السياسة الانتخابية في المغرب.. دراسة في الأنساق والوظائف (1963-2026)

 يمثل كتاب "السياسة الانتخابية في المغرب" للدكتورة بثينة قروري إضافة نوعية للمكتبة السياسية المغربية، يتجلى ذلك في عدة جوانب..
يمثل كتاب "السياسة الانتخابية في المغرب" للدكتورة بثينة قروري إضافة نوعية للمكتبة السياسية المغربية، يتجلى ذلك في عدة جوانب..
شارك الخبر
"السياسة الانتخابية في المغرب: دراسة في الأنساق والوظائف" (1963-2026) هو عنوان المؤلف الجديد للباحثة المغربية بثينة قروري، الصادر عن المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، وهي مؤسسة علمية متخصصة في نشر الدراسات القانونية منذ أزيد من 30 سنة.

ويعتبر الكتاب من الإسهامات الأكاديمية الجادة في دراسة الظاهرة الانتخابية المغربية التي جاءت لتسد فراغا معرفيا، وتفتح آفاقا جديدة لفهم مسار التحولات السياسية التي يعرفها المغرب، انطلاقا من مقاربات منهجية مبتكرة، تتجاوز القراءات الوصفية أو القانونية الصرفة، إلى تحليل النسق السياسي في مجمله.

الإطار العام للكتاب وأهميته..

يأتي هذا الكتاب في نحو 500 صفحة، ليرصد مسار التجربة الانتخابية المغربية على مدى يزيد عن ستة عقود، منذ أولى التجارب البرلمانية في ستينيات القرن الماضي، مرورا بالتحولات الكبرى التي أعقبت الربيع العربي ودستور 2011، وصولا إلى آخر المراجعات القانونية التي صاحبت الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في سنة 2026، وهو بهذا يمثل عملا موسوعيا، لا يكتفي بالسرد التاريخي أو الوصف القانوني، بل يقدم تحليلا تركيبيا متكاملا، يستند إلى حقل "السياسات العامة" كإطار لفهم الظاهرة الانتخابية.

إن ما يميز هذه المقاربة، كما يشير إلى ذلك الأستاذ عبد الله ساعف في تقديمه للكتاب، هو أنها تتجاوز الجمود القانوني الذي طبع كثيرا من الدراسات السابقة، وتأخذ بعين الاعتبار السياقات السياسية وضغوطاتها وتحدياتها ورهاناتها، فهي ترى الانتخابات كسياسة عامة بامتياز، تتفاعل فيها المحددات الدستورية والسياسية والقانونية والتنظيمية، في إطار نسقي متكامل، لا يمكن فهم أجزائه بمعزل عن الكل.

الإشكالية المركزية للكتاب والمفاهيم المؤطرة له..

تنطلق الباحثة من إشكالية جوهرية تطرحها على النحو التالي: إلى أي مدى تسهم السياسة الانتخابية، بجميع آلياتها، في وضع المغرب على سكة التحول الديمقراطي؟ وماذا تعني الانتخابات في النظام السياسي المغربي؟

في سياق الإجابة عن هذه الإشكالية، تستعين الباحثة بعدد من المفاهيم التحليلية التي تبلورت في علم السياسة المقارن بعد موجات التحول الديمقراطي، وهي مفاهيم تشير إلى أنظمة سياسية تجري انتخابات دورية تبدو حرة ونزيهة في ظاهرها، لكنها تخلو من جوهر الديمقراطية، وتستخدم كواجهة شرعية لإعادة إنتاج هيمنة النخب الحاكمة، وترى الباحثة أن هذه المفاهيم، بمختلف تسمياتها (الأنظمة الهجينة، شبه الديمقراطية، الديمقراطية الانتخابية، إلخ)، تقدم أداة نقدية مهمة لفهم الانتخابات المغربية، لكنها تظل عاجزة لاستيعاب خصوصية التجربة المغربية، حيث تجري الانتخابات بانتظام، وتخلو غالبا من التزوير الفج، لكنها تظل محكومة بمنطق الضبط والتحكم القبلي، مما يفرز مؤسسات تشريعية مفككة، لا تسمح ببروز أقطاب سياسية قوية قادرة على التعبير الفعلي عن الإرادة الشعبية، وتدعو الباحثة في هذا السياق إلى تجاوز المركزية الغربية في إنتاج النظريات السياسية والانفتاح على أطر نظرية قادرة على فهم واستيعاب أسس الشرعية السياسية في المغرب وسبل تقويتها.

