أثار
كتاب جديد لنائب الرئيس الأمريكي جي دي
فانس بعنوان "Communion: Finding My
Way Back to Faith" (الشركة: كيف وجدت طريقي مجدداً إلى الإيمان)
نقاشاً واسعاً في الأوساط الفكرية والسياسية الغربية، بعدما قدم فيه سردية شخصية
وفكرية عن رحلته من الفقر والإدمان الاجتماعي إلى الإيمان الكاثوليكي، في محاولة
لتقديم رؤية نقدية للحداثة الغربية وأزماتها الأخلاقية والاجتماعية، غير أن مراجعة
مطولة نشرها رئيس أساقفة كانتربري السابق روان ويليامز خلصت إلى أن الأفكار التي
يطرحها فانس يصعب التوفيق بينها وبين موقعه كنائب للرئيس دونالد ترامب وسياسات
الإدارة التي ينتمي إليها.
ويرى ويليامز أن الكتاب، الذي يعد الأكثر
طموحاً لفانس منذ صدور مذكراته الشهيرة "مرثية ريفية"
(Hillbilly Elegy)، لا يقدم برنامجاً سياسياً بقدر ما يطرح
سؤالاً وجودياً مستمداً من التراث المسيحي: "ماذا ينبغي أن أفعل لكي
أنجو؟"، وهو سؤال لا يتعلق، بحسب الكاتب، بالخلاص الأخروي فحسب، بل بكيفية
التحرر من أنماط الحياة الحديثة التي أصبحت، في نظر فانس، تدفع الإنسان إلى
الاستهلاك المفرط، والسعي المحموم وراء المكانة الاجتماعية والثروة، على حساب
الأسرة والمعنى والقيم الإنسانية.
ويشير فانس إلى أن المجتمعات الغربية لا
تختلف كثيراً، في بنيتها النفسية، عن المجتمعات التي تعاني من الإدمان، فكما دمّر
إدمان المخدرات أجيالاً من الفقراء في الولايات المتحدة، فإن النخب السياسية
والاقتصادية وقعت هي الأخرى في "إدمان" من نوع مختلف، يتمثل في عبادة
النجاح والسلطة والمكانة، وهو ما يجعل الإنسان يعيش وفق رغبات المجتمع لا وفق ما
يراه خيراً في ذاته.
وتستحضر المراجعة، التي نشرتها صحيفة
"الغارديان" اليوم، تجربة فانس الشخصية، ولا سيما انتقاله من بيئة فقيرة
في ولاية أوهايو إلى جامعة ييل المرموقة، حيث يقول إنه اكتشف أن المؤسسات
الأكاديمية والنخب المهنية لا تشجع التفكير الحر بقدر ما تعيد إنتاج منظومة
متجانسة من القيم والآراء، وتجعل الأفراد يتبنون مواقف أخلاقية وسياسية خشية
الإقصاء الاجتماعي، وليس انطلاقاً من قناعات راسخة.
ومن بين أكثر المقاطع التي يتوقف عندها
ويليامز حديث فانس عن تجربته مع الأبوة، إذ يعترف بأنه كان يعرف جيداً كيف يساعد
ابنه على دخول أفضل الجامعات، لكنه لم يكن يعرف كيف يجعله "إنساناً
صالحاً"، وهو ما يعكس، في رأيه، الأزمة الحقيقية التي تعانيها الحضارة
الغربية، حيث أصبحت الكفاءة المهنية تتقدم على التربية الأخلاقية.
العودة إلى الكاثوليكية
ويخصص فانس جانباً كبيراً من كتابه لشرح
أسباب عودته إلى الإيمان المسيحي واعتناقه الكاثوليكية، معتبراً أن الدين لا يقدم
حلولاً سريعة للأزمات الوجودية، بل يتيح للإنسان الاعتراف بأخطائه والتوبة عنها
بصورة مستمرة.
ويلخص هذه التجربة بعبارة لافتة يقول فيها
إنه "وجد الحرية في الشعور بالذنب"، موضحاً أن الاعتراف بالخطأ لا يمثل
عبئاً نفسياً، وإنما يشكل بداية التحرر الحقيقي، لأنه يفتح الباب أمام الرحمة
والإصلاح، بدلاً من إنكار الفشل أو تبريره.
كما يرى أن التقليد الكاثوليكي يمتلك تراثاً
اجتماعياً يتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، مستشهداً بالتعاليم
الاجتماعية للبابا لاون الثالث عشر، التي شددت منذ القرن التاسع عشر على ضرورة أن
يخدم الاقتصاد كرامة الإنسان والأسرة، وأن يوفر أجوراً عادلة ويعزز حقوق العمال،
بدلاً من تحويلهم إلى أدوات لزيادة الأرباح.
وفي هذا السياق، ينتقد فانس السياسات
الاقتصادية التي تعتمد على العمالة المهاجرة الرخيصة، معتبراً أنها تخفض أجور
المواطنين الأمريكيين وتمنح أرباب العمل أرباحاً أكبر على حساب العدالة الاجتماعية.
تناقض بين الفكر والسياسة
غير أن ويليامز يرى أن القيمة الفكرية
للكتاب تصطدم بسؤال لا يجيب عنه مؤلفه: كيف يمكن التوفيق بين هذه الرؤية الأخلاقية
وبين التحالف السياسي الذي اختاره فانس مع الرئيس دونالد ترامب؟
ويؤكد أن الكتاب يتجاهل قضايا أساسية، مثل
ما يصفه بفساد النخبة الترامبية، والخطاب السياسي القائم على الإهانة والاستقطاب،
والسياسات الخارجية المتقلبة، فضلاً عن التشدد في ملف الهجرة.
