عندما ينام العالم أمام غزة.. شهادة ألبانيز على سقوط الضمير الدولي.. كتاب جديد

تجسد فلسطين ما حدث في المستعمرات السابقة، حيث عانت الشعوب من التمييز بسبب هويتها الأصلية.
تجسد فلسطين ما حدث في المستعمرات السابقة، حيث عانت الشعوب من التمييز بسبب هويتها الأصلية.
شارك الخبر
الكتاب الذي بين أيدينا اليوم "عندما ينام العالم: قصص وكلمات وجراح فلسطين"، نشر الكتاب أولا في إيطاليا، ثم نشر في ترجمته الإنجليزية في إبريل نيسان، 2026. وهو كتاب يستصرخ العالم كله أن يستيقظ لنصرة غزة وفلسطين ومحاسبة إسرائيل والمتواطئين معها على جرائمهم التي لا تسقط بالتقادم ولا يحتويها النسيان. وترفض كاتبته تبرئة المجتمع الدولي. فهي لا توثق انتهاكات إسرائيل فحسب، وإنما أيضاً التواطؤ الفعال والسلبي للحكومات والمؤسسات الغربية التي مكّنت من وقوع هذه الفظائع. وتنتقد الأمم المتحدة، وتقول: إنها أُنشئت لمنع تكرار فظائع كالمحرقة. واليوم، تقف أمام إبادة غزة شلاء مكتوفة الأيدي بفعل القوى نفسها التي خلقتها.

والكتاب رحلة شخصية وإدانة سياسية في آن واحد. إنه يجبر القارئ على مواجهة سؤال بسيط ولكنه مدمر: إلى متى سيظل العالم غافلاً بينما تحدث الإبادة الجماعية في الوقت الحقيقي؟

لقد صدر الكتاب في عصرٍ بات فيه التحدث علنًا عن جرائم إسرائيل يُهدد مسيرة المرء المهنية وسمعته وسلامته الشخصية. ويُعدّ ثبات ألبانيز أمرًا لافتًا. فقد واجهت حملات تشويهٍ لا هوادة فيها، وتشهيرًا، بل وحتى عقوباتٍ أمريكية لمجرد قيامها بعملها. وصنفتها الحكومة الأمريكية ضمن فئة لا تضم إلا عتاة المجرمين، ومنعتها هي وأسرتها من التصرف في أموالهم. ومنعت نشر كتابها. ورغم ذلك، ذاع صيت الكتاب، وترجم إلى 18 لغة من الإيطالية الأصلية.

تستذكر ألبانيز في كتابها سنوات إقامتها في القدس، ورحلتها الشخصية والمهنية نحو فهم النضال الفلسطيني، وتُشيد بعشرة أشخاصٍ أثروا فيها تأثيرًا عميقًا، وإن لم تكن قد اتقت ببعضهم، منهم الطفلة الشهيدة هند رجب، والطفل الشهيد محمد التميمي ابن العامين، وصولًا إلى علماء يهود بارزين كان لهم دورٌ مهم في توجيهها: المهندس المعماري الشرعي إيال وايزمان، وخبير الصدمات النفسية غابور ماتي، ومؤرخ الهولوكوست الراحل ألون كونفينو الذي تحدى السرديات المبسطة وأصر على أن القضية الفلسطينية يجب أن تعامل كقضية سياسية تحل عبر القانون الدولي، لا كأزمة إنسانية.

إن استمرار ألبانيز بثباتٍ ودقةٍ والتزامٍ أخلاقي - يُضفي على عملها مزيدًا من القوة. وكتابها شهادةً وتحذير: الصمت في وجه الإبادة الجماعية ليس حيادًا، بل هو تواطؤ. وهي تقدم في كتابها طريقا لاستيقاظ للبشرية وتحررها من عالم يسمح قادته ويدعمون  إبادة شعب، لأنه عالم غير آمن ومهين لنا جميعا، ويجب أن نتحرك.

