42- ثورة البنية التحتية (النقل
والمواصلات، الطاقة والكهرباء، البنية التحتية الرقمية)
البنية التحتية هي
الاقتصاد الذي لا يراه أحد؛
لا يلتفت إليها الناس حين تعمل ولا يتحدثون عنها إلا حين تتعطل. لكن خلف كل مصنع يُنتج
وكل شحنة تصل في موعدها وكل طالب يتعلم عن بُعد، شبكة صامتة من
الطرق والكهرباء والألياف
الضوئية تقرر قبل أي قرار استثماري هل هذا البلد صالح للنهوض أم لا. فالمستثمر قد يتسامح
مع ضريبة أعلى أو إجراء أبطأ، لكنه لا يتسامح أبداً مع
كهرباء تنقطع عن خط إنتاجه أو
طريق يضاعف زمن وصول بضاعته أو شبكة اتصالات لا تحتمل عملياته الرقمية.
ولهذا لم يكن غريباً أن كل نهضة اقتصادية كبرى
في التاريخ الحديث بدأت من تحت الأرض قبل أن تظهر فوقها: سكك حديد قبل المصانع، ومحطات
كهرباء قبل المدن الصناعية، وكابلات إنترنت قبل اقتصاد المعرفة. البنية التحتية هي
الأرضية التي تقف عليها القطاعات جميعاً، ومضاعف خفي يرفع عائد كل جنيه يُستثمر في
الصناعة أو الزراعة أو السياحة، أو يبدده إن كانت هشة.
وهذا الفهم ليس وافداً على تراثنا إنما هو
من صميمه. فحين قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلمته الخالدة: لو عثرت بغلة في العراق
لسألني الله عنها لِمَ لم تُمهِّد لها الطريق يا عمر؟ لم يكن يتحدث عن ورعٍ شخصي، إنما
كان يؤسس لمبدأ اقتصادي وإداري عميق: أن الطريق والجسر والقناة مسؤولية مباشرة أمام
الله قبل أن تكون بنداً في موازنة. ومن هذا المبدأ جعل الفقهاء شقّ الطرق وإقامة القناطر
وحفر الآبار من فروض الكفاية التي يأثم المجتمع كله بتركها، وجعلوها من أعظم أبواب
الوقف والصدقة الجارية، فقامت عبر قرون شبكات من الخانات ومحطات القوافل والسقايات
الممتدة على طرق التجارة والحج، كانت في جوهرها بنية تحتية مموَّلة بمنطق العبادة ومُدارة
بمنطق المصلحة العامة.
كيف تتحول الأصول الضخمة من مشروعات مكتملة إلى محركات نمو فعلية؟ وكيف تُبنى شبكات النقل والطاقة والاتصالات بمنطق المنظومة المتكاملة لا المشروعات المتجاورة؟ وما الذي يضمن أن تخدم هذه البنية المصنعَ الصغير والقرية البعيدة كما تخدم العاصمة والمدن الكبرى، فتكون بنيةً للعدالة كما هي بنية للنمو؟
والسؤال المهم كيف تتحول الأصول الضخمة من
مشروعات مكتملة إلى محركات نمو فعلية؟ وكيف تُبنى شبكات النقل والطاقة والاتصالات بمنطق
المنظومة المتكاملة لا المشروعات المتجاورة؟ وما الذي يضمن أن تخدم هذه البنية المصنعَ
الصغير والقرية البعيدة كما تخدم العاصمة والمدن الكبرى، فتكون بنيةً للعدالة كما هي
بنية للنمو؟
هذه الأسئلة هي ما يسعى هذا المقال إلى الإجابة
عنها، ضمن رؤية ترى في البنية التحتية أكثر من إسفلت وخرسانة وكابلات: تراها عمارةً
للأرض بالمعنى القرآني، وأمانةً تُسأل عنها الأجيال أمام بعضها وأمام ربها.
