسي
من جهته، قال الكاتب والناشط السياسي، أحمد حميدان المهرجانات التراثية إحدى أهم الوسائل الحضارية لإحياء ذاكرة الشعوب والحفاظ على موروثها الثقافي والإنساني، مشيرا إلى أن اليمن من أعنى البلدان بهذا الارث المتنوع.
وأضاف حميدان في حديثه لـ"عربي21" أن مهرجان القارة في يافع بمحافظة لحج، الذي نظم مؤخرا، بوصفه فعالية تعكس جانباً من التراث اليافعي الأصيل، إذ تمثل يافع جزءاً مهماً من هذا الامتداد الحضاري والثقافي الذي أسهم في تشكيل الهوية اليمنية عبر العصور.
وأشار الكاتب اليمني "ما شهدته في مهرجان القارة ترك لدي قدراً من الأسف؛ إذ بدا أن الفعالية التراثية قد تأثرت بحالة "الاستقطاب والانقسام السياسي التي تعيشها البلاد".
وأردف قائلا : "فبدلاً من أن يكون المهرجان مساحة جامعة للاحتفاء بالتاريخ والثقافة والتراث، ظهرت فيه ملامح الخطاب السياسي المنحاز، الأمر الذي أفقده جزءاً من رسالته الثقافية الجامعة، وحوله في نظر كثيرين إلى منصة تخدم طرفاً سياسياً بعينه، بما يساهم في تعميق الانقسامات القائمة بدلاً من تجاوزها".
وبحسب الكاتب والناشط اليمني فإن التراث بطبيعته ملك للجميع، ولا ينبغي أن يُختزل في مشروع سياسي أو فئة أو جماعة. فالمهرجانات التراثية تنجح حين تكون جسوراً للتقارب والتعارف وتعزيز الانتماء المشترك، وتفقد كثيراً من قيمتها عندما تتحول إلى أدوات للصراع والاستقطاب.
وقال إنه كان يأمل أن يحمل أحفاد السلطان محمد عيدروس العفيفي ( سلطان يافع بني قاصد) الإرث ذاته الذي عُرف به من نضال ووعي ورفض للوصاية والتبعية، وأن يبقى مهرجان القارة مناسبة للاحتفاء بتاريخ يافع ودورها في خدمة الوطن الكبير.
كما عبر عن خيبة أمله من تحويل هذا التراث إلى "ساحة تعكس الانقسامات السياسية التي أنهكت المجتمع"، مشددا في الوقت ذاته على أن "التاريخ والتراث أكبر من اللحظة السياسية العابرة، وأبقى من كل المشاريع التي تقوم على الفرز والتمزيق، لأنهما يمثلان ذاكرة شعب وهوية وطن ينبغي أن تظل جامعة لكل أبنائه".
وكانت منطقة القارة التاريخية في يافع بمحافظة لحج قد شهدت مؤخرا مهرجانا ثقافيا سنويا لإحياء الموروث الثقافي الحميري، تضمن عددا من الفعاليات الهادفة إلى ترسيخ قيم التلاحم بين أبناء يافع داخل اليمن وخارجه، والحفاظ على العادات القبلية وصون الموروث الثقافي والاجتماعي المتوارث عبر الأجيال.
غير أن المهرجان لم يخلُ من حضور رموز وشعارات سياسية، من بينها رفع أعلام الانفصال، الأمر الذي دفع مراقبين إلى التحذير من استغلال مثل هذه الفعاليات لخدمة مشاريع تقسيمية، في ظل حالة الانهيار شبه الكامل للأوضاع الخدمية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.