لطالما أثبتت الرياضة، رغم طابعها التنافسي المفترض أن يبقى بعيدا عن الخلافات السياسية، أنها ليست بمنأى عن الانقسامات الكبرى التي تعصف بالعالم، فكثيرا ما تتحول الملاعب إلى مظاهر تعكس صراعات أعمق من مجرد نتيجة مباراة، حين تختلط أسماء المنتخبات بالمواقف الأيديولوجية، فيجد المشجعون أنفسهم يشجعون منتخبا لا لأنه الأقوى، بل لأنه بات يمثل رمزا لموقف سياسي يؤمنون به أو يرفضونه.
هذا بالضبط، ما يتكرر اليوم الأحد، مع انطلاق المباراة النهائية لكأس العالم بين الأرجنتين وإسبانيا على ملعب "ميتلايف" في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، وهي المواجهة التي كان يُفترض أن يقتصر التنافس فيها على حسم لقب البطولة الأكبر في كرة القدم، لكنها تحولت، إلى ساحة سجال سياسي واسع على منصات التواصل الاجتماعي.
وتكمن جذور هذا التسييس في أن المباراة باتت، في نظر كثيرين، مواجهة رمزية بين دولتين تتبنيان موقفين متعارضين تماما تجاه دولة
الاحتلال الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، بحيث انقسم المشجعون فعليا إلى خندقين، خندق يساند إسبانيا انطلاقا من موقف حكومتها الداعم لفلسطين، وآخر يساند الأرجنتين انطلاقا من علاقاتها الوثيقة الراهنة مع دولة الاحتلال.
ميلي المؤيد للاحتلال في مواجهة سانشيز المؤيد لفلسطين
يعود هذا التصور السياسي للمباراة إلى مواقف حكومتي البلدين المتعارضة بشكل صريح، إذ عزز الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، منذ توليه السلطة في كانون الأول/ ديسمبر 2023، علاقات بلاده مع حكومة الاحتلال حتى باتت من أقرب حلفائها".
وفي حديثه في بودكاست في وقت سابق من هذا الشهر، قال رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "أتطلع إلى الأرجنتين في
كأس العالم"، مضيفا: "ميلي صديق عظيم لإسرائيل".
اظهار أخبار متعلقة
من جانبه، احتفل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتامار بن غفير بفوز الأرجنتين في نصف النهائي يوم الأربعاء، وكتب باللغة الإسبانية في يوم "إكس": "تكريم لمن يستحق التكريم، والآن بإيمان نحو النهائي!".
كما نشر إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف، مقطع مصور على منصة "إكس" يشجع فيها الأرجنتين بقوة في نهائي كأس العالم 2026 ضد إسبانيا، في موقف يعكس الاستقطاب السياسي الذي شهدته المباراة بين الدعم الإسرائيلي الرسمي للأرجنتين والدعم العربي والدولي الواسع لإسبانيا بسبب مواقفها من غزة.
وتضم الأرجنتين أكبر جالية يهودية في أمريكا اللاتينية، حيث يعيش فيها حوالي 170 ألف يهودي، إلا أن الجالية العربية أكبر، حيث يصل عدد الأرجنتينيين الذين يدعون أصولا لبنانية إلى 3 ملايين شخص.
في المقابل، برز رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز كأحد أبرز المنتقدين لحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة والتي راح ضحيتها عشرات الشهداء من الفلسطينيين، ومن أكبر الداعمين للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما برز فعليا حين اعترفت إسبانيا رسمياً بدولة فلسطين إلى جانب دول أوروبية أخرى، بحسب المصدر نفسه.
لامين جمال في مواجهة ليونيل ميسي
على أرض الملعب، أثار نجم المنتخب الإسباني لامين جمال اهتماماً واسعاً بعد ظهوره حاملاً العلم الفلسطيني خلال احتفالات نادي برشلونة بلقب الدوري الإسباني، وهو ما دفع سانشيز إلى الإشادة بموقفه معتبراً أنه يعبّر عن تضامن ملايين الإسبان، بحسب "تايمز أوف إسرائيل".