لماذا البنية التحتية مهمة للنهضة؟
تكمن أهمية البنية التحتية في أنها العامل
الوحيد تقريباً الذي يؤثر في كل القطاعات الاقتصادية دفعة واحدة. فالدراسات الاقتصادية
المتراكمة تؤكد أن كل نسبة تحسّن في كفاءة النقل والطاقة والاتصالات تنعكس مضاعفةً
على الناتج المحلي، لأنها تخفض ما يسميه الاقتصاديون التكلفة غير المرئية التي يدفعها
كل منتج ومصدّر ومستهلك دون أن تظهر في أي فاتورة: ساعات تضيع على الطرق، وطاقة إنتاجية
معطلة بانتظار الكهرباء، وصفقات رقمية تفلت بسبب شبكة بطيئة. والدولة التي تخفض تكلفة
نقل البضاعة داخل حدودها من نسب مرتفعة إلى نسب منافسة عالمياً تكون قد منحت كل مصانعها
ومزارعها ميزة سعرية دون أن تدفع دعماً واحداً.
وفي العمق من هذا كله يحضر البعد الإسلامي
حضوراً أصيلاً من ثلاث زوايا دقيقة:
الأولى أن الفقه الإسلامي صنّف موارد البنية
التحتية الكبرى ضمن الملكية العامة التي لا يجوز احتكارها ولا حرمان الناس منها، انطلاقاً
من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"،
والنار في لغة العصر هي الطاقة والكهرباء. وهذا التصنيف قاعدة ناظمة لأخطر أسئلة البنية
التحتية اليوم: كيف نشرك القطاع الخاص في التمويل والتشغيل دون أن تتحول الطاقة والمياه
والطرق إلى سلع يُقصى عنها الفقراء؟ فالشراكة مشروعة، لكن تحويل حق عام إلى احتكار
خاص ظلمٌ بالمعيار الشرعي قبل أن يكون خللاً بالمعيار الاقتصادي.
والثانية أن الرؤية الإسلامية تحاكم مشروعات
البنية التحتية بميزان مزدوج؛ الإتقان في البناء وتحريم الإسراف في الإنفاق. فقوله
صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" يعني في
هذا السياق طريقاً يُبنى ليعمّر عقوداً لا ليُعاد رصفه كل بضع سنين، بينما تحريم التبذير
يعني أن المشروع الذي تفوق تكلفته جدواه، أو يُبنى للوجاهة قبل الحاجة، مرفوض شرعاً
كما هو مرفوض اقتصادياً. وبين الإتقان ومنع الإسراف تنشأ معادلة الحوكمة الحقيقية:
لا تقشف يُنتج بنية هشة، ولا بذخ يستنزف الموارد فيما لا يُنتج.
والثالثة أن عدالة التوزيع الجغرافي للبنية
التحتية مطلب شرعي مستقل وليس مجرد اعتبار اجتماعي مستحب. فمقصد العدل الذي قامت عليه
الشريعة يأبى أن تتركز الطرق الحديثة والكهرباء المستقرة والإنترنت السريع في المدن
الكبرى بينما تبقى قرى ونجوع كاملة على هامش الشبكات، لأن هذا التفاوت يهدر طاقات إنتاجية
كان يمكن أن تدخل الاقتصاد الوطني لو وصلها الطريق والكهرباء والشبكة. فالبنية التحتية
العادلة استثمار في بشرٍ مُعطَّلين لا إحسانٌ إلى مناطق منسية.
بهذه الزوايا الثلاث تكون البنية التحتية في
التصور الإسلامي حقٌّ عام يُصان، وأمانةُ إنفاق تُتقَن وتُرشَّد، وميزانُ عدلٍ يمتد
إلى آخر قرية. وهو تصور يسبق بقرون ما تسميه الأدبيات التنموية المعاصرة البنية التحتية
الشاملة.
