في عالمٍ لم يكد
يلتقط أنفاسه من صدمات جائحة كورونا، ثم اضطرابات سلاسل الإمداد، ثم حرب أوكرانيا،
تعود الجغرافيا السياسية لتفرض كلمتها من جديد، وهذه المرة عبر التوترات المرتبطة
بإيران، بما تحمله من احتمالات انفجار أوسع في منطقة تُعد شريان
الطاقة العالمي.
الجديد هنا ليس مجرد احتمال المواجهة، بل إدراك المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها
صندوق النقد الدولي، أن أي
تصعيد حقيقي لن يكون حدثا إقليميا محدودا، بل صدمة
عالمية متعددة القنوات، تضرب النمو، والتضخم، والاستقرار المالي دفعة واحدة.
وتشير تقديرات صندوق
النقد الدولي -قبل هذا العدوان وفق تحديث 19 كانون الثاني/ يناير 2026 لتقرير آفاق
الاقتصاد العالمي- أن الاقتصاد العالمي يقف على أرضية هشة؛ إذ يدور النمو العالمي
حول 3.3 في المئة، وهو أقل من متوسطه التاريخي، في حين يتراجع التضخم تدريجيا من
نحو 4.1 في المئة في 2025 إلى 3.8 في المئة في 2026. غير أن هذه التقديرات تقوم
على افتراض استقرار نسبي في أسعار الطاقة، وهو افتراض يتآكل مع تصاعد التوترات، إذ
تشير تقديرات الصندوق إلى أن كل زيادة بنسبة 10 في المئة في أسعار الطاقة قد ترفع
التضخم العالمي بنحو 0.4 في المئة، وتضغط على النمو، وقد
أكدت على ذلك تحذيرات أخيرة للصندوق من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة
التوترات الجيوسياسية -خاصة في منطقة الشرق الأوسط- قد يدفع التضخم للارتفاع مجددا
ويضغط على النمو العالمي، بما يتجاوز التقديرات الأساسية الواردة في تحديث كانون
الثاني/ يناير 2026.
الأثر عند الاقتصادات المستوردة للطاقة، بل يمتد أيضا إلى الدول المصدّرة، التي قد تحقق مكاسب مؤقتة من ارتفاع الأسعار، لكنها تواجه في المقابل تقلبات في الطلب العالمي، واحتمالات تباطؤ اقتصادي أوسع
وإيران ليست مجرد
دولة ضمن خريطة الطاقة، بل ذات مكانة جيوسياسية تتحكم في مضيق
هرمز، الذي يمر عبره
نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية، مما يعني أن أي اضطراب في هذا الشريان
الحيوي لن يتوقف أثره على ارتفاع أسعار النفط، بل سوف يمتد إلى أسواق الغاز،
وتكاليف التأمين البحري، وسلاسل الإمداد العالمية، بما يرفع تكلفة الإنتاج ويغذي
موجة تضخم جديدة.
ولن يتوقف هذا الأثر
عند الاقتصادات المستوردة للطاقة، بل يمتد أيضا إلى الدول المصدّرة، التي قد تحقق
مكاسب مؤقتة من ارتفاع الأسعار، لكنها تواجه في المقابل تقلبات في الطلب العالمي،
واحتمالات تباطؤ اقتصادي أوسع. وهنا يظهر البعد المركب للأزمة: فحتى الدول التي
تبدو رابحة على المدى القصير قد تجد نفسها أمام بيئة اقتصادية غير مستقرة تقلّص من
هذه المكاسب.
وفي الاقتصادات
الناشئة، تبدو الصورة أكثر هشاشة؛ إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى أن هذه الدول
تظل الأكثر عرضة للصدمات، في ظل مستويات دين مرتفعة عالميا، مع ارتفاع تكلفة
التمويل. فارتفاع أسعار الطاقة يعني زيادة فاتورة الاستيراد، وضغوطا على العملات
المحلية، وتآكل الاحتياطيات، بينما يؤدي استمرار أسعار الفائدة العالمية عند
مستويات مرتفعة نسبيا إلى زيادة عبء خدمة الدين، وتضييق هامش المناورة أمام صناع
القرار.