كما ظهر الممثل الإسباني خافيير بارديم، المعروف بمواقفه المؤيدة للفلسطينيين، رافعا العلم الفلسطيني خلال مباريات البطولة.
في المقابل، ارتبطت علاقة قائد المنتخب الأرجنتيني ليونيل ميسي بمواقف سياسية علنية، إذ قام بزيارات سابقة إلى القدس المحتلة مع نادي برشلونة، شملت حائط البراق ولقاءات مع مسؤولين في دولة الاحتلال من بينهم الرئيس السابق شمعون بيريز ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، إضافة إلى مشاركته في مباراة ودية أقيمت في تل أبيب عام 2019 وعلاقات تجارية سابقة مع شركتين إسرائيليتين بين عامي 2017 و2020، بحسب ما نقلته صحيفة "جيروزاليم بوست".
ودفع هذا الملف التاريخي بعض مستخدمي الإنترنت إلى تداول صور قديمة لميسي خلال زياراته لإسرائيل، وربطها بادعاءات تزعم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أو طاقم التحكيم يدعمان الأرجنتين بسبب موقفها المؤيد لإسرائيل، بحسب "تايمز أوف إسرائيل".
اظهار أخبار متعلقة
ولا تحظى الرواية المتداولة على الإنترنت، التي تصنّف المنتخب الأرجنتيني كفريق "مؤيد لإسرائيل"، بإجماع داخل الأرجنتين نفسها، إذ يرفض بعض المشجعين الأرجنتينيين هذا التصنيف، مذكّرين بموقف الأسطورة الراحل دييغو مارادونا الداعم التاريخي لفلسطين، ومؤكدين أن مواقف الرئيس ميلي "لا تمثل الشعب بأكمله"، بحسب ما أوردته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".
دعم واسع للمنتخب الإسباني
ولم يخلُ الشارع العربي، من إبداء رأيه، إذ رأى الكاتب والصحفي المصري خالد محمد أن ما يجري يتجاوز حدود اللعبة نفسها، مؤكداً أن الأمر "ليس مجرد مباراة كرة قدم... بل صدام بين القيم الإنسانية وحسابات التآمر".
من قلب غزة، حيث لا تزال آثار الحرب حاضرة في كل تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية، عبّر الشاب بهاء عن مشاعر شريحة واسعة من أبناء القطاع، قائلاً إن "كثيراً منا في فلسطين يدعمون ويحبون إسبانيا".
كما أعلن عدد من المؤثرين والشخصيات العامة دعمهم لأحد المنتخبين استنادا إلى الموقف السياسي لبلده، من بينهم بطل الفنون القتالية المختلطة السابق خبيب نورمحمدوف، المعروف بتأييده للقضية الفلسطينية، الذي نشر عبر حسابه على إنستغرام من خلال خاصية "الستوري" رسالة أوضح فيها الفريق الذي سيشجعه.
من داخل مقصورة كبار الزوار في أحد الملاعب الأمريكية، وبينما كانت الأنظار معلقة على نصف نهائي إسبانيا وفرنسا، سجل مشهد لافت للممثل الإسباني العالمي الحائز جائزة الأوسكار خافيير بارديم، إذ ظهر مرتديا قميص المنتخب الإسباني الأحمر، وهو يمسك بعلم فلسطيني، في لقطة وجه من خلالها رسالة دعم واضحة للفلسطينيين أمام عدسات الكاميرات.
وبدوره، قال حافظ عبد الله عمر ناصف وهو ناشط يمني أن هذه المباراة النهائية واحدة من أكثر الأحداث تداولا، بالتوفيق لإسبانيا!.
وقبل أيام، نشر الصحفي البريطاني الشهير بيرس مورغان تغريدة حادة على منصة "إكس" ردا على احتفال لاعبي الأرجنتين برفع علم جزر فوكلاند بعد فوزهم على إنجلترا في نصف النهائي، وصف فيها اللاعبين بـ"حفنة من الأوغاد عديمي الذوق"، معبرا عن أمله في أن تهزم إسبانيا الأرجنتين هزيمة ساحقة في نهائي كأس العالم 2026، "تمامًا كما هزمناهم في حرب الفوكلاند"، مما أثار موجة واسعة من الجدل والانتقادات على وسائل التواصل.