ويشير إلى أن تحفظات فانس على استمرار تمويل
الحرب في أوكرانيا تبدو، وفق منطق الكتاب نفسه، أكثر انطباقاً على الحرب التي
خاضتها إدارة ترامب ضد إيران، والتي يصفها بأنها مثال على السياسات الخارجية
المتهورة.
كما ينتقد المراجع تجاهل الكتاب لهذه
التناقضات، معتبراً أن فانس يدافع عن نجاح ولاية ترامب الأولى دون أن يوضح كيف
تنسجم تلك السياسات مع المبادئ الأخلاقية التي يدعو إليها في كتابه.
نقد للحداثة لا يكفي
ويرى ويليامز أن كتاب فانس ينتمي إلى تيار
فكري أمريكي ينتقد الفردانية والليبرالية الاقتصادية المفرطة، ويدعو إلى استعادة
مفاهيم "الطابع الأخلاقي" والأسرة والمجتمع المحلي، وهو تيار برز في
أعمال عدد من المفكرين الأمريكيين خلال العقود الأخيرة، كما يجد صداه في بعض
التيارات المحافظة البريطانية التي تنتقد الرأسمالية المنفلتة وتدعو إلى إعادة
الاعتبار للمجتمع والتضامن الاجتماعي.
ومع ذلك، يعتقد أن الكتاب يظل عاجزاً عن
تفسير المسافة بين التنظير والممارسة السياسية، خصوصاً أنه يتضمن بعض الأطروحات
المثيرة للجدل بشأن أدوار الجنسين، كما يربط بصورة مباشرة بين تراجع المسيحية
وازدياد الانقسامات العرقية والاجتماعية، وهي فرضية يرى المراجع أنها لا تنسجم مع
التاريخ الأمريكي، الذي شهد بدوره توظيفاً للقومية المسيحية في تكريس أشكال من
التمييز والانقسام.
ويختتم ويليامز مراجعته بالإشارة إلى أن
الكتاب يترك القارئ أمام مفارقة يصعب تجاوزها؛ فهو يقدم رؤية أخلاقية متماسكة
نسبياً عن الإيمان والأسرة والمجتمع، لكنه لا يفسر كيف انتهى بصاحبه إلى التحالف
مع إدارة يرى منتقدوها أنها تجسد كثيراً من الممارسات التي يحذر منها الكتاب نفسه.
ويستعيد في هذا السياق مقولة يوردها فانس عن
أحد القساوسة مخاطباً سجيناً مدمن مخدرات: "أرني أصدقاءك أقل لك من ستكون في
المستقبل"، ليخلص إلى أن السؤال الأهم الذي يظل معلقاً بعد الانتهاء من قراءة
الكتاب ليس ما الذي يجب فعله للخلاص، بل: "أي صحبة اختارها جي دي فانس
لنفسه؟".
من هو جي دي فانس؟
يعد جي دي فانس أحد أبرز الوجوه الصاعدة في
التيار المحافظ الأمريكي، ويشغل منصب نائب رئيس الولايات المتحدة في إدارة الرئيس
دونالد ترامب. وذاع صيته عام 2016 بعد صدور مذكراته "Hillbilly Elegy" (مرثية ريفية) ، التي تحولت إلى أكثر الكتب
مبيعاً، قبل أن تُقتبس في فيلم سينمائي، إذ روى فيها نشأته وسط أسرة فقيرة في
منطقة الأبلاش، وما شهدته مجتمعات الطبقة العاملة البيضاء من تفكك أسري وإدمان
للمخدرات وتراجع اقتصادي، مقدماً تفسيراً للتحولات الاجتماعية التي مهدت لصعود
الشعبوية المحافظة في الولايات المتحدة.
وبعد تخرجه في كلية الحقوق بجامعة ييل،
انتقل فانس إلى العمل في قطاع الاستثمار ورأس المال المغامر، قبل أن يدخل الحياة
السياسية وينتخب عضواً في مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو. ورغم أنه كان من المنتقدين
لدونالد ترامب خلال حملته الانتخابية الأولى عام 2016، فإنه سرعان ما أصبح أحد
أبرز المدافعين عنه، ليتحول إلى أحد أبرز وجوه حركة "لنجعل أمريكا عظيمة
مجدداً" (MAGA)،
قبل أن يختاره ترامب نائباً له.
وخلال السنوات الأخيرة، برز فانس باعتباره
من أبرز منظري ما يعرف بـ"المحافظة ما بعد الليبرالية"، وهو تيار يدعو
إلى تجاوز المفاهيم التقليدية للمحافظة الاقتصادية القائمة على السوق الحرة
المطلقة، ويمنح أولوية لحماية الأسرة، وتشجيع الصناعة الوطنية، وتقليص آثار
العولمة، وتشديد سياسات الهجرة، وتعزيز دور الدين والقيم التقليدية في المجال
العام.
ويأتي كتابه الجديد في هذا السياق الفكري،
إذ يحاول تقديم الأساس الفلسفي والديني لهذه الرؤية، من خلال الدفاع عن الإيمان
المسيحي بوصفه إطاراً لإعادة بناء الفرد والأسرة والمجتمع، في مواجهة ما يعتبره
أزمة روحية وأخلاقية تعيشها المجتمعات الغربية. إلا أن منتقديه يرون أن هذه
الأطروحات تتعارض مع كثير من المواقف والسياسات التي تبنتها إدارة ترامب، وهو
التناقض الذي شكل محوراً رئيسياً في المراجعة الفكرية التي كتبها رئيس أساقفة
كانتربري السابق روان ويليامز.