حقيقة النظام العالمي ودور إسرائيل فيه

تقول ألبانيز: بالنسبة لي، كانت فلسطين كاشفة عن حقيقة النظام العالمي. فهي كانت مركزه، والضحية الأبرز فيه. نحن لم نستيقظ فجأة في عالم تهيمن عليه الولايات المتحدة، وخاصة العالم الذي ننتمي إليه سياسيًا وعسكريًا واستراتيجيًا. وإسرائيل هي امتداد لهيمنتها والقوة الغربية في الشرق الأوسط. قد لا يروق هذا القول للإسرائيليين، إذ لا يدركون مدى استغلالهم من أجل مصالح تتجاوز مصالحهم ومصالح البشر جميعًا.

مشروع "ريفييرا غزة" مجرد تشتيتٍ للانتباه. فلا أحد يُخطط حقًا لإنشاء ريفييرا في غزة مُهمّشة ومهشمة وغير صالحة للعيش. وما تُجيده إدارة ترامب هو التأثير النفسي على الناس. ففي كل يوم، يستيقظ العالم على تصريح صادم جديد، لأن مستوى ضبط النفس أو انعدامه لديه لا يُضاهى ولا يُقاس. وهذه طريقته لصرف انتباهنا عن الخطط الحقيقية: تهجير الفلسطينيين ، واستخدام غزة لتحقيق خطة نتنياهو بمدّ خط أنابيب غاز من الخليج إلى البحر المتوسط . ومهما كانت خطتهم، فهي غير قانونية وغير أخلاقية وغير مسؤولة.
قد تميل الشعوب إلى التفكير من منظور الدول الديمقراطية والاستبدادية بأنها صانعة القرار. لكن الحقيقة، أن الدول اليوم هي ليست صانعة القرار. فهي أكثر من أي وقت مضى، تستجيب لمصالح معينة، اقتصادية وعسكرية ومالية، مرتبطة بأصحاب النفوذ الرئيسيين في العالم. وهذا ما تؤكده الأرقام. قد يبدو الكلام كنظريات مؤامرة لمن لا يعرفون الكثير عن عدم المساواة في العالم. ولكن معهد توماس بيكيتي يشير في أحدث تقاريره عن عدم المساواة، التي وجدتها صادمة ومذهلة، وهي أن نصف سكان العالم يحتفظون بثلث الثروة التي يحتفظ بها 50 ألف شخص فقط. أكرر، 50 ألف شخص في العالم يحتفظون بثلاثة أضعاف الثروة التي يحتفظ بها نصف سكان العالم.

كيف يُعقل هذا؟ من هؤلاء؟ من الواضح أنهم ليسوا أفرادًا عاديين، بل هم من يحتكرون مراكز القوة، وهم مرتبطون بالصناعات التي تسيطر على الموارد الطبيعية، والصناعات العسكرية، والمراقبة، والمعاملات المالية من شركات وبنوك وصناديق تقاعد. هذه هي القوى الرئيسية لخمسين ألف شخص. واليوم، هناك أيضًا شركات التكنولوجيا العملاقة. إنها احتكارات فوق القانون. وعندما تحاول مقاضاتها، تغرق في المشاكل والقضايا والمسائل القانونية.

التناول الإعلامي والدبلوماسي الغربي لمأساة غزة وفلسطين

تنتقد ألبانيز بشدة الصحافة الغربية والدبلوماسيين في العالم، لخلقهم شعوراً زائفاً بالمساواة في تناولهم للقضية الفلسطينية. وكأن الفلسطينيين، الذين لا يملكون شيئا مما تملكه إسرائيل من قوة، يقفون على قدم المساواة مع مُحتليهم. ولا يمكن لأي نظام إخضاع سيطرة الإسرائيليين، أو تحكمهم في الحيز الفلسطيني: البر والبحر والفضاء، أو منعهم بشكل هيكلي لتدفق السلع الأساسية للحفاظ على الحد الأدنى من مستوى المعيشة للفلسطينيين. وإن استخدام كلمات مثل الحرب والصراع يُخفي الحقيقة، ويُقدم صورة زائفة للواقع. ولا يمكن إيقاف نظام الفصل العنصري الإسرائيلي والإبادة الجماعية التي يرتكبها إلا بالاعتراف بها وفهمها.

