ليست كل
القوانين متشابهة، فهناك قوانين تنظّم المرور، وأخرى تضبط التجارة، وثالثة تعالج
الضرائب والعقود. أما قوانين الأحوال الشخصية، فهي شيء آخر تماما؛ لأنها لا تدخل
إلى السوق ولا إلى الشارع، بل إلى قلب البيت نفسه. إلى العلاقة بين الزوج وزوجته،
بين الأب وأطفاله، بين الأم وحضانتها، بين الطلاق باعتباره مخرجا استثنائيا، وبين
تحوله إلى سلاح يومي يُشهر في وجه
الأسرة.
ولهذا فإن
ما يجري اليوم في
مصر حول مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين ليس مجرد نقاش
تشريعي تقني، كما تحاول بعض الخطابات الرسمية تصويره، بل معركة اجتماعية وسياسية
وفكرية مكتملة الأركان؛ معركة على من يملك تعريف الأسرة، وعلى من يملك إعادة توزيع
السلطة داخلها، وعلى أي صورة سيُعاد تشكيل المجتمع المصري في السنوات المقبلة.
القضية
هنا أخطر من مواد قانونية تتعلق بالنفقة أو الرؤية أو الحضانة. القضية تتعلق بسؤال
أكثر عمقا: هل ما يزال الهدف هو حماية الأسرة؟ أم أننا انتقلنا تدريجيا إلى إدارة
تفككها وتنظيم الصراع داخلها بدل منعه؟
من "السكن
والمودة" إلى "الحقوق والخصومة"
المشكلة الحقيقية لم تكن دائما في النصوص، بل فيما أنتجته الحياة الواقعية حول هذه النصوص: أحكام لا تُنفَّذ، ونفقة تضيع بين الإجراءات، وآباء يتحولون إلى "زوار" في حياة أبنائهم، وأمهات يركضن سنوات داخل المحاكم، وأطفال ينشؤون وسط حرب باردة لا تنتهي
على مدار
عقود طويلة، كانت الأسرة في الوعي المصري تُبنى على فكرة الشراكة، حتى لو اختل
ميزانها أحيانا بفعل العادات أو السلطة الاجتماعية أو الخلل الاقتصادي. أما اليوم،
فإن اللغة نفسها تغيّرت بصورة مرعبة.
لم يعد
النقاش يدور حول: كيف نحافظ على البيت؟ كيف نحمي الطفل؟ كيف نمنع الانهيار؟ بل
أصبح يدور حول: من ينتزع صلاحيات أكثر؟ من يملك اليد العليا قانونيا؟ من يربح
معركة الحضانة؟ من يعاقَب أكثر بعد الطلاق؟
لقد
انتقلت الأسرة، بهدوء وخطورة، من كونها رابطة اجتماعية وإنسانية إلى ملف نزاعي
دائم، ومن مفهوم "السكن والمودة" إلى مفهوم "إدارة الخصومة". وهنا
تبدأ الكارثة الحقيقية؛ لأن القوانين حين تُبنى على الشك المتبادل فإنها لا تنتج
استقرارا، بل تنتج مجتمعا خائفا من نفسه.
القانون
الحالي.. هل كان ظالما أم كان يُخفي الأزمة فقط؟
الحقيقة
التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها أن قانون الأحوال الشخصية القائم لم يكن ناجحا
بالقدر الذي يُسوَّق أحيانا، لكنه أيضا لم يكن الوحش المطلق الذي يصوره خصومه. القانون
أعطى المرأة، خصوصا بعد إدخال الخلع، أدوات لم تكن متاحة سابقا، وفتح أمامها أبوابا
قضائية لمواجهة التعسف أو الضرر أو الاستحالة النفسية لاستمرار
الزواج. وفي
المقابل، احتفظ الرجل بمركز قوي داخل معادلة الطلاق والولاية والإنفاق وإدارة كثير
من تفاصيل الأسرة.
