38- اقتصاديات المعرفة والابتكار
في الفترة بين عام 1028 و1038 ميلادية أتمَّ عالمٌ
مصري اسمه الحسن بن الهيثم كتابه العظيم المناظر، فأرسى بذلك أسس علم البصريات
الحديث وغيَّر فهم البشرية لكيفية الرؤية إلى الأبد. كان يعمل في القاهرة ويُبدع
في كنف حضارة تؤمن بأن العلم فريضة لا ترف. اليوم وبعد ما يقرب من ألف عام، يجلس
شاب مصري موهوب أمام حاسوبه في شقة صغيرة بالإسكندرية ويُطوِّر تطبيقاً ذكياً يحلم
أن يُغيِّر به شيئاً في العالم، لكنه لا يجد تمويلاً يكفيه ولا منظومة تحتضنه ولا
سوقاً تُشجِّعه فيحزم أمره ويسافر ويُطلق تطبيقه من سان فرانسيسكو وتربح أمريكا ما
أنفقته مصر في تعليمه.
الفارق بين ابن الهيثم وهذا الشاب ليس في الموهبة
فالمصري لم يتغيَّر، الفارق في المنظومة التي تحيط بالموهبة؛ هل تحتضنها أم تتركها
تنزف إلى الخارج؟
العالم اليوم يتنافس بصورة أساسية على براءات الاختراع
والخوارزميات والشركات الناشئة واقتصاد المعرفة الذي بات يصنع الثروات من لا شيء
سوى الفكر البشري، ومصر التي تمتلك ستين مليون شاب تحت الثلاثين تقف أمام نافذة
تاريخية لن تتكرر؛ إما أن تحوِّل هذه الطاقة البشرية الهائلة إلى وقود للنهضة
المعرفية، وإما أن تُودِعها في قوائم البطالة وتذاكر السفر.
لماذا اقتصاد المعرفة مهم جداً لمصر؟
لو سألتَ أي مواطن عادي ما مصادر ثروة الأمم؟ لأجابك
على الفور البترول والغاز والذهب والأراضي الزراعية، وهذه الإجابة كانت صحيحة
تماماً القرن الماضي. أما اليوم فشركة واحدة اسمها "إنفيديا" تُساوي في
البورصة أكثر من الناتج المحلي الإجمالي لدول نفطية بأكملها، القيمة السوقية
لإنفيديا: تجاوزت حاجز 5 تريليونات دولار في أوقات
متفرقة ووصلت إلى حوالي 5.4 تريليون دولار في أوائل
حزيران/ يونيو 2026، وتطبيق واحد طوَّره مبرمجان في غرفة صغيرة يُدرُّ مليارات
الدولارات سنوياً. والسبب أن العالم انتقل من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الأفكار،
ومن ثروة الأرض إلى ثروة العقل.
في هذا العالم الجديد مصر تملك ما لا تملكه كثير من
الدول الغنية مئة مليون إنسان، نصفهم شباب بذكاء موروث وطاقة متجددة، لكن الثروة
البشرية وحدها لا تكفي كما أن النفط الخام في باطن الأرض لا يصنع رفاهية من تلقاء
نفسه، واقتصاد المعرفة هو مصفاة العقول البشرية.
والدول التي رفعت إنفاقها على البحث والتطوير إلى ما
فوق 3 في المئة من ناتجها المحلي مثل كوريا الجنوبية وفنلندا، حققت قفزات اقتصادية
لم تستطع دول نفطية بأكملها تحقيقها في عقود، فكل دولار يُستثمر في البحث العلمي
التطبيقي يعود بما بين سبعة وعشرة دولارات على الاقتصاد الوطني.
لكن الأهم من الأرقام هو التوقيت الذكاء الاصطناعي
وثورة البيانات والتصنيع الدقيق وتكنولوجيا الفضاء، كلها تُعيد رسم خريطة الاقتصاد
العالمي الآن، في هذه اللحظة بالذات الدول التي تركب هذه الموجة اليوم ستكون في
المقدمة غداً، والدول التي تتأخر خمس سنوات فقط ستجد نفسها في موقع المستهلك
الدائم، تشتري ما لم تبتكره وتدفع ثمن ما كان يمكنها أن تصنعه.