ومما يقلق  للغاية هو دور وسائل الإعلام في التغطية على جرائم إسرائيل. ففي مقطع فيديو عرضتُه على بي بي سي عن الدكتور أبو صفية، مدته دقيقتان أو ثلاث. وبدلاً من أن تطرق المذيع إلى تعذيب الطبيب وسوء معاملت البادية بوضوح عليه، واحتجازه دون تهمة ، وأنه عرضة للقتل؛ قال صحفي بي بي سي: "لطالما شككتُ في انتمائه لحماس"، وكررها مرات عديدة. لذا، لا يملك الجمهور الغربي فرصة فهم ما يحدث لأن وسائل الإعلام ضخمت الرواية الإسرائيلية. وهذه ليست صحافة؛ بل تواطؤ مع دعاية إبادة جماعية.

قضية حسام أبو صفية والأسرى والأسيرات الفلسطينيين

إن وضع أبو صفية خطير ومؤلم للغاية. ومدى ما يعانيه رجل محتجز بصورة غير قانونية، دون توجيه أي تهمة إليه، ودون محاكمة، ووجود آثار تعذيب عليه. وما حدث له أمر لا يُصدق، وقضيته لها ثلاثة أبعاد:

1 ـ البعد الشخصي: طبيب مرموق للغاية، تعرض للإصابة، وقُتل أحد أبنائه خلال الحرب. ومع ذلك، بقي في عمله. وحوصر في مستشفاه. وقال: "لا أستطيع ترك مرضاي". واضطر في النهاية للاستسلام لتجنب مداهمة المستشفى. وهو محتجز دون أي تهمة. وفقد نصف وزنه. وأصبح هزيلاً. وما حدث معه جزء لا يتجزأ من هجوم إسرائيلي متواصل على الكوادر والمرافق الطبية التي دُمرت بالكامل، بهدف ضمان عدم شفاء الفلسطينيين المحاصرين في كابوس غزة مهما كانت جراحهم أو أمراضهم.

2 ـ التعذيب سياسة ممنهجة للاحتلال: تعذيب الفلسطينيين جريمة موثقة توثيقًا دقيقًا. ففي يناير 2024، أبلغتُ مع المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة، عن حالات عنف شديد وإساءة معاملة واغتصاب تتعرض لها السجينات. وصدرت إدانات من منظمات حقوقية إسرائيلية تدين التعذيب في السجون الإسرائيلية. وفي 2025، وثّقت "اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب" لجوء إسرائيل إلى التعذيب كسياسة دولة. وصنّفته لجنة "إسرائيل وفلسطين" كعمل من أعمال الإبادة الجماعية.

3 ـ إفلات إسرائيل من العقاب: تُشنّ إسرائيل حملة واسعة لإستعادة رهائنها. ولكن، لماذا لا توجد حملة لإعادة الرهائن الفلسطينيين إلى ديارهم، وعددهم يفوق أكثر من عشرة آلاف شخص؟ وهذا يُشير إلى الانحلال الأخلاقي للقيادة العالمية، وإلى استمتاع الكثيرين منّا باللامبالاة.

إسرائيل وتدمير القطاع الطبي في غزة

إنّ تعذيب وقتل ما يقرب من ألف عامل صحي هو عنصر أساسي في تدمير نظام الرعاية الصحية. من الممكن إعادة بناء مستشفى الشفاء في غضون عامين؛ ولكن، يستغرق تدريب طبيب واحد اثني عشر عامًا. وهناك احتياجات ملحة لغزة من الأطباء الأخصائيين، فلا يوجد أطباء مؤهلون لإجراء عمليات جراحية طارئة. وتزيد احتمالية مقتل العامل في مجال الرعاية الصحية فيها مرتين ونصف عن أي شخص آخر. وتحتجز إسرائيل ثمانية عشر جراحًا فلسطينيًا. وتعرض الدكتور عدنان البرش للتعذيب حتى الموت. مما يطرح سؤالًا عن هذه الوحشية ضد العاملين في المجال الطبي، والذين هم مُستثنون تمامًا من معاملتهم كمقاتلين.

