"الثورة والهشيم".. سيرة الديمقراطية التونسية من داخل التجربة.. كتاب جديد

يُعتبرُ الكتاب وثيقة تاريخية مهمة وذلك لأنه يعرض ويناقش أهم القضايا التي شغلت الرأي العام في عشرية الانتقال الديمقراطي في تونس..
يُعتبرُ الكتاب وثيقة تاريخية مهمة وذلك لأنه يعرض ويناقش أهم القضايا التي شغلت الرأي العام في عشرية الانتقال الديمقراطي في تونس..
شارك الخبر
الكتاب للأستاذ نورالدين الغيلوفي ومن إصدار دار العلوي للنشر والتوزيع سنة 2025 ويقع في 208 صفحات. صدر الكتاب ضمن سلسلة " الثورة تكتبُ سيرتها" والتي ضمّت كتابات للحبيب بوعجيلة وكمال الشارني وعبد اللطيف العلوي ونورالدين الغيلوفي .

يُعتبرُ الكتاب وثيقة تاريخية مهمة وذلك لأنه يعرض ويناقش أهم القضايا التي شغلت الرأي العام في عشرية الانتقال الديمقراطي في تونس، كما نجد فيه رصدا للأحداث الكبرى التي شهدتها تونس في تلك الفترة إضافة إلى ذكر أسماء أهم الفاعلين سواء كانوا  نقابيين أو رجال سياسة أوأكادميين، كما لا يغفل الكاتب عن ذكر بعض الأصوات والأقلام التي يُحمّلها المؤلف مسؤولية انهيار التجربة الديمقراطية في تونس.

"الهشيم" كناية على النخبة التي حدثت في زمانها الثورة التي نزلت، حسب الكاتب، بوادى غير ذي زرع. لقد أدركت الثوراتُ الناجحةُ النخب في شبيبتها، وصادفت الثورةُ التونسيةُ النخبة على كِبر، فمزّقتها بما تعودت من دهرها من الصراعات الأيديولوجية وأهدرت بذلك فرصة تاريخية لتحرر البلاد واستقلالها وبناء نموذج جاذب ومنارة هادية لكل الأمة عسى أن تستفيق وتنهض.
"الهشيم" كناية على النخبة التي حدثت  في زمانها الثورة التي  نزلت، حسب الكاتب، بوادى غير ذي زرع. لقد أدركت الثوراتُ الناجحةُ النخب في شبيبتها، وصادفت الثورةُ  التونسيةُ النخبة على كِبر، فمزّقتها بما تعودت من دهرها من الصراعات الأيديولوجية وأهدرت بذلك فرصة تاريخية لتحرر البلاد واستقلالها وبناء نموذج جاذب ومنارة هادية لكل الأمة عسى أن تستفيق وتنهض.

ينقسمُ الكتاب إلى خمسة عشرة مقالا يرتَبها الكاتب  ضمن خمسة فصول:  فصل  في تقريظ الثورة والدفاع عنها، وثان  في نقد النخبة الوظيفية التي ركبت على ظهرها الثورة المضادة، وثالث يُفرده الكاتب لبيان الدور الهدام  الذي قام بها الاتحاد العام التونسي للشغل خلال تجربة الانتقال الديمقراطي، ورابع يخصصه لنقد الإعلام وخدمته للثورة المضادة، وأخيرا فصل  ينقد فيه القوى المحمولة على الثورة والمنوط بها إنجاح تجربة الانتقال الديمقراطي.

يفتتحُ المُؤلفُ كتابه بنص يُعنونه بـ "البوعزيزي،إاني أوقدت نارا" حيث يستنفرالكاتب  مخزونه القرآني وعُدته من الرموز والأساطير العربية والإنسانية فيتماهى النص ومفرداته مع حدث انطلاق شرارة الثورة، فتلتقي "نار" البوعزيزي مع "عار" الاستبداد فتُطهّر الإنسان من الخوف والقهر ويقبسُ من نور  الثورة و"يجد على النار هدى". يلتقي "نيرون" مع الشابي وشعبه الذي أراد الحياة، فيفِرُّ الأول وينتصر الثاني. لقد كانت ثورة سببها العار و بدايتها نار ونهايتها فرار.