الآليات الثلاث لصناعة النص الانتخابي..

من أبرز ما يقدمه الكتاب تحليله الدقيق للآليات التي تحكمت في صناعة النص الانتخابي المغربي منذ الاستقلال، والتي يمكن إجمالها في ثلاث آليات رئيسية:

أولا ـ الهيمنة الحكومية: حيث ظل القانون الانتخابي يصدر، في الفترة الأولى، بظهائر ملكية، مع احتكار وزارة الداخلية لعملية الإعداد والصياغة، في غياب شبه تام لممثلي الأمة، وقد كرست هذه الآلية نزوعا واضحا نحو هيمنة السلطة التنفيذية، وجعلت النص الانتخابي معبرا عن إرادة الحكومة، أكثر منه ثمرة نقاش برلماني.

ثانيا ـ التحكيم الملكي: عندما كانت الأحزاب السياسية تصطدم بالحكومة، فكانت تتوسل بالتحكيم الملكي، الذي لم يكن في جوهره سوى تعبير عن سمو المؤسسة الملكية، وانتصارا لمنطق الضبط الانتخابي، وتكريسا لصياغة النص من خارج المؤسسة التشريعية.

هذا الكتاب، كما يؤكد الأستاذ ساعف في تقديمه، لا يقدم معرفة وافية لظاهرة الانتخابات في المغرب فحسب، بل يقدم للقارئ والباحث مادة غنية من المعطيات والتحاليل والمؤشرات المقنعة، التي تسمح بفهم أعمق لطبيعة النظام السياسي المغربي، وآفاق التحول الديمقراطي فيه، في عالم متقلب ازدادت تعقيداته. وهو بذلك يمثل مرجعا أساسيا لكل مهتم بالشأن السياسي المغربي، ولكل باحث يسعى إلى فهم ديناميات الانتخابات في سياق الأنظمة الهجينة.
ثالثا ـ آلية التوافق: التي برزت مع بداية التسعينيات، وعبرت في ظاهرها عن رضا الأطراف السياسية على قواعد اللعبة، لكن الباحثة ترى أنها، في الجوهر، لم تسهم إلا في تكريس ضعف المؤسسة التشريعية، وغلبة موازين القوى السياسية على الاعتبارات القانونية الموضوعية، ومع التحضير لانتخابات 2021 ثم 2026، بدأت هذه الآليات في التراجع لصالح إرادة الأغلبية البرلمانية، التي تعكس بشكل ضمني إرادة السلطة الحكومية المكلفة بالانتخابات.

أهم المحددات القانونية والتنظيمية..

يولي الكتاب اهتماما خاصا بتفكيك المحددات القانونية والتنظيمية التي تبدو تقنية وحيادية، لكنها تخفي في طياتها خيارات سياسية عميقة، ومن أهمها التقطيع الانتخابي حيث يؤكد الكتاب، انطلاقا من تحليل دقيق للممارسة منذ أول مرسوم للتقطيع، أن هذه العملية ليست إجرائية بقدر ما هي سياسية بالدرجة الأولى، فقد ظل رسم الدوائر الانتخابية أداة للتأثير في النتائج، وترجيح كفة بعض الألوان السياسية، وضمان الحضور القوي للعالم القروي، الذي وصفه الباحث الفرنسي ريمي لوفو بأنه "مجال مدافع عن العرش"، كما ينتقد الكتاب استحالة عرض التقطيع الانتخابي على القضاء الدستوري، مما يجعله منفلتا من أي رقابة قضائية، ويطرح سؤالا مشروعا حول أسباب إصرار الحكومة على اعتماده بواسطة مرسوم وليس بقانون.