جرائم إسرائيل ضد أطفال فلسطين قبل الحرب وأثناءها

تقول ألبانيز: قبل حرب غزة حضرتُ عدة محاكمات لقاصرين. أُحضر الأطفال إلى قاعة المحكمة مكبلين بالسلاسل. وشعرتُ كأنهم قادمون من معسكرات العبودية والعمل القسري. وفي جلسات استماع لم تستغرق سوى دقائق معدودة. غالبًا ما كان القاضي يتجاهلهم تمامًا. يقرأ التهمة: إلقاء الحجارة، ثم يصدر الحكم: سنتان أو ثلاث في السجن. هذا إذا كان القاضي متساهلًا! لأن عقوبة رمي الحجارة تصل 10 - 20 سنة، إذا كان القصد إيذاء شخص ما. نحن نتحدث عن أطفال سنهم 12- 14 عامًا، بل كان هناك أطفال لا تتجاوز أعمارهم 5 - 6 سنوات يُقتادون بشاحنات إسرائيلية، ربما لم يُحتجزوا، بل استُجوبوا ثم أُعيدوا إلى منازلهم.

في حرب غزة ، بلغت الحرب على الأطفال أبعادًا كارثية في غزة، حيث يُقتلون برصاص القناصة. وما رأيته يحدث منذ أكتوبر 2023 هو أمرٌ مختلف تمامًا، جثث الأطفال تُقطّع إلى أشلاء، أو تبقى جثثهم معلقة على الجدران كأن الجدران معاطفلها. غزة هي المكان الذي يضم أعلى نسبة في العالم من الأطفال الأيتام والأطفال مبتوري الأطراف. هناك مجاعة وبؤس وسوء تغذية وتقزم لم يبدأ في أكتوبر 2023، بل هو مستمر منذ عقود. السبيل الوحيد هو أن نقول كفى لعنف إسرائيل، وأن ندع الأطفال يستمتعون ببعض الحياة.

تجربتي مع الأطفال الفلسطينيين تجربة جميلة ومُلهمة؛ لكن هؤلاء الأطفال يحملون أعباءً وهمومًا لا يُطيقها أي طفل. لم تكن هناك فرصة ليتمتعوا بطفولة حقيقية. إنهم يواجهون خطر هدم منازلهم ومدارسهم، ومقتل أو اعتقال معلميهم وآبائهم، وعودتهم كالأموات بعد تعرضهم للضرب والتعذيب، وأحيانًا الاغتصاب. وهكذا، تتلوث حياة الطفل الفلسطيني بالعنف، وتتضاءل آفاق الأمل شيئًا فشيئًا.

أطفال نضجوا قبل الآوان

تقول ألبانيز: عندما تجد طفلًا في العاشرة أو الثالثة عشرة من عمره يتحدث عن حقوقه في التعليم والغذاء والصحة، فتقول، ربما يكون قد تم تعليمه التحدث بهذه الطريقة لأنه اضطر لمقابلتي. لكنني التقيت بهؤلاء الأطفال مرارًا وتكرارًا، وقضيتُ صيف ٢٠٢٤، اتحدث يوميًا مع أطفال فلسطينيين. وسبب معرفتهم الواسعة أنهم أُجبروا على النضوج بسرعة كبيرة. وحقيقة أنهم يتحدثون كمحامين شباب أمرٌ يُثير القلق، نابعٌ من اليأس. إنهم يحاولون البقاء آمنين، وأن يتمتعوا بصحة نفسية جيدة، في عالم ظالم لهم بشكلٍ فظيع.