يُفرِدُ الكاتب فصلا كاملا للنخبة الثقافية والأكاديمية التي رذّلت الثورة والتجربة الديمقراطية بسسب كونها فتحت الباب للإسلاميين فشاركوا في الحكم عبر الانتخابات.

يصف الكاتب هذه النخبة بـ "الطائفية" و"الوظيفية" ونجد في الكتاب اهتماما خاصا بما كان يكتبه الصغير أولاد أحمد ونزيهة رجيبة والفة يوسف ونايلة السليني ويوسف الصديق.

تكمنُ طائفية هذه النخبة حسب الكاتب في كونها تُقسم الشعب الي "نحن" و"هم"، وتعتبر نفسها ناطقة باسم النحن التي تعبر عن الشعب التونسي، أما "هُم" فتعبر عن الإسلاميين الذين تنعتهم هذه النخبة بـ "الظلاميين"  و"الدّخلاء" عن الشعب التونسي .

يعطينا الكاتب العديد من الأمثلة على هذا التقسيم الخطير للشعب الذي اتخذت منه تلك النخبة استراتيجيا لخلق الصراعات الحادة التي أودت في الأخير بالتجربة الديمقراطية، ومنها رسالة نزيهة رجيبة لراشد الغنوشي "رسالتي هذه لا تتوجه إليك باعتبارك حاكما لتونس مقبولا بحكمه مُعتَرَفا بسيادته بل باعتبارك دخيلا على هذا الحكم". أما عندما أقرّ المجلس الوطني التأسيسي فصلا يقضي بإحداث صندوق لجبر ضرر ضحايا الاستبداد فلم تر نزيهة رجيبة في ذلك فعلا ثوريا وأخلاقيا تُردُّ به الحقوق وتُرفع به المظالم وتتحقق به العدالة وإنما قالت "هذه ليست أول مرة يستبيح فيها حزب حاكم مقدرات الدولة ليرشو محاسيبه وأتباعه".

أما وظيفيّة هذه النخبة فتكمن حسب الكاتب في عملها طيلة سنوات لصالح القوى المعادية للثورة والديمقراطية سواء في الداخل أو في الخارج، وهي القوى التي استغلت الصراعات الأيديولوجية الحادة التي أنتجتها تلك النخبة وأجهزت على التجربة الديمقراطية الوليدة في 25 يونيو 2021.

يُفردُ المؤلفُ فصلا كاملا من كتابه يُخصصه للاتحاد العام التونسي للشغل وذلك لأن هذه المنظمة كانت "أكبر قوة في البلاد" قادت عملية الإجهاز على  تجربة الانتقال الديمقراطي.

يرصدُ الكاتبُ سلوك قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل خلال الثورة ويكشف عن مدى استماتتها في تهدئة الأوضاع في المناطق التي انطلقت منها الثورة مثل تالة وسيدي بوزيد والقصرين وذلك خدمة لبن علي وحفاظا على نظامه، وهو معطى سوف يُؤكده بعد عقد من الزمن السيد الحسين العباسي في كتابه "تونس والفرص المهدورة".

أما خلال فترة الانتقال الديمقراطي فقد استنزفت قيادة الاتحاد البلاد والعباد بآلاف الإضرابات والاعتصامات وأصبح الاتحاد بمثابة القيادة المركزية للمعارضة، وصاغ بمعية الإعلام وباقي المنظمات خطابا يقوم على التهويل المُتعمّد وعلى مفردات الأزمة والانهيار ليُبرر تدخله الدائم عبر ما يسميه "المبادرات" و"الحوار الوطني" و"الإنقاذ".

يُذكرنا الكاتب بهذا التهويل المُغالطي والتصوير الكارثي الذي اتخذت منه قيادة الاتحاد بارودها المفضل لقصف الديمقراطية الناشئة وذلك في نص "المبادرة" التي قدمها الاتحاد إلى الباجي قايد السبسي، حيث نجد المفردات التالية: "أزمة غير مسبوقة، وضع في منتهى الخطورة، زاد الأمر تأزّما وتعقيدا،عدم الشفافية، الاحتقان،  التوتر، فقدان الثقة، الخوف من المستقبل، الانخرام التام للمناخ السياسي، مشاعر الإحباط والنفور، العجز، ازداد ضعف الدولة وعجزها، تقهقر صورة تونس،  التراجع الرهيب للاستثمار الخارجي والداخلي، تفكك الدولة وانفجار الأوضاع".