الرؤية الإسلامية لاقتصاد المعرفة
حين نزلت كلمة "اقرأ" على جبل النور كانت
إعلاناً تأسيسياً بأن هذه الأمة ستقوم على المعرفة، وأن العلم هو جوهر الرسالة
وعماد الحضارة وليس ترفاً فكرياً للنخبة، وما كان ذلك مصادفة أن يكون أول ما نزل
من القرآن الكريم أمراً بالقراءة في أمة كانت تعتز بالشعر وتحفظ الأنساب، لكنها لم
تعرف بعد أنها ستحمل مشعل العلم للعالم أجمع.
والتاريخ يشهد.. في القرن الثامن والتاسع والعاشر
الميلادي حين كانت أوروبا تغطّ في سبات العصور الوسطى كانت بغداد والقاهرة وقرطبة
تضجّ بالعلماء والمخترعين والفلاسفة، بيت الحكمة في بغداد كان أول منظومة بحثية
منظَّمة في التاريخ، وما أنجزه ابن سينا في الطب وابن الهيثم في البصريات
والخوارزمي في الرياضيات والبيروني في الجغرافيا، بل كان ثمرة حضارة آمنت بأن طلب
العلم فريضة وأن العقل أمانة يجب توظيفها لا تعطيلها.
والفقه الإسلامي لم يكتفِ بالحثّ على العلم عاطفياً
وإنما أدرجه في منظومة المقاصد الشرعية الكبرى، فحفظُ العقل مقصد أصيل من مقاصد
الشريعة الخمسة يقف جنباً إلى جنب مع حفظ النفس والدين والنسل والمال، وحفظ العقل
يعني تنميته وتشغيله وتوظيفه في خدمة الإنسان والمجتمع كما يعني صونه من المسكرات
والمفسدات تماما.
وما القول المأثور "من استوى يوماه فهو
مغبون" إلا مبدأ اقتصادي عميق قبل أن يكون وعظاً أخلاقياً، إنه يُقرِّر أن
الثبات والجمود خسارة وأن النمو والتطور والإضافة واجب يومي على الفرد وعلى الأمة.
وبهذا المنطق الأمة التي لا تبتكر ولا تبحث ولا تُضيف إلى رصيد المعرفة الإنسانية
هي أمة مغبونة بمعنى الكلمة الحرفي.
بل إن الإسلام ذهب أبعد من ذلك، فالابتكار في الفقه
الإسلامي هو في كثير من صوره واجب كفائي على الأمة، فإن كان المسلمون يحتاجون إلى
دواء لم يُصنَع بعد أو تقنية لم تُطوَّر أو حلٍّ لمشكلة تُقعدهم، فإن السعي إلى
ذلك يرتقي إلى مرتبة الفريضة التي يأثم المجتمع بتركها.
إذاً، حين ندعو مصر إلى بناء اقتصاد المعرفة والابتكار
فنحن لا نستعير نموذجاً غربياً ونُلبسه ثوباً إسلامياً، وإنما نستعيد إرثاً أصيلاً
ونُعيد أمة إلى طبيعتها التي فارقتها، فالحضارة الإسلامية لم تكن في يوم من الأيام
حضارة استهلاك واستيراد وإنما كانت حضارة إنتاج وابتكار وعطاء للإنسانية جمعاء.
والسؤال الذي ينبغي أن يُقلق كل مسلم واعٍ: كيف قبلنا
لأنفسنا أن نكون مجرد مستهلكين لما أنتجه غيرنا، في حين أن ديننا وتاريخنا وعقولنا
تُؤهِّلنا لأن نكون في طليعة المنتجين؟؟
واقع مصر باختصار
لا تحتاج الحقيقة إلى تجميل وأحياناً أبلغ ما يمكن
قوله هو ما يؤلم. مصر تمتلك اليوم أكثر من عشرين وثيقة استراتيجية
للتحول الرقمي وتطوير البحث العلمي وتشجيع الابتكار، وثائق مكتوبة بلغة متقدمة
وأرقام طموحة وخرائط طريق مفصَّلة، لكن مصر تقف في المرتبة الرابعة والتسعين
عالمياً في مؤشر الابتكار العالمي، خلف دول لا تُقارَن بها في الحجم والإمكانيات
والتاريخ. الفجوة إذاً في المسافة بين الخطة والتنفيذ، بين الوثيقة والواقع، بين
النية والمنظومة.