الواقع المصري
الإنصاف يقتضي البدء بالاعتراف، حيث شهد العقد
الأخير طفرة حقيقية في البنية التحتية المصرية. آلاف الكيلومترات من الطرق الجديدة
نقلت مصر عشرات المراكز في مؤشر جودة الطرق العالمي، وقطاع الكهرباء انتقل من عجز مزمن
وانقطاعات يومية إلى فائض في القدرة الإنتاجية بعد إنجاز محطات عملاقة، ومحور قناة
السويس شهد تطويراً في الأنفاق والموانئ، إلى جانب شبكة قطارات كهربائية ومونوريل قيد
التشغيل والإنشاء.
غير أن هذه الطفرة على ضخامتها لم تكتمل بعدُ
شمولاً ولا عمقاً، فالإنجاز تركّز في المحاور الكبرى والمدن الجديدة، بينما ما زالت
مساحات واسعة من الريف المصري حيث يعيش أكثر من نصف السكان تنتظر نصيبها العادل من
المنظومة ذاتها: قرى تعاني ترع مهملة وصرفاً صحياً غائباً وطرقاً داخلية متهالكة تفصل
المزارع عن السوق، وشبكات كهرباء ومياه تحتاج إحلالاً وتقوية، وتغطية إنترنت لا تصلح
لاقتصاد رقمي. والقاعدة الحاكمة أن استكمال البنية في الريف مقدَّم على التوسع الترفي
في الحضر، لأن الحاجة الأشد أولى بالسد في ميزان الشرع والتنمية معاً، ولأن تعطيل طاقات
الريف الإنتاجية أفدح خسارة يتحملها الاقتصاد كله.
كما يكشف التشخيص الدقيق أن التحدي الموازي
انتقل من مرحلة البناء إلى مرحلة أصعب: تحويل الأصول إلى عوائد. فالطريق وحده لا يخلق
تنمية ما لم تقم على جانبيه مناطق صناعية ولوجستية تستثمره، وفائض الكهرباء يظل عبئاً
مالياً تُدفع تكلفته دون عائد ما لم يتحول إلى صادرات طاقة أو صناعات كثيفة الاستهلاك
تجذبها أسعار تنافسية. وهنا مفارقة الواقع المصري أصول ضخمة ومنظومة استثمارها لا تزال
تتشكل ببطء.
يكشف التشخيص الدقيق أن التحدي الموازي انتقل من مرحلة البناء إلى مرحلة أصعب: تحويل الأصول إلى عوائد. فالطريق وحده لا يخلق تنمية ما لم تقم على جانبيه مناطق صناعية ولوجستية تستثمره، وفائض الكهرباء يظل عبئاً مالياً تُدفع تكلفته دون عائد ما لم يتحول إلى صادرات طاقة أو صناعات كثيفة الاستهلاك تجذبها أسعار تنافسية
وتبرز فجوات ثلاث محددة؛ الأولى فجوة التكامل
فمشروعات النقل تُدار بمنطق القطاعات المتجاورة لا المنظومة الواحدة، إذ لا تزال حصة
السكك الحديدية والنقل النهري من نقل البضائع هامشية، بينما تلتهم الشاحنات النصيب
الأكبر بتكلفة أعلى واستهلاك أسرع للطرق ذاتها التي كلفت المليارات. والثانية فجوة
البنية الرقمية فرغم التحسن في سرعات الإنترنت تظل مصر متأخرة في جاهزية البنية الرقمية
عن منافسين إقليميين مباشرين، وهي الفجوة الأخطر لأنها تمس اقتصاد المستقبل لا اقتصاد
الأمس. والثالثة فجوة التمويل المستدام إذ اعتمد التوسع الكبير على الاقتراض بدرجة
أثقلت خدمة الدين، ما يجعل استمرار النهج ذاته دون أدوات تمويل بديلة، كالصكوك ومشاركة
القطاع الخاص المنضبطة خياراً غير قابل للاستدامة.
ويضاف إلى ذلك تحدٍّ صامت هو ثقافة الصيانة،
فالبنية التحتية أصل يتآكل ما لم تُرصد له موازنات صيانة دورية تحفظه، وهو باب ظل تاريخياً
الحلقة الأضعف في الإدارة المصرية للأصول العامة، مع أن حفظ الموجود مقدَّم في الميزان
الشرعي والاقتصادي معاً على إنشاء الجديد لأن تضييع الأصل القائم صورة من إضاعة المال
المنهي عنها.
