مصر والخروج من عباءة صندوق النقد الدولي

أشرف دوابة
"آن لمصر أن تخرج من عباءة الصندوق"- الرئاسة المصرية
"آن لمصر أن تخرج من عباءة الصندوق"- الرئاسة المصرية
شارك الخبر
شهد الأسبوع الماضي تصاعداً في الحديث عن استمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه الحكومة المصرية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، بالتزامن مع المضي في برنامج بيع عدد من الأصول العامة وتوسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد. وهذه التطورات تستدعي وقفة للتأمل، ليس في الإجراءات فحسب، بل كذلك في حصيلة هذا المسار الاقتصادي وآثاره على مستقبل الاقتصاد المصري؛ فالقراءة المتأنية لذلك تكشف أن ما يبدو في ظاهره علاجاً قد يكون في حقيقته استمراراً لدائرة ممتدة من المسكنات الاقتصادية، التي تؤجل الأزمة ولا تعالج جذورها.

إن المشكلة في مصر لم تعد مجرد نقص في الدولار، ولا فجوة تمويلية عابرة، ولا تأخر شريحة من صندوق النقد، وإنما هي أعمق من ذلك بكثير. إنها مشكلة نموذج اقتصادي اعتاد الاقتراض لسداد الاقتراض، وبيع الأصول لسد العجز، ورفع الأسعار لتقليل الدعم، ثم انتظار شهادة رضا من الصندوق باعتبارها مدخلاً للطمأنينة في الأسواق. وهذا كله قد يمنح الاقتصاد جرعة تنفس مؤقتة، لكنه لا يبني اقتصاداً منتجاً، ولا يخلق استقلالاً مالياً، ولا يحرر القرار الاقتصادي من الارتهان للخارج.

المشكلة في مصر لم تعد مجرد نقص في الدولار، ولا فجوة تمويلية عابرة، ولا تأخر شريحة من صندوق النقد، وإنما هي أعمق من ذلك بكثير. إنها مشكلة نموذج اقتصادي اعتاد الاقتراض لسداد الاقتراض، وبيع الأصول لسد العجز، ورفع الأسعار لتقليل الدعم، ثم انتظار شهادة رضا من الصندوق

لقد صار صندوق النقد الدولي حاضراً في المشهد المصري لا بوصفه جهة تمويل فحسب، بل بوصفه إطاراً حاكماً للسياسات الاقتصادية. ومع كل مراجعة جديدة تتكرر العناوين نفسها: مرونة سعر الصرف، وخفض الدعم، وضبط الإنفاق، وتوسيع الطروحات، وتقليص دور الدولة، وإتاحة المجال للقطاع الخاص. وخطورة هذه العناوين هي تحولها إلى وصفة جاهزة تُطبق تحت ضغط الحاجة إلى التمويل، لا تحت مقتضى التخطيط الوطني المستقل.

والسؤال الجوهري هنا: هل نجح طريق الصندوق في بناء اقتصاد مصري قوي؟ الواقع يقول إن الاعتماد المتكرر على الصندوق لم يخرج مصر من أزمة الديون، بل جعلها تعيش داخل حلقة متكررة: أزمة سيولة، ثم قرض جديد، ثم شروط جديدة، ثم موجة غلاء، ثم تخفيف مؤقت للضغط، ثم عودة الأزمة في صورة أكبر. وهكذا لا يجري علاج المرض، بل يجري ترقيع أعراضه. فالديون لا تُعالج بمزيد من الديون، والفجوة الإنتاجية لا تُسد ببيع الأصول، والاستقرار النقدي لا يقوم على تدفقات ساخنة أو قروض مشروطة، وإنما يقوم على إنتاج حقيقي، وصادرات قوية، وعدالة في توزيع الأعباء، وترشيد للإنفاق العام.

ومن أخطر ما يرتبط بهذا المسار ملف بيع الأصول. فالطروحات الحكومية تُعرض رسمياً بوصفها وسيلة لجذب الاستثمار وتوسيع دور القطاع الخاص، غير أن السؤال ليس في مبدأ مشاركة القطاع الخاص، فهذا مطلوب ومهم، وإنما في طبيعة ما يُباع، ولمن يُباع، وبأي سعر، ولأي غرض. فإذا كان بيع الأصول يتم لسداد التزامات مالية عاجلة، أو للحصول على شريحة قرض، أو لتوفير عملة صعبة مؤقتة، فإننا لا نكون أمام إصلاح اقتصادي حقيقي، بل أمام تسييل للثروة الوطنية لمواجهة اختناق مالي قصير الأجل.

إن الأصول العامة ليست مجرد أرقام في ميزانية الدولة، بل هي تراكم تاريخي لثروة الأمة. وقد يكون إصلاح إدارتها واجباً، وقد تكون مشاركة القطاع الخاص في تشغيلها أو تطويرها أمراً مطلوباً، لكن التفريط فيها تحت ضغط الدين يمثل خطراً استراتيجياً؛ لأن الدولة تبيع ما لا يتكرر لتعالج أزمة قد تتكرر. وحين تُباع الأصول المنتجة لسداد ديون أو تغطية عجز، فإن الدولة تفقد مورداً مستقبلياً، بينما يبقى أصل المشكلة قائماً: ضعف الإنتاج، واتساع الاستيراد، وعجز الموازنة، وخدمة دين مرهقة.