ثم نمط الاقتراع، بحيث يصف الكتاب اختيار نمط الاقتراع بأنه اختيار سياسي بامتياز، وليس مجرد حل لمشاكل تقنية، فالنمط المعتمد في المغرب، وفق التحليل، يساهم في "بلقنة" المشهد الحزبي، ويجعل من المستحيل على أي قوة انتخابية الحصول على الأغلبية المطلقة، وهو ما يفرز مؤسسات تشريعية مفككة، لا تسمح بظهور أقطاب سياسية قوية، ويخدم بالتالي استراتيجية التمييز بين التمثيلية العليا للملك والتمثيلية الدنيا للفاعلين الانتخابيين.

ثم تمويل الحملات الانتخابية ودور القضاء، بحيث يشير الكتاب إلى أن الفراغات القانونية في مجال تمويل الحملات تتيح للمال السياسي التأثير في العملية الانتخابية، مما يمس بنزاهتها ومصداقيتها، كما ينتقد محدودية دور القضاء الدستوري، الذي يظل اختصاصه مقيدا بمرحلة ما بعد إعلان النتائج، ولا يتغلغل في مراحل حاسمة مثل التقطيع الانتخابي وفحص الدفوعات المتعلقة بتجاوز سقف النفقات.

الخلاصات الأساسية للكتاب

يخلص الكتاب إلى مجموعة من النتائج والاستنتاجات المهمة، أبرزها أن الانتخابات في المغرب، رغم انتظامها، تظل بحاجة إلى تطوير جذري يعزز تنافسيتها الحقيقية، ويجعلها مدخلا فعليا للتحول الديمقراطي، بدلا من أن تكون أداة لإعادة إنتاج الوضع القائم، كما أن التعديلات القانونية المتكررة، وهيمنة السلطة التنفيذية على صناعة النص الانتخابي، وغموض معايير التقطيع الانتخابي، كلها عوامل تساهم في إنتاج مؤسسات تشريعية ضعيفة ومفككة. ةتخلص الباحثة إلى أن دستور 2011، ورغم المكاسب التي تضمنها، لم يشكل قطيعة مع أنماط المشروعية التقليدية، ولم يترجم بالكامل إلى ممارسات سياسية جديدة، خاصة فيما يتعلق بتحقيق انتخابات حرة ونزيهة حقا، ولا زالت السمة الغالبة على التجربة الانتخابية المغربية هي ما يمكن وصفه بـ"السلطوية الانتخابية"، حيث تجري الانتخابات وفق معاييرها التقنية والإجرائية، لكن جوهر الديمقراطية، المتمثل في التداول الفعلي على السلطة والمساءلة والمشاركة الحقيقية، يظل تحديا حقيقيا.

في المحصلة..

 يمثل كتاب "السياسة الانتخابية في المغرب" للدكتورة بثينة قروري إضافة نوعية للمكتبة السياسية المغربية، يتجلى ذلك في عدة جوانب، منها فرادته المنهجية: بتجاوزه المقاربات الجزئية والوصفية، إلى تحليل نسقي شامل، يستند إلى أحدث مقاربات علم السياسة في مجال تحليل السياسات العامة، وغزارة مادته العلمية من خلال رصده لتطور القانون الانتخابي على مدى أكثر من ستة عقود، وتحليله للمحددات المتعددة للسياسة الانتخابية، وتفكيكه لآليات اشتغالها الخفية، وجرأته التحليلية بطرحه لإشكالية "السلطوية الانتخابية" في السياق المغربي، وقراءته النقدية لدور المؤسسات، والكشف عن التناقض بين الشكل الديمقراطي للانتخابات وجوهرها السياسي.

هذا الكتاب، كما يؤكد الأستاذ ساعف في تقديمه، لا يقدم معرفة وافية لظاهرة الانتخابات في المغرب فحسب، بل يقدم للقارئ والباحث مادة غنية من المعطيات والتحاليل والمؤشرات المقنعة، التي تسمح بفهم أعمق لطبيعة النظام السياسي المغربي، وآفاق التحول الديمقراطي فيه، في عالم متقلب ازدادت تعقيداته. وهو بذلك يمثل مرجعا أساسيا لكل مهتم بالشأن السياسي المغربي، ولكل باحث يسعى إلى فهم ديناميات الانتخابات في سياق الأنظمة الهجينة.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم