هل ستخرج مصر حقاً من عباءة صندوق النقد الدولي؟

أشرف دوابة
"الاقتراض، حين تدعو إليه الحاجة، ينبغي أن يوجَّه إلى مشروعات إنتاجية مدروسة، تضيف إلى الناتج وتوفر العملات الأجنبية"- الأناضول
"الاقتراض، حين تدعو إليه الحاجة، ينبغي أن يوجَّه إلى مشروعات إنتاجية مدروسة، تضيف إلى الناتج وتوفر العملات الأجنبية"- الأناضول
شارك الخبر
أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التوجيه بإعداد برنامج اقتصادي وطني شامل، يبدأ تنفيذه عقب انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، ليكون -بحسب التصريح الرسمي- برنامجاً مصرياً خالصاً، ينقل الاقتصاد من مرحلة تثبيت الاستقرار إلى الانطلاق نحو النمو المستدام وتحسين مستوى معيشة المواطنين. وهو إعلان له أهميته في توقيته ودلالته، لكنه يثير سؤالاً لا يقل أهمية: هل ستخرج مصر حقاً من عباءة صندوق النقد الدولي، أم ينتهي البرنامج وتبقى فلسفته وسياساته حاكمة للاقتصاد المصري؟

فمصر لم تخرج بعد من برنامج الصندوق، بل توصلت في نهاية حزيران/ يونيو 2026 إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة للاتفاق الممتد، ولا يزال استكمال المراجعة مرتبطاً بموافقة المجلس التنفيذي للصندوق وتنفيذ الالتزامات المتفق عليها