الإنفاق على البحث والتطوير في مصر في حدود 1 في المئة
من الناتج المحلي الإجمالي، في حين يبلغ المعيار الدولي المقبول 2 في المئة،
وتتجاوزه كوريا الجنوبية لتصل إلى 4.8 في المئة، هذا يعني أن مصر تُنفق على
مستقبلها المعرفي أقل بكثير مما تستدعيه طموحاتها المُعلَنة.
والأكثر إيلاماً من قلة الإنفاق هو ضياع ما يُنفَق، فتُنتِج
الجامعات المصرية سنوياً آلاف الرسائل العلمية والأبحاث الأكاديمية. لكن الجزء
الأكبر منها يذهب إلى مستودعات الجامعات ولا يخرج منها؛ لا مصنع يطلبها ولا شركة
تتبناها ولا جهة حكومية تُحوِّلها إلى سياسة، فالجامعة تعيش في عالم والصناعة تعيش
في عالم آخر وبينهما جدار غير مرئي لكنه صلب.
أما الشركات الناشئة، تلك البذرة الحقيقية لاقتصاد
المعرفة، فتواجه في مصر عقبات تجعل الحلم مُكلفاً قبل أن يبدأ. تعقيدات التأسيس
وغياب التمويل في مرحلة البذرة وضعف ثقافة رأس المال المُخاطِر وهشاشة منظومة
حماية الملكية الفكرية، كلها عوامل تجعل الشاب المبتكر يفكر مرتين قبل أن يُغامر
بفكرته في السوق المحلي، وكثيراً ما تكون النتيجة أحد خيارين: إما أن يتخلى عن
الفكرة أو أن يحزم حقائبه.
وهنا يكمن النزيف الحقيقي، فمصر تستثمر في تعليم
أبنائها ثمانية عشر عاماً على الأقل ثم تفقدهم في اللحظة التي يصبحون فيها قادرين
على الإنتاج والإضافة. هجرة الكفاءات خسارة اقتصادية مُركَّبة؛ تكلفة التعليم تذهب
لغيرنا وعائد الإنتاج يذهب لغيرنا وندفع نحن مرتين.
لكن الصورة ليست سوداء بالكامل وإلا ما كان لهذا
المقال معنى، فثمة بصيص لأمل؛ منظومة رواد مصر ومبادرات التحول الرقمي الحكومية
وتنامي مجتمع الشركات الناشئة في القاهرة والإسكندرية وظهور مستثمرين من القطاع
الخاص يُراهنون على الابتكار المحلي، كلها علامات تقول إن البيئة تتحرك، ولو ببطء.
المشكلة أن سرعة التحرك لا تزال أبطأ بكثير من سرعة العالم من حولنا.
تجارب دولية ملهمة
- كوريا الجنوبية معجزة صنعتها الإرادة
في عام 1953 كانت كوريا الجنوبية دولة مدمَّرة بالحرب،
يقل دخل الفرد فيها عن دخل الفرد في بعض الدول الأفريقية، واليوم هي عاشر اقتصاد
عالمي، وموطن للشركات العملاقة "Samsung"
و"Hyundai" و"LG"،
وواحدة من أكثر دول العالم ابتكاراً. ما الذي حدث؟
قرار سياسي واحد واضح التعليم والتكنولوجيا هما طريق
البقاء الوحيد لدولة لا تملك موارد طبيعية تُذكر. رفعت كوريا إنفاقها على البحث
والتطوير إلى 4.8 في المئة من ناتجها المحلي، وأنشأت شراكة استراتيجية حقيقية بين
الجامعات والشركات الكبرى، وحوَّلت مدينة دايجون إلى وادي سيليكون كوري يضم أكثر
من ألف مركز بحثي. لكن الأهم من كل هذا أنها بنت هوية وطنية مرتبطة بالتفوق
التقني، فأصبح الهندسي والمبتكر الكوري رمزاً للفخر الوطني.
- فنلندا حين يكون التعليم استراتيجية أمن
قومي
فنلندا دولة صغيرة باردة في أقصى شمال أوروبا لا تملك
نفطاً ولا موارد استراتيجية كبرى، لكنها تحتل باستمرار مراتب متقدمة في مؤشرات
الابتكار والجودة التعليمية والتنافسية الاقتصادية، سرها الحقيقي ليس في المناهج
الدراسية بل في فلسفة التعليم؛ لا اختبارات ضاغطة حتى سن الثالثة عشرة، وتقديس
الفضول والتساؤل، ومعلمون من خيرة الكوادر الأكاديمية يُعامَلون بمرتبة الأطباء
والمهندسين اجتماعياً ومادياً والنتيجة جيل يفكر نقدياً ويبتكر بثقة.
ثم جاءت نوكيا في التسعينيات كثمرة لهذا النظام، وحين
انهارت نوكيا تحوَّلت فنلندا بسرعة مذهلة إلى منظومة شركات ناشئة لأن الإنسان
الفنلندي المُؤهَّل كان قادراً على الانتقال.
- سنغافورة دولة لا تملك إلا عقولها
سنغافورة جزيرة صغيرة لا تملك أرضاً زراعية ولا مياهاً
كافية ولا موارد طبيعية، وحين استقلت عام 1963 كانت المهمة تبدو مستحيلة، لكن لي
كوان يو اتخذ قراراً تاريخياً؛ أن هذه الدولة ستعيش بعقول أبنائها أو لن تعيش،
فبنى منظومة تعليمية نخبوية صارمة، واستقطب الشركات متعددة الجنسيات الكبرى
مشترطاً عليها نقل
التكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية، وحوَّل بيوبوليس إلى مدينة
علوم حيوية عالمية، وجعل من سنغافورة مركزاً مالياً وتقنياً يتنافس مع لندن وهونج
كونج.
الأهم في التجربة السنغافورية أنها لم تنتظر أن يتغير
الناس من تلقاء أنفسهم، بل صنعت البيئة التي تجعل السلوك الإيجابي هو الأسهل
والأكثر مكافأة.
- ماليزيا الدولة الإسلامية التي قرَّرت أن
تتفوق
ماليزيا قريبة من مصر في كثير من أبعادها دولة إسلامية
ذات تاريخ استعماري وتحديات تنموية وتعدد ثقافي، لكنها اتخذت في التسعينيات قراراً
جريئاً بإنشاء مشروع "MSC Malaysia"، وهو ممر تقني ممتد بين كوالالمبور
ومطارها الدولي، جذبت إليه كبرى شركات التكنولوجيا العالمية بحوافز ضريبية سخية
مشروطة بنقل التكنولوجيا وتوظيف الكوادر المحلية، واليوم تمتلك ماليزيا صناعة
تقنية ناضجة وكوادر محلية مؤهَّلة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتمويل
الرقمي.
والأهم أن ماليزيا طوَّرت منظومة التمويل الإسلامي
الرقمي لتكون في مقدمة العالم في هذا القطاع، مُثبتةً أن القيم الإسلامية
والتكنولوجيا المتقدمة ليست متناقضة بل متكاملة.
- رواندا المفاجأة الأفريقية
هذه التجربة هي الأكثر إلهاماً لمن يظن أن الظروف
الصعبة تحول دون النهضة، رواندا خرجت من إبادة جماعية راح ضحيتها مليون إنسان في
مئة يوم عام 1994، وكانت من أفقر دول العالم وأكثرها جرحاً، لكن قيادتها اتخذت
قراراً وجودياً؛ المعرفة والتكنولوجيا هما طريق الخروج الوحيد من الماضي فحوَّلت
كيغالي إلى مدينة ذكية بإنترنت عالي السرعة في كل أرجائها، وجعلت التكنولوجيا في
قلب المنهج الدراسي، وأنشأت مركز "kLab"
لحاضنات الأعمال التقنية، وباتت اليوم تتصدر مؤشرات الابتكار الأفريقية.
القاسم المشترك بين كل هذه التجارب ليس الثروة ولا
الحجم ولا حتى التاريخ. القاسم المشترك هو قرار واحد اتخذته كل دولة منها في لحظة
ما: أن المعرفة ضرورة وجودية، وأن الاستثمار في العقول هو أعلى عائد يمكن لدولة أن
تحققه.
وفي المقال التالي -إن شاء الله- سنستعرض
الاستراتيجيات اللازمة والتحديات وكيفية مواجهتها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.