انسحاب الإمارات من أوبك+.. قرار نفطي أم تسليم آخر أوراق القوة العربية لواشنطن؟

أيمن صادق
"هذه المنظمة وحدها تضخ نحو 30 في المئة من إنتاج النفط العالمي"- الأناضول
"هذه المنظمة وحدها تضخ نحو 30 في المئة من إنتاج النفط العالمي"- الأناضول
شارك الخبر
مرَّ الخبر على كثيرين وكأنه مجرد خبر اقتصادي عابر: الإمارات تعلن الانسحاب من أوبك وأوبك+ بعد عضوية امتدت لعقود، لكن الحقيقة أن من يعرف ماذا تعني أوبك، وماذا تعني أوبك+، ويفهم توقيت الإعلان، ويفهم من المستفيد ومن الخاسر.. سيدرك أننا لا نتحدث عن خلاف فني على حصص إنتاج.

نحن أمام خطوة أخطر من ذلك بكثير، نحن أمام شرخ جديد في آخر ملف كان يمنح العرب -ولو نظريا- شيئا من الوزن داخل معادلة الطاقة العالمية.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مجاملة: هل هذا قرار سيادي بريء فعلا؟ أم أننا أمام فصل جديد من هندسة أمريكية لسوق النفط تُنفَّذ بأيدٍ عربية؟

أولا: قبل أن ننفعل.. دعونا نفهم حجم ما نتحدث عنه بالأرقام

هناك من يقرأ اسم أوبك ولا يعرف أصلا ما معناها:

أوبك: هي منظمة الدول المصدرة للنفط، وتضم كبار المنتجين مثل: السعودية، العراق، الكويت، إيران، الجزائر، ليبيا، نيجيريا، فنزويلا.. وكانت الإمارات واحدة من أعمدتها. هذه المنظمة وحدها تضخ نحو 30 في المئة من إنتاج النفط العالمي.

لكن الأخطر هي أوبك+، وهنا لا نتحدث عن أوبك فقط، بل عن أوبك ومعها روسيا وكازاخستان وعُمان والبحرين وأذربيجان والمكسيك وغيرهم. أي أننا نتحدث عن تكتل كان يمسك بما يقارب نصف إمدادات النفط العالمية تقريبا، نصف السوق العالمي للطاقة كان يتحرك بتفاهمات هذا التكتل.

يعني ببساطة: حين كانت أوبك+ تتفق، كان العالم كله يسمع؛ البورصات تسمع، البيت الأبيض يسمع، أوروبا تسمع، الصين تسمع، شركات النقل والصناعة تسمع؛ لأن القرار هنا لم يكن مجرد براميل.. كان قرارا يحدد: كم سيدفع العالم ثمن البنزين؟ كم سترتفع تكلفة الحرب؟ كم سيخسر المستوردون؟ وكم سيربح المنتجون؟

ثانيا: هل الإمارات عضو عادي يمكن تعويضه بسهولة؟

أبدا، الإمارات ليست دولة صغيرة داخل المنظمة، الإمارات تنتج حاليا حوالي 3.4 إلى 3.5 مليون برميل يوميا، وهي من أكبر 4 منتجين داخل أوبك. والأهم من ذلك أن قدرتها الحقيقية التي استثمرت فيها خلال السنوات الأخيرة تقترب من 4.8 إلى 5 ملايين برميل يوميا. أي أن لديها أكثر من مليون ونصف المليون برميل يوميا تقريبا خارج السقف المسموح به داخل أوبك+.

ماذا يعني هذا بلغة المال؟ إذا افترضنا متوسط 90 إلى 100 دولار للبرميل في ظل توترات المنطقة، فنحن نتحدث عن 150 مليون دولار يوميا تقريبا كإيراد إضافي محتمل. أي أكثر من 4 مليارات دولار شهريا، وحوالي 50 مليار دولار سنويا.

كانت أبو ظبي ترى أنها مجمدة بسبب الالتزام بحصص المنظمة. إذن نعم.. هناك دافع مالي واضح؛ الإمارات تريد أن تضخ أكثر، وتبيع أكثر، وتربح أكثر. لكن هل المسألة تتوقف عند هذا الحد؟ هنا تبدأ القصة الحقيقية.