والواقع أن ما تكشفه
هذه الأزمة يتجاوز الأرقام إلى حقيقة أعمق وهي: أن الاقتصاد أصبح في قلب الصراعات
المعاصرة، لا مجرد نتيجة لها. فالحروب اليوم ترتبط بالموارد، وعلى رأسها الطاقة،
أكثر مما ترتبط بالشعارات المعلنة. وما يجري في محيط
إيران يعكس بوضوح كيف يمكن
للثروة، إذا لم تُحمَ بإدارة رشيدة وقوة كافية، أن تتحول من نعمة إلى ما يشبه "اللعنة"،
كما شهدنا في تجارب دول غنية بالموارد مثل فنزويلا.
ومن هنا، فإن الخطر
لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار أو اضطراب الأسواق، بل في أن تتحول ثروات المنطقة
إلى عامل جذب للصراعات والتدخلات. فالموارد غير المحمية بقوة اقتصادية وعسكرية
تصبح عرضة لإعادة التشكيل الخارجي، ليس بالضرورة عبر استعمار مباشر، بل من خلال
أدوات اقتصادية وسياسية أكثر تعقيدا.
ومن زاوية أعمق، فإن
هذه الأزمة تطرح سؤالا جوهريا حول بنية العالم العربي والإسلامي ذاته. فالتجربة
تؤكد هشاشة الكيانات القُطرية الصغيرة في مواجهة الصدمات الكبرى، وأن بقاء كل دولة
بمفردها يجعلها أكثر عرضة للضغوط، وفي المقابل، تُظهر تجارب التكتلات الكبرى -سواء
في أوروبا أو في الولايات المتحدة- أن القوة الاقتصادية الحقيقية تنشأ من الاعتصام
والتكامل، لا من التفرّق وعدم الثقة.
العالم يتجه نحو تكتلات كبرى، بينما ما زالت الدول الإسلامية في حالة تشرذم، مما يجعلها عرضة لأن تُستهلك تباعا في صراعات لا تملك أدوات التحكم فيها
ومن هنا، فإن
التوترات الحالية تُعيد طرح فكرة التكامل بين الدول العربية والإسلامية ليس كشعار
سياسي، بل كضرورة اقتصادية واستراتيجية. فالأمن الغذائي، والدوائي، والتكنولوجي والعسكري،
لم يعد ممكنا ضمانه في إطار الدولة المنفردة، ومن ثم فإن بناء اتحاد إسلامي يمكن
أن يخلق كتلة اقتصادية وعسكرية قادرة على تحقيق قدر من الاكتفاء، وتعزيز القدرة
على حماية الموارد بأيدي أبنائها من أن تتحول إلى نقطة ضعف.
ولعل أخطر ما تكشفه
هذه اللحظة هو أن العالم يتجه نحو تكتلات كبرى، بينما ما زالت الدول الإسلامية في
حالة تشرذم، مما يجعلها عرضة لأن تُستهلك تباعا في صراعات لا تملك أدوات التحكم
فيها. وهنا يصبح التحذير القديم "أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض" أقرب
إلى توصيف واقعي لما يمكن أن يحدث في ظل غياب التنسيق والتكامل.
وفي المحصلة، فإن أي
تصعيد مرتبط بإيران لن يكون مجرد أزمة طاقة، بل اختبارا مزدوجا: للاقتصاد العالمي
من جهة، ولقدرة الدول -خاصة في عالمنا العربي والإسلامي- على إعادة التفكير في
نماذجها الاقتصادية وتحالفاتها من جهة أخرى. وما بين تضخم قد يعود، ونمو يتباطأ،
وثروات قد تتحول إلى عبء إن لم تُحمَ، ويصبح السؤال الحقيقي: هل نظل في موقع
المتلقي للأزمات، أم نتحرك نحو بناء قوة اقتصادية وعسكرية جماعية تجعل من مواردنا
مصدر سيادة لا مدخلا للهيمنة؟
x.com/drdawaba
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.