والأخطر أن بيع الأصول قد يمنح انطباعاً زائفاً بالتحسن. فحينما تدخل حصيلة البيع من دولارات إلى السوق، يتحسن سعر الصرف مؤقتاً، فترتفع الثقة نسبياً، ثم تتبدد الحصيلة في سداد التزامات أو تهدئة أزمة سيولة، بينما لا يتغير الهيكل الإنتاجي للاقتصاد. وبعد مدة قصيرة تعود الحاجة إلى تدفقات جديدة، وقروض جديدة، وطروحات جديدة. وبهذا يصبح الاقتصاد كمن يبيع أثاث بيته لينفق على حاجاته اليومية، دون أن يجد عملاً دائماً أو مصدر دخل مستقراً.

ولا يعني هذا رفض الإصلاح، ولا الدفاع عن تضخم دور الدولة في كل الأنشطة، ولا إنكار الحاجة إلى القطاع الخاص. بل العكس تماماً: مصر تحتاج إلى إصلاح حقيقي، لكنها تحتاج إلى إصلاح يبني القدرة لا يبدد الأصول، ويعالج جذور الخلل لا يكتفي بإرضاء الدائنين. فالقطاع الخاص المطلوب هو قطاع إنتاجي وطني، يدخل في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتصدير، لا مجرد مشترٍ لأصول قائمة أو مستفيد من خصخصة اضطرارية. والاستثمار المطلوب هو استثمار يخلق قيمة مضافة وفرص عمل وصادرات، لا استثمارا ريعيا ينتقل إليه أصل ناجح بثمن مغرٍ في لحظة ضيق مالي.

لا يعني هذا رفض الإصلاح، ولا الدفاع عن تضخم دور الدولة في كل الأنشطة، ولا إنكار الحاجة إلى القطاع الخاص. بل العكس تماماً: مصر تحتاج إلى إصلاح حقيقي، لكنها تحتاج إلى إصلاح يبني القدرة لا يبدد الأصول، ويعالج جذور الخلل لا يكتفي بإرضاء الدائنين

إن الخروج من عباءة الصندوق يعني استعادة زمام القرار الاقتصادي. ويبدأ ذلك بوضع برنامج وطني واضح لتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، ووقف المشروعات التي لا تضيف إنتاجاً حقيقياً، وتوجيه الموارد إلى الزراعة والصناعة والتعليم الفني والتكنولوجيا والطاقة، وتوسيع قاعدة الصادرات، وحماية الطبقات الضعيفة من كلفة الإصلاح.

كما يتطلب الأمر مراجعة جادة لفلسفة الدين العام. فالدَين قد يكون أداة تنموية إذا وُجه إلى مشروعات إنتاجية تدر عائداً يفوق كلفته، لكنه يصبح عبئاً إذا استُخدم في تمويل الاستهلاك أو سد العجز أو إدارة الأزمات. والاقتصاد الرشيد لا يقيس نجاحه بعدد الاتفاقات التمويلية، بل بقدرته على الاستغناء التدريجي عنها.

ومن منظور الاقتصاد الإسلامي، فإن جوهر المشكلة يتصل بمبدأ الاستخلاف والرشد في إدارة المال العام. فالمال العام أمانة، والأصول العامة ليست ملكاً لجيل واحد، وإنما حق للأمة حاضرها ومستقبلها. والاقتراض الذي يرهق الأجيال القادمة يحتاج إلى ضرورة معتبرة، وخطة سداد واضحة، وعائد تنموي حقيقي. أما أن يتحول الدين والربا إلى أسلوب حياة اقتصادية، وأن يتحول بيع الأصول إلى وسيلة متكررة للوفاء بشروط الدائنين، فذلك مما يناقض مقصد العمران وحفظ المال وتحقيق العدالة.

إن مصر لا ينقصها البشر، ولا الموقع، ولا التاريخ، ولا الموارد الكامنة، وإنما ينقصها التحول من اقتصاد إدارة الأزمة إلى اقتصاد صناعة المستقبل. ولن يتحقق ذلك ما دامت السياسات الاقتصادية تتحرك من مراجعة إلى مراجعة، ومن شريحة إلى شريحة، ومن قرض إلى قرض، ومن أصل يباع إلى أصل آخر ينتظر دوره.

والخلاصة أن أخبار الصندوق فيما يتعلق بالشأن المصري لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد نجاح في الاقتراب من تمويل جديد أو تسريع لبرنامج الطروحات، بل باعتبارها جرس إنذار جديداً. فكل شريحة من الصندوق قد تؤجل الأزمة، لكنها لا تصنع نهضة. وكل بيع للأصول قد يوفر سيولة، لكنه لا يبني قدرة إنتاجية. وكل إصلاح لا يخفف التبعية ولا يحمي المال العام ولا يوسع قاعدة الإنتاج، يظل إصلاحاً ناقصاً مهما حسنت مؤشراته المؤقتة.

لقد آن لمصر أن تخرج من عباءة الصندوق، لا بالشعارات، بل ببرنامج وطني للإنتاج، وترشيد الإنفاق، وحماية الأصول، وتقليل الدين، وتحقيق عدالة اجتماعية حقيقية. فالأوطان لا تُبنى بالقروض، ولا تُنقذ ببيع ممتلكاتها، وإنما تُبنى بالعمل والإنتاج والرشد وحسن إدارة الموارد.

x.com/drdawaba


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)