ثالثا: لماذا جاء القرار الآن بالذات؟ هنا لا توجد مصادفات

دعونا ننظر إلى العالم لحظة صدور القرار:

- حرب مشتعلة في المنطقة واحتمال مواجهة أوسع مع إيران.

- مضيق هرمز تحت ضغط دائم.

- البحر الأحمر مرتبك.

- حرب روسيا وأوكرانيا ما زالت تضغط على سوق الطاقة.

- أوروبا تبحث عن أي متنفس.

- أمريكا تريد أسعارا لا تنفجر في وجهها.

في مثل هذه اللحظة كان المفترض منطقيا أن يتمسك كبار المنتجين بأقصى درجات التنسيق. لكن الذي حدث هو العكس: واحد من أهم الأعمدة يخرج من التكتل.

وهنا يصبح من حق أي مراقب أن يسأل: لماذا تأتي "الرغبة في الاستقلال" دائما في التوقيت الذي يحتاج فيه الغرب إلى سوق أكثر مرونة وأقل انضباطا؟ هل هي صدفة؟ أم أن هناك ما هو أكبر من مجرد حسابات ربح وخسارة محلية؟

رابعا: من هو المستفيد الحقيقي؟ لا تنظر إلى من أعلن.. انظر إلى من ابتسم

نعم، الإمارات ستستفيد ماليا، ستتحرر من الحصص، سترفع الإنتاج، ستجني عشرات المليارات الإضافية إذا سارت الأمور كما تريد. هذا مفهوم، لكن الإمارات ليست المستفيد الأكبر؛ المستفيد الأذكى هو واشنطن، لماذا؟ لأن أوبك+ كانت طوال السنوات الماضية تمثل صداعا حقيقيا للبيت الأبيض.

كلما أرادت أمريكا تهدئة أسعار الوقود اصطدمت بتخفيضات الإنتاج، كلما أرادت خنق روسيا أو الضغط على إيران وجدت أن هناك تكتلا يملك قدرة على تعقيد السوق. بعبارة أوضح: أمريكا لا تحب أن يكون هناك نصف سوق النفط العالمي تحت قرار جماعي لا تتحكم فيه.

ما الذي تحتاجه واشنطن إذا؟ لا تحتاج حربا مع أوبك+، يكفيها أن يضعف الانضباط، وتزيد الخلافات، وتتحرك الدول منفردة، ويتآكل القرار الجماعي. وحين يحدث ذلك، تصبح المنظمة مجرد اسم، ويصبح السوق أكثر قابلية للتوجيه من الخارج. وهذا بالضبط ما يحققه خروج الإمارات.

خامسا: كفى خداعا.. هل ما زال النفط العربي أصلا سلاحا مستقلا؟

هنا يجب أن نكون صرحاء، كثيرون ما زالوا يعيشون على ذكرى 1973. حين استخدم العرب النفط في حرب أكتوبر اهتز الغرب فعلا، لأنه كان هناك قرار سياسي أقرب للاستقلال، وكان هناك تنسيق عربي نسبي، وكان هناك استعداد لتحمل الثمن. أما اليوم؟ أي سلاح نفطي نتحدث عنه؟

هل تستطيع دول تعتمد أمنيا على القواعد الأمريكية، وماليا على الدولار، واستثماريا على الأسواق الأمريكية، وبحريا على الحماية الأمريكية؛ أن تخوض حرب طاقة حقيقية ضد واشنطن؟

الجواب يعرفه الجميع لكنه لا يقال كثيرا: النفط العربي منذ سنوات لم يعد سلاحا حرا.. بل صار جزءا من منظومة استقرار الطاقة التي يحتاجها الغرب؛ يزيدون الإنتاج حين يحتاج السوق تهدئة، يخفضونه حين تحتاج الأسعار توازنا، لكن داخل هامش لا يخرج عن السقف الأمريكي.

إذن، لا أحد يخدعنا بشعار "سلاح النفط العربي"، فالسلاح فقد روحه منذ فقد أصحابه استقلال القرار.

سادسا: ما يحدث الآن أخطر من مجرد فقدان السلاح.. نحن أمام تفكيك حتى التنسيق نفسه

حتى هذا الهامش المنضبط الذي كان موجودا داخل أوبك+ بدأ يتآكل، يعني لم نعد أمام نفط عربي مستقل، ولا حتى نفط عربي منسق، بل أمام مرحلة عنوانها: كل دولة تبحث عن مصلحتها المالية الفردية تحت المظلة الأمريكية نفسها. وهنا الكارثة، لأن النتيجة النهائية تصبح:

- لا قرار سيادي حقيقي.

- لا موقف جماعي.

- لا ورقة ضغط.

- لا قدرة على إزعاج الغرب.

فقط سباق محموم على من يبيع أكثر ومن يربح أكثر، وهذا هو الشكل المثالي الذي تحبه واشنطن لسوق الطاقة؛ منتجون متنافسون.. لا منتجون متضامنون.

سابعا: هل نبالغ حين نقول إن إسرائيل أيضا تستفيد؟

أبدا؛ إسرائيل لا تنظر فقط إلى الصواريخ.. إسرائيل تنظر إلى بنية القوة العربية كلها. أي ملف يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط جماعية يقلقها.. الجيوش تقلقها، والسياسة الموحدة تقلقها، والاقتصاد الموحد يقلقها، والنفط الموحد كان يقلقها؛ لأن أخطر ما كان يمكن أن يحدث في أي لحظة اشتعال إقليمي هو أن يتحول النفط إلى رسالة ضغط على داعمي الاحتلال.

أما حين ترى إسرائيل أن حتى هذا الملف يتحول إلى حسابات ربح فردي.. فهي تفهم الرسالة: لا يوجد قرار عربي جماعي في الطريق. وهذا وحده مكسب استراتيجي ضخم لها.

ثامنا: هل القرار بريء تماما؟ هنا بيت القصيد

قد لا يخرج مسؤول أمريكي ليقول: نحن طلبنا من الإمارات الانسحاب، فالسياسة لا تعمل بهذا الغباء. لكن هناك قاعدة معروفة: حين تجد أن كل النتائج النهائية تصب في مصلحة طرف واحد، لا تتعامل مع الأمر كسلسلة مصادفات.

انظر إلى المحصلة:

- أوبك+ أضعف.

- التنسيق النفطي أرخى.

- قدرة المنتجين على المناورة أقل.

- السوق أكثر مرونة لصالح المستوردين.

- الغرب أكثر اطمئنانا.

- أمريكا أكثر راحة.

- إسرائيل أكثر ثقة أن لا ضغط عربي جماعي قادم.

إذن، حتى لو كان القرار مغلفا بعنوان "سيادي"، فالنتيجة تخدم هندسة دولية واضحة. ومن حق الناس أن يسألوا: هل نحن أمام قرار اقتصادي فقط.. أم أمام تنفيذ ناعم لإعادة تشكيل سوق الطاقة بما يناسب واشنطن؟

الخلاصة التي لا يريد كثيرون قولها: الإمارات لم تنسحب من أوبك+ فقط، ما حدث أعمق: سقط جزء جديد من وهْم أن العرب ما زالوا قادرين على إدارة ملف النفط ككتلة لها وزن.

قد تربح أبو ظبي عشرات المليارات، لكن المنطقة كلها تخسر وزنا سياسيا، وقدرة تفاوضية، ورهبة جماعية، وأحد آخر مظاهر القوة المشتركة. والأخطر أن كل هذا يحدث في لحظة تحتاج فيها الأمة إلى تجميع أوراقها.. لا إلى تسليمها واحدة بعد الأخرى.

لذلك فالسؤال لم يعد هل القرار اقتصادي أم سياسي؟ السؤال الحقيقي: كم بقي أصلا من القرار النفطي العربي خارج غرفة التحكم الأمريكية؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)