إسرائيل والتمويه الإنساني

دأبت إسرائيل على طمس التمييز بين المدنيين والمقاتلين. أما ما فعلته في حرب غزة قد فاق ذلك. إنه هو تمويه إنساني استغلت فيه مفاهيم القانون الإنساني الدولي، وقلبتها رأسًا على عقب. حتى تقدم رواية أكثر إقناعًا على المستوى الدولي، ولتقليل الانتقادات. فاتهمت كل من في غزة بأنه حماس، وأنه إرهابي أو شريك في الإرهاب. وادّعت أن المستشفيات مقرات لحماس. ونشرت فيديو ادعت فيه وجود مقر لحماس تحت مستشفى الشفاء؛ وهو ماثبت كذبه بعد ذلك.  وادعى الجنرالات الإسرائيليون أنهم وجدوا بمستشفى الشفاء جدول لهجمات حماس؛ والذي كان في الواقع مناوبة طبية، لمجرد أنه مكتوب باللغة العربية، مما سهّل إقناع الجمهور بأنه خطة لحماس.

وهكذا أقنعت إسرائيل الجهلة، أو ذوي النزعة المتحيزة بطبيعتهم، بأن كل طبيب قد يكون إرهابيًا، وبالتالي يستحق العقاب والاعتقال والتعذيب والقتل. وأنه لا يوجد مدني بريء في غزة على حسب قول العديد من القادة الإسرائيليين. وبالتالي، عانى جميع المدنيين من معاملة شملت التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء، مما يُعدّ انتهاكًا صارخًا للنظام القانوني الإنساني الدولي. ولأن العاملين في المجال الطبي والمستشفيات محميين بموجب القانون الإنساني الدولي كونهم مدنيين، ويؤدون دورًا بالغ الأهمية والحيوية في استمرار تقديم الرعاية الطبية في ظلّ النزاعات. وكان هذا السبب تحديدًا الذي دفع إسرائيل لاستهداف النظام الطبي لحرمان سكان غزة من أيّ سبيل للانتصاف أو الدعم الطبي. وهاجمت المستشفيات، ثم أنكرت مسؤوليتها فورًا. إن السماح لها بتدمير القانون الدولي دون عقاب، يُدمر أسس النظام القانوني الدولي.

إسرائيل تمنع وصول الحقيقة إلى العالم أو تزيفها

تقول ألبانيز: لكي تمنع وصول الحقيقة للعالم، فإنها قتلت أكثر من مئتين وخمسين صحفيًا فلسطينيًا، معظمهم ضحايا اغتيالات مُستهدفة، إذ هم الوحيدون الموجودون في غزة. وعلى كل من يشعر بالتعاطف مع إسرائيل بسبب المحرقة أن يقرأوا بتمعن عن حقيقة المحرقة، وكيف عومل اليهود قبلها وبعدها؟ ومنذ الستينيات، هناك تلاعبٌ كبيرٌ بذاكرة المحرقة لخدمة الأجندة الصهيونية. وإن ما يحدث للفلسطينيين يشبه الهولوكست إلى حد كبير. ونحن في ٢٠٢٦، لدينا إطارٌ قانونيٌ كان من المفترض أن يمنع بعض مظاهر التدهور والانهيار الأخلاقي في ضوء ما حدث في الماضي. وضَخّم الإعلام الغربي الرواية الإسرائيلية، ونقل الأكاذيب الإسرائيلية على أنها حقائق، وساهم في تصوير الفلسطينيين كجزءٍ من المشكلة التي يجب القضاء عليها.

المأزق الأخلاقي والقيمي للنظام العالمي الجديد

الأزمة في غزة عرض من أعراض أزمة عالمية. وهذا يثير الخوف، ويجب أن يمنحنا الشجاعة. فالنظام الذي يقمع الفلسطينيين، هو تحالف راسخ بين إسرائيل وجميع الدول الأخرى التي تضمن لها نخبها الإفلات من العقاب الذي لطالما تمتعت به، وهو نفسه النظام الذي ننتمي إليه، وهو:

1 ـ من يقرر نيابةً عنا في قضايا مصيرية لحياتنا دون أن يُصغي إلينا أو يمثلنا.

2 ـ يحوّل الوظائف إلى عمل جزئي مؤقت، والحقوق إلى امتيازات، ويجعلنا أكثر هشاشةً وانعدامًا للأمان.

3 ـ يعتبر التضامن عملًا تخريبيًا، والتعاطف شكلًا من أشكال الخلل النفسي والاجتماعي.

4 ـ ويحجب صوت الحقيقة عن مواطنيه.

العقاب على تقرير "من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية"؟

تقول ألبانيز: عاقبتني الولايات المتحدة على تقرير، "من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية"، لأنه كشف عن ثلاثة أشياء خطيرة أخبرتنا بها فلسطين:

1 ـ من المستفيد من إبادة غزة؟ شرح التقرير للعالم أنه بينما كان اقتصاد إسرائيل ينهار؛ كانت بورصة تل أبيب ترتفع، وتتضاعف قيمتها ثلاث مرات. إذن، هناك من يستفيد من الإبادة الجماعية، الصناعات العسكرية والتكنولوجية، الإسرائيلية والأمريكية، فجميعها مترابطة.

2 ـ هشاشتنا جزء من هذا النظام: المنتجون والمستهلكون جزء من هذه الإبادة. إنهم يضطرون للاختيار بين إنتاج أسلحة تُستخدم لقتل الأطفال وبين البقاء عاطلين عن العمل.

3 ـ قدرتنا على تغيير هذا النظام: وهذا ما تُخبرنا به فلسطين. فمن خلال المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات نستطيع الحدّ من التواطؤ مع إسرائيل. فقد رفض عمال الموانئ الإيطاليين تحميل الأسلحة على السفن الإسرائيلية. وهذا هو المجال الذي يجب أن نركز فيه كل جهودنا.

وجوب التعامل مع قضية فلسطين من منظور قانوني

تقول ألبانيز: عندما كنت في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن، اكتشفت أمرين أساسيين للتعامل مع القضية الفلسطينية يجب فعلهما بشأنها:

1 ـ مناقشتها كقضية قانونية وعدم شرعية الاحتلال؛ وليس كقضية سياسية لها مطالبات متضاربة.

2 ـ التعامل مع مكاتب محاماة متأثرة بنظرية العرق النقدية، وهي طريقة لفهم القانون من منظور نقدي وتحرري، وتأطيره في سياق التطور التاريخي الذي لم يكتبه بالضرورة المنتصرون؛ بل من منظور الشعوب التي خضعت، حتى وقت قريب، للقانون الدولي الذي صاغته الدول الغربية بالدرجة الأولى.

تُشكّل فلسطين اختبارًا للإنسانية. ليس فقط لأننا، كبشر، نُمثّل الآخر. بل لأن فلسطين تكشف الكثير مما هو مُحطّم في بيوتنا. إنها مقياس لقمع مُستمر، ليس فيها وحدها. إذ عندما تُصبح الحقيقة مُرعبة ويُكمّم أفواه من ينطق بها، وعندما يُفصل صحفيٌّ لجرأته على نقل الأخبار، ويُوقَف أستاذٌ لجرأته على التوضيح، وعندما يُضرب المحتجون بالهراوات، وعندما يُوصف بأنه إرهابيي كل من يطالب بالحرية لفلسطين من الإبادة الجماعية والاحتلال والفصل العنصري، وعندما يُقابل بالازدراء المحتجين على تطبيق القوانين سنّت قبل 80 عامًا لمنع عودة الفاشية والإبادات الجماعية. إذن، لا بد من محاسبة وصحوة جماعية حازمة.
ينظر ذوو النوايا الحسنة إلى فلسطين كقضية قانونية تُحل وفقًا للقانون الدولي. وقد قضت محكمة العدل الدولية بأن الاحتلال غير قانوني، ويجب تفكيكه بالكامل دون قيد أو شرط في موعد نهايته سبتمبر 2025. مما يعني أن القانون الدولي يقدم خارطة طريق، ومخرجًا من هذا المأزق. ولكن، لا يزال الوضع في فلسطين يُعامل كما لو كان حالة طوارئ إنسانية. وهذا جزء من المشكلة يرتبط بما حدث من خلل داخل الأمم المتحدة. وقد اُستخدم مصطلح القانون الدولي كثيرًا كجزء من المشكلة. وقبل 15 عامًا، كان من غير المتصور النظر إلى الاحتلال كعمل غير قانوني برمته. ومن كان يتعرض لشرعيته إنما بسبب انتهاكه لبنود معينة من القانون الدولي الإنساني، مثل: إساءة معاملة المعتقلين، وهدم المنازل كأسلوب عقابي؛ ولكن ليس من منظور وجودي، أو بشكل شامل. والسبب في حدوث التحول أخيرًا هو تركيز النظر في شرعية الاحتلال ككل. وكان للدراسات النقدية دور هائل، وهي دراسات يقودها باحثون من أغلبية العالم، وهذا أمر رائع. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من التعالي والتعصب في الدراسات القانونية.

ضرورة تعديل الخطاب الغربي عن فلسطين والعرب

تجسد فلسطين ما حدث في المستعمرات السابقة، حيث عانت الشعوب من التمييز بسبب هويتها الأصلية. وكأن الاحتفاظ بهويتها جريمة. ولطالما صُوِّرت فلسطين في الإعلام الغربي على أنها متوحشة همجية. والخطاب المُستخدم ضد العرب والمسلمين شرس وعنيف لدرجة تستدعي ربط الأمور ببعضها، وإدارك أن هذه هي الطريقة التي يت الحديث بها عن الشعب اليهودي قبل مئة عام؟ لذلك، علينا أن نتحدث عن معاداة السامية الحقيقية؛ بدلاً من جنون العظمة والتلاعب الذي تمارسه إسرائيل بهذا المفهوم.

كاليغولا العصر وغزة

ترامب هو كاليغولا القرن الحادي والعشرين، يعتبر نفسه فوق القانون. سلطته مطلقة تعسفية، نرجسيته مفرطة، يضخم في ذاته، سلطته فاسدة متقلبة، يذل معارضيه، ويتسم بعبادة شخصيته. وكلها سمات تُذكِر بكاليغولا، الإمبراطور الروماني. وإن مشروعه "ريفييرا غزة"، غير قانوني أو أخلاقي:

1 ـ لا تملك الولايات المتحدة أي حق في التدخل في مستقبل غزة أو فلسطين أو أي جزء من العالم.

2 ـ للفلسطينيين الحق في تقرير مصيرهم في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة وأي جهة أخرى.

3 ـ سيورط ترامب الولايات المتحدة في سلسلة جرائم كالتهجير القسري للفلسطينيين.

4 ـ قول شيءٍ كهذا غير مسئول، ومُهينٍ لشعبٍ في أشدّ أوقات معاناته، وسيُشجع على المزيد من الإفلات من العقاب، ويُعطي القادة الإسرائيليين رخصةً للقتل والتعذيب والتهجير.

ترامب يصرف نظر العالم عن الخطط الحقيقية

مشروع "ريفييرا غزة" مجرد تشتيتٍ للانتباه. فلا أحد يُخطط حقًا لإنشاء ريفييرا في غزة مُهمّشة ومهشمة وغير صالحة للعيش. وما تُجيده إدارة ترامب هو التأثير النفسي على الناس. ففي كل يوم، يستيقظ العالم على تصريح صادم جديد، لأن مستوى ضبط النفس أو انعدامه لديه لا يُضاهى ولا يُقاس. وهذه طريقته لصرف انتباهنا عن الخطط الحقيقية: تهجير الفلسطينيين ، واستخدام غزة لتحقيق خطة نتنياهو بمدّ خط أنابيب غاز من الخليج إلى البحر المتوسط . ومهما كانت خطتهم، فهي غير قانونية وغير أخلاقية وغير مسؤولة.

