استضافت
تركيا قادة دول حلف شمال الأطلسي "
الناتو" في السابع
والثامن من الشهر الجاري في عاصمتها أنقرة. وأثنى جميع الضيوف على حسن التنظيم
وحفاوة الاستقبال الذي لم يخل من المظاهر التي تشير إلى أن دولة تركيا يضرب جذورها
في أعماق التاريخ، وأنها هي وريثة الدولة العثمانية التي كانت أراضيها تمتد إلى
ثلاث قارات. وودَّع رئيس الجمهورية التركي رجب طيب
أردوغان ضيوفه بهدية ذات دلالة
ورمزية، وهي مسدس تركي فاخر محفور عليه اسم الضيف الذي أُهدي إليه، بالإضافة إلى
ست رصاصات حية مع كل مسدس.
القادة المشاركون في القمة أكدوا، كما جاء في البيان الختامي، زيادة
الإنفاق الدفاعي، وتوفير القدرات العسكرية المطلوبة للحلف، وتعزيز الصناعات
الدفاعية والمرونة الاستراتيجية، وأعلنوا عن اتفاقيات توريد جديدة تتجاوز قيمتها
50 مليار دولار، إضافة إلى تعهدهم بالعمل مع القطاع الصناعي لتعزيز قدرات الإنتاج
الجماعي وتسريع وتيرة الابتكار. وكان رفع الإنفاق الدفاعي وتقاسم التكاليف وزيادة
إنتاج الصناعات الدفاعية لتعزيز قدرات الناتو العسكرية أهم عنوان على طاولة
القادة، وبالتالي، يمكن القول بأن قمة أنقرة حققت أهم أهدافها.
أنقرة تبدو متفائلة بأن ترامب سيفي بوعوده، ومستعدة لاتخاذ تلك الخطوة التي ينتظرها لتسهل له اتخاذ القرار المرتقب لصالح بيع خمس طائرات إلى تركيا
مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب في قمة الناتو والتصريحات التي أدلى
بها في أنقرة حول العلاقات التركية الأمريكية؛ لفتت الأنظار أكثر من أعمال القمة.
وكانت الإدارة الأمريكية أبلغت الكونغرس رسميا قبل مجيء ترامب إلى أنقرة، أنها
تعتزم بيع العشرات من محركات الطائرات النفاثة إلى تركيا. وخلال اجتماعه مع رئيس
الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، الثلاثاء، قال ترامب إنه سيرفع العقوبات عن
تركيا وسيتخذ قرارا بشأن إمكان بيع طائرات أف-35 إلى تركيا. وإضافة إلى ذلك، كانت
تصريحات أعضاء الكونغرس الذين رافقوا الرئيس الأمريكي في زيارته لأنقرة، هي الأخرى
إيجابية للغاية.
تركيا تعيش أزهى عصورها في بناء السفن العسكرية، وقادرة على بناء عدد كبير
منها في وقت واحد، وتتطلع إلى الشراكة مع الولايات المتحدة في بناء السفن الحربية
وصيانة سفن الأسطول الأمريكي السادس المتمركز في البحر الأبيض المتوسط؛ في الأحواض
التركية. وقال أردوغان إنه ناقش مع نظيره الأمريكي سبل التعاون المشترك في قطاع
الدفاع، مشيرا إلى أن هذا التعاون يشمل بناء السفن، مثل الفرقاطات والغواصات
والسفن الحربية الصغيرة.
المفهوم من تصريحات الرئيس الأمريكي أنه يميل إلى بيع مقاتلات أف-35 إلى
تركيا، إلا أنه ينتظر خطوة، وهي أن تجد أنقرة حلا لمشكلة منظومة أس-400 الروسية
للدفاع الجوي. كما أن أنقرة تبدو متفائلة بأن ترامب سيفي بوعوده، ومستعدة لاتخاذ
تلك الخطوة التي ينتظرها لتسهل له اتخاذ القرار المرتقب لصالح بيع خمس طائرات إلى
تركيا. وذكر الصحفي التركي عبد القادر سيلفي أن تركيا ستبيع منظومة أس-400 إلى
دولة خليجية، مضيفا أن تلك الدولة قد تكون قطر أو الإمارات. وأشار موقع ميدل إيست
آي إلى أن موسكو ستوافق على بيع المنظومة إلى الإمارات.
المعارضة ترى أن شراء منظومة أس-400 من روسيا كان خطأ فادحا من الأساس أفسد
العلاقات التركية الأمريكية وأبعد أنقرة عن المعسكر الغربي، وأن الحكومة الآن
تتراجع عن ذاك الخطأ الذي دفعت تركيا ثمنه غاليا. إلا أن المؤيدين للحكومة يشيرون
إلى أن العلاقات التركية الأمريكية كانت متأزمة آنذاك، وأن إدارة أوباما رفضت بيع
منظومة باتريوت إلى تركيا في الوقت الذي كانت فيه تركيا بحاجة ماسة إلى الدفاع
الجوي لوجود خطر يأتي من الأراضي السورية ويهدد أمنها القومي، كما
تركيا تسعى إلى تعزيز مكانتها ودورها داخل الناتو وتوسيع دورها في عملياته الميدانية، بالإضافة إلى الإسهام بأكبر قدر ممكن في الإنتاج المشترك لأعضاء الحلف في مجال الصناعات الدفاعية
يلفتون إلى أن
الظروف تغيرت الآن، وأن العلاقات بين أنقرة وواشنطن تتحسن في ظل رغبة الحكومة
التركية والإدارة الأمريكية الحالية في حل المشاكل العالقة، وأن سقوط نظام الأسد
غير الظروف والتوازنات الإقليمية وأزال التهديد الذي كان يأتي من سوريا.
الخطوة التي ستقدمها أنقرة لحل مشكلة منظومة أس-400 لن تفتح أمام تركيا
طريق رفع عقوبات كاتسا المفروضة عليها وشراء مقاتلات أف-35 فقط، بل ستمكن أيضا
الشركات التركية من العودة إلى برنامج إنتاج تلك المقاتلات. وهناك نقطة أخرى، وهي
أن تركيا تسعى إلى تعزيز مكانتها ودورها داخل الناتو وتوسيع دورها في عملياته
الميدانية، بالإضافة إلى الإسهام بأكبر قدر ممكن في الإنتاج المشترك لأعضاء الحلف
في مجال الصناعات الدفاعية. ومن المؤكد أن عودتها إلى برنامج مقاتلات أف-35 بعد
التخلص من منظومة أس-400 الروسية وشراكتها مع الولايات المتحدة في مشاريع الصناعات
الدفاعية الأخرى بما فيها بناء السفن الحربية، ستساعدها في تحقيق هذا الهدف.
تركيا ترغب في شراء مقاتلات أف-35 والعودة إلى برنامج إنتاجها، ولكن ليست
على حساب المشاريع الوطنية، ولن تتراجع عن تطوير مقاتلتها الوطنية "قآن".
كما أن المحركات التي ستشتريها من الولايات المتحدة من أجل تلك المقاتلة لن توقف
تطوير محركة وطنية مماثلة؛ لأن الاعتماد الكامل على الإنتاج الوطني في مجال
الصناعات الدفاعية هو الهدف الاستراتيجي الذي لا يمكن لتركيا أن تتراجع عنه في ظل
تصاعد التوتر في المنطقة الملتهبة.
x.com/ismail_yasa
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.