التجارب الدولية
- سويسرا
قدمت سويسرا تجربة فريدة حين صوّت شعبها عام
1994 على مبادرة حماية جبال الألب، ألزمت الدولة دستورياً بنقل شحن البضائع العابر
من الشاحنات إلى السكك الحديدية. لم يبقَ القرار حبراً على ورق، بل تُرجم إلى فرض رسوم
على الشاحنات العابرة؛ وُجّهت عوائدها لتمويل أنفاق سككية عملاقة، أشهرها نفق غوتهارد
الأساسي، أطول نفق سككي في العالم. النتيجة أن نحو ثلاثة أرباع البضائع العابرة للألب
تسير اليوم على قضبان لا على إطارات.
- الهند: البنية الرقمية العامة كطريق سريع للجميع
بدلاً من ترك البنية الرقمية للسوق وحده، بنت
الهند ما يُعرف بـالبنية الرقمية العامة؛ نظام هوية رقمية شامل، ومنظومة مدفوعات فورية
موحدة (UPI) مفتوحة لكل البنوك والتطبيقات، تنفذ اليوم مليارات
المعاملات شهرياً وأدخلت مئات الملايين من البسطاء إلى الاقتصاد الرسمي، من بائع الشاي
إلى سائق العربة. الدلالة العميقة أن دولة نامية مثقلة بالتحديات صنعت بنية رقمية صارت
أمريكا وأوروبا تدرسانها، لأنها بُنيت كمرفق عام مفتوح لا كامتياز تجاري مغلق، وهو
أقرب النماذج المعاصرة روحاً لمفهوم الملكية العامة للمنافع الأساسية في الفقه الإسلامي.
- فيتنام: الكهرباء تصل إلى آخر قرية
خرجت فيتنام من حربها المدمرة وكهرباؤها لا
تصل إلا لنسبة ضئيلة من الريف، فجعلت كهربة القرى أولوية وطنية مطلقة على مدى ثلاثة
عقود حتى تجاوزت نسبة التغطية 99 في المئة من الأسر؛ شاملة الجبال والدلتا النائية.
ولم يكن ذلك إحساناً اجتماعياً إنما كان القاعدة التي انطلقت منها ثورة فيتنام الصناعية
والتصديرية، إذ لا يمكن توزيع المصانع على الأقاليم إن كانت الكهرباء حكراً على المدن.
وهذا تجسيد عملي لمعنى عدالة التوزيع الجغرافي بوصفها استثماراً في طاقات معطلة لا
تكلفة اجتماعية.
- إسبانيا: التحذير من الأصول بلا عوائد
وعلى الضفة الأخرى تقدم إسبانيا الدرس التحذيري؛
بنت ثاني أطول شبكة قطارات فائقة السرعة في العالم، ومطارات إقليمية فاخرة، لكن بعض
الخطوط والمطارات أُنشئ بمنطق التوازنات السياسية لا الجدوى الاقتصادية، فظلت خطوط
تعمل بأقل من طاقتها ومطارات شبه خالية تحوّلت إلى رمز للإنفاق بلا عائد. الدرس هنا
أن البناء وحده لا يصنع تنمية، والأصل الذي لا يُدار بمنطق العائد يتحول من ثروة إلى
عبء يستنزف ما بعده.
والخيط الجامع بين التجارب الأربع أن البنية
التحتية الناجحة قرارٌ ناظم قبل أن تكون خرسانة؛ إلزامٌ تشريعي في سويسرا، وفلسفة مرفق
عام في الهند، وعدالة توزيع في فيتنام، وغيابُ الناظم في إسبانيا هو ما حوّل الإنجاز
إلى عبء.
في المقال التالي -إن شاء الله- نستعرض الاستراتيجيات
والتحديات.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.