كيف نوقف الجريمة ونحاسب إسرائيل عليها؟

عادةً ما نتصور السلطة على أنها قوة مهمينة على كل شئ، يحكم منها الأقوياء، والخوارزميات تُقرر ما نراه ونفكر فيه. سلطةٌ صاخبة تُظهر قوتها؛ لكنها تُخفي هشاشتها. ماذا عن بقيتنا التي لا تقود جيوشًا، ولا تُسيطر على خوارزميات، ولا تملك إمبراطوريات مالية؟ هل نحن عاجزون؟ كلا، ثم كلا، إذا قررنا الانضمام إلى جيش "المحاربين الأخلاقيين". فلهم قوة أخرى. ليست قوة السيطرة؛ بل قوة الإمكانية والقدرة. جيش لديه نوع من القوة يُولّد ولا يُحتكر؛ يُشارك ولا يُكدّس. قوة تُبدع وترحب وتُحوّل وتُوحّد. إنها قوة الرؤية والعمل والتغيير.

اليوم، تُشكّل فلسطين اختبارًا للإنسانية. ليس فقط لأننا، كبشر، نُمثّل الآخر. بل لأن فلسطين تكشف الكثير مما هو مُحطّم في بيوتنا. إنها مقياس لقمع مُستمر، ليس فيها وحدها. إذ عندما تُصبح الحقيقة مُرعبة ويُكمّم أفواه من ينطق بها، وعندما يُفصل صحفيٌّ لجرأته على نقل الأخبار، ويُوقَف أستاذٌ لجرأته على التوضيح، وعندما يُضرب المحتجون بالهراوات، وعندما يُوصف بأنه إرهابيي كل من يطالب بالحرية لفلسطين  من الإبادة الجماعية والاحتلال والفصل العنصري، وعندما يُقابل بالازدراء المحتجين على تطبيق القوانين سنّت قبل 80 عامًا لمنع عودة الفاشية والإبادات الجماعية. إذن، لا بد من محاسبة وصحوة جماعية حازمة.

علينا أن نختار بفاعلية الدفاع الحقوق الأساسية، لنا وللآخرين، ومنها: حقوق التفكير والتعبير والاختلاف وعدم الصمت. وذلك، لتفعيل القوة الكامنة الفاعلة فينا. قد نتعثر وحدنا. لكن بتجمعنا، نستطيع أن ننير ونعمل إحداث التغيير المُلِحّ. وما نحتاجه: نار العقل، ونار الضمير لنكون أكثر وضوحًا وحرية وإنسانية. ويجب على الناس أن يفهموا أن نهاية الظلم لا تحدث بمجرد الدعاء أو الأمنيات؛ بل بالتحرك والمثابرة وفعل ما يلزم. لا يهم إن استغرق الأمر يوماً واحداً، أو عشرة أو مئة أو ألف من الأيام للانتصار على الظلم.

وتضرب ألبانيز مثلًا بسرقة إسرائيل للغاز الفلسطيني، فتقول: هناك حقول غاز واسعة على الساحل الشمالي لغزة تريدها إسرائيل. وهذا يُعد جريمة نهب. وأعتقد أنه كان أيضًا نتيجة ضغط خارجي مني، ومن فريق العمل المعني بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان، والمجتمع المدني الإيطالي، وربما أيضًا من أشخاص ذوي ضمير حي يعملون في شركة الطاقة العملاقة "إيني"، انسحبت الشركة من تحالف استغلال حقول الغاز البحرية تلك في غزة. ولهذا نحتاج إلى الضغط على الدول والشركات على حد سواء لفك ارتباطها بالاحتلال الإسرائيلي وسحب استثماراتها منه. فهذه الحقول تقع  في فلسطين التاريخية خارج حدود إسرائيل.
التعليقات (0)

خبر عاجل