يُخصصُ المؤلفُ الفصل الرابع من كتابه إلى الإعلام، أحد أخطر الأدوات الوظيفية التي  دمرت التجربة الديمقراطية التونسية. لقد ظل الإعلام التونسي مُستعبدا للسلطة من زمن بورقيبة إلى آخر يوم في عهد بن علي، وحين اعتقته الثورة وأعطته لسانا وسلطة طفق يمتهن التزييف والكذب ويسخر من الثورة ويصفها بالمؤامرة، فبرع بعض الإعلاميين في التلبيس على الناس وقلب الأقوال وتركيب الفيديوهات كما فعل الإعلامي  حمزة البلومي مع الرئيس منصف المرزوقي. لقد كان الإعلام في حربه ضد الإسلاميين يُهيئ للخراب الكبير وقتل السياسة وإغلاق قوس الحرية التي يتغذى منها الإعلام نفسه  ولا تقوم له قائمة إلا بها.

إن عدم حل ملفات الشغل والصحة والنقل هو ما جعل عامة الناس تشعر بأن الديمقراطية ترف نُخبوي لا يعنيهم، وهذا يُفسّر لنا كيف أصبح الناس لقمة سائغة للخطاب الشعبوي الذي استثمر في التقسيم بين الشعب والنخبة.
ينتهي الكتاب بفصل خامس يخصصه المؤلف للأحزاب السياسية ودورها في فشل التجربة الديمقراطية. يبدأ الكاتب بحركة النهضة ويُحصي أخطاءها في ثلاث نقاط: لقد كانت عاجزة ومرتبكة نتيجة الصورة التي تركها عنها بن علي  وأجهزة دعايته. هذا الارتباك هو ما جعلها تُنتحَبُ ولا تحكم وتكتفي "بالنظر إلى الماء يجري من تحتها". وأما النقطة الثانية حسب الكاتب فهي فشل حركة النهضة في تحصين الثورة وتحصين الدولة وتحصين نفسها. أما  الثالثة فهي  خطيئة  الأولوية التي منحتها النهضة للجانب السياسي والمؤسساتي على حساب الجانب الاجتماعي والاقتصادي.

إن عدم حل ملفات الشغل والصحة والنقل هو ما جعل عامة الناس تشعر بأن الديمقراطية ترف نُخبوي لا يعنيهم، وهذا يُفسّر لنا كيف أصبح الناس لقمة سائغة للخطاب الشعبوي الذي استثمر في التقسيم بين الشعب والنخبة.

يُخصصُ الكاتب للحركة القومية في تونس مقالين يرى فيهما أن هذه الحركة قد ارتكبت حماقة تاريخية في حربها الأيديولوجية ضد الإسلاميين، وهي حرب ورثتها من الصراع الناصري مع الإخوان في ستينات القرن الماضي. هذا الصراع  العبثي هو ما منع من تشكيل جبهة تحرر وطني مُشكلة من الإسلاميين والقوميين واليسار الاجتماعي والوطني. أما مساندة الحركة القومية لانقلاب 25 يونيو 2025 فيعتبره الكاتب خطيئة تاريخية: لقد كانت هذه الحركة مقموعة ومنبوذة طيلة زمن بورقيبة وبن علي ولم تشارك في الحياة السياسية إلا بفضل الديمقراطية التي أوصلتها إلى مجلس النواب ومنحتها حقائب وزارية ومع ذلك اعبرت تلك الفترة التي شاركت فيها "عشرية سوداء" وساندت الانقلاب على الديمقراطية ولم تجن منه شيئا أكثر من تثبيتها على نفسها صفة "الانقلابية" والاستبداد ومعاداة الديمقراطية. 
التعليقات (0)