لكن
المشكلة الحقيقية لم تكن دائما في النصوص، بل فيما أنتجته الحياة الواقعية حول هذه
النصوص: أحكام لا تُنفَّذ، ونفقة تضيع بين الإجراءات، وآباء يتحولون إلى "زوار"
في حياة أبنائهم، وأمهات يركضن سنوات داخل المحاكم، وأطفال ينشؤون وسط حرب باردة
لا تنتهي.
لقد أنتج
النظام الحالي شعورا جماعيا بالظلم.. عند الجميع؛ الرجل يشعر أنه مستنزف ومتهم
مسبقا، والمرأة تشعر أنها تقاتل وحدها لتحصيل أبسط حقوقها، والطفل يتحول إلى ضحية
صامتة في منتصف المعركة. وهنا تحديدا ظهرت الرغبة في "قانون جديد"، لكن
السؤال الأخطر: هل القانون الجديد سيعالج الأزمة.. أم سيعيد توزيعها فقط؟
الدولة لا
تنظّم الأسرة فقط.. بل تعيد هندستها
المدافعون
عن مشروع القانون الجديد يرفعون عناوين براقة: حماية المرأة، مصلحة الطفل، ضبط
الطلاق، منع التحايل، تسريع التقاضي، تنظيم الحضانة والاستضافة والرؤية.. لكن خلف
هذه العناوين هناك تحوّل أكثر عمقا يجري بصمت.
الدولة لم
تعد تكتفي بتنظيم العلاقة الأسرية، بل بدأت تتوسع تدريجيا في إعادة تعريفها
بالكامل: ما حدود سلطة الأب؟ إلى أي مدى يمكن تقييد الطلاق؟ من يقرر مصلحة الطفل؟ كيف
تُوزَّع السلطة بعد الانفصال؟ ومن يملك الكلمة النهائية في التعليم والسفر
والرعاية؟
هذه ليست
أسئلة إجرائية، بل أسئلة سيادية داخل الأسرة نفسها. ولهذا يبدو مشروع القانون،
بالنسبة لكثيرين، ليس مجرد "إصلاح قانوني"، بل محاولة لإعادة هندسة
العلاقة بين الرجل والمرأة عبر أدوات الدولة والقضاء.
أخطر ما
في المشروع: تحويل الزواج إلى "مخاطرة قانونية"
الخطر
الحقيقي لا يكمن فقط في مادة هنا أو نص هناك، بل في الرسالة النفسية والاجتماعية
التي يرسلها القانون إلى المجتمع.
حين يدخل
الشاب إلى الزواج وهو يشعر أن أي خلاف مستقبلي قد يحوله إلى خصم قانوني دائم، وحين
تدخل الفتاة إلى الزواج وهي مقتنعة أن القانون وحده هو الضامن الوحيد لعدم سحقها..
فإن الثقة نفسها تكون قد انهارت قبل بداية العلاقة، وهنا يصبح الزواج مشروعا محفوفا
بالخوف لا بالطمأنينة.
الأخطر أن
هذا المناخ لا يُنتج أسرة مستقرة، بل يُنتج زيجات هشة، وخوفا متبادلا، وعنادا
قانونيا، واستخداما انتقاميا للنصوص، ومزيدا من العزوف عن الزواج أصلا.
المجتمعات
لا تنهار فقط بالفقر أو القمع السياسي؛ تنهار أيضا حين يفقد الناس ثقتهم في الأسرة
باعتبارها مكانا للأمان.
المعركة
الفقهية.. حين يصطدم النص بالواقع
المشهد
الفقهي نفسه يكشف حجم الأزمة؛ هناك تيار واسع يرى أن الشريعة قائمة على رفع الضرر
وتحقيق المصلحة، وأن تنظيم الطلاق والحضانة والرؤية بصورة أكثر إحكاما لا يُعد
خروجا عن الدين، بل حماية لمقاصده.
وفي
المقابل، يرى تيار آخر أن التوسع المستمر في "التطوير" يفتح الباب عمليا
لتفريغ الأحكام المستقرة من مضمونها تحت ضغط الواقع والإعلام والخطاب الحقوقي.
الطرف
الأول يخشى الظلم الاجتماعي، والطرف الثاني يخشى الذوبان التشريعي، والحقيقة أن كليهما
يملك جزءا من المخاوف المشروعة. لكن الأزمة أن النقاش لم يعد فقهيا خالصا، بل أصبح
سياسيا أيضا، لأن من يملك تعريف "المصلحة" اليوم، يملك غدا إعادة تشكيل
المجتمع كله.
الفقه
القديم لم يكن جامدا.. لكن السياسة الحديثة أكثر شراسة
المفارقة
أن كثيرا من القضايا التي تبدو اليوم كأنها معارك حديثة، ناقشها الفقهاء القدامى
منذ قرون: الحضانة، التفريق للضرر، الخلع، النفقة، الولاية، حق المرأة في طلب
الفسخ.. بل إن المذاهب نفسها اختلفت في التفاصيل، ولم تكن كتلة واحدة مغلقة.
لكن
الفارق الجوهري أن الخلاف الفقهي القديم كان يتحرك غالبا داخل بيئة علمية هادئة،
بينما يتحرك الجدل الحالي داخل بيئة سياسية وإعلامية مشحونة، تُستخدم فيها قضايا
الأسرة أحيانا كأدوات للاستقطاب أو الضغط أو إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي، وهنا
تتحول الأسرة من كيان اجتماعي إلى ساحة صراع أيديولوجي.
الطفل..
الضحية التي لا يسمعها أحد
المصرية ليست حقل تجارب تشريعية، وأي قانون جديد لا يُقاس بعدد مواده ولا بقوة حملته الإعلامية، بل بقدرته على تقليل النزاع، منع الانتقام القانوني، وحفظ التوازن بين الحقوق والواجبات، وحماية الطفل، وإعادة الثقة إلى مؤسسة الزواج نفسها
وسط هذا
الصخب كله، يظل الطفل هو الطرف الأكثر غيابا عن النقاش رغم أنه الأكثر تضررا. فالطفل
لا يعنيه من انتصر قانونيا، ومن حصل على صلاحيات أكبر، ومن كسب معركة النفقة أو
الحضانة.. ما يعنيه فقط: هل سيعيش مستقرا؟ هل سيبقى أبوه حاضرا؟ هل ستبقى أمه آمنة
نفسيا؟ هل سيتحول إلى ورقة ضغط وانتقام؟ أي قانون لا يضع الطفل في قلب فلسفته، لن
يحمي الأسرة مهما بدا متطورا.
ما الذي
يُحاك للأسرة فعلا؟
قد لا
تكون هناك "مؤامرة" بالمعنى الساذج الذي يتخيله البعض، لكن المؤكد أن
الأسرة المصرية تُدفع تدريجيا إلى مناخ من الشك والتوجس والخوف المتبادل.
الرجل
يخشى القانون، والمرأة تخشى الرجل، وكل طرف يدخل العلاقة وهو يتوقع الانفجار مسبقا،
وهنا تبدأ المجتمعات في التآكل من الداخل؛ لأن الأسرة ليست مجرد علاقة خاصة، بل
آخر خط دفاع نفسي واجتماعي في أي دولة، وإذا تحولت إلى مساحة حرب دائمة، فإن
المجتمع كله سيدفع الثمن لاحقا، مهما بدا المشهد اليوم مجرد "خلاف قانوني".
النهاية:
القوانين قد تُفرض.. لكن الاستقرار لا يُفرض
الحقيقة
التي يجب أن تُقال بلا تجميل: الأسرة المصرية ليست حقل تجارب تشريعية، وأي قانون
جديد لا يُقاس بعدد مواده ولا بقوة حملته الإعلامية، بل بقدرته على تقليل النزاع، منع
الانتقام القانوني، وحفظ التوازن بين الحقوق والواجبات، وحماية الطفل، وإعادة
الثقة إلى مؤسسة الزواج نفسها.
فإذا خرج
القانون وهو يزرع خوفا أكبر من الطمأنينة، وصراعا أكبر من العدل، وخصومة أكبر من
الشراكة.. فلن يكون قد أصلح شيئا، سيكون فقط قد نقل الأزمة من داخل البيوت إلى
داخل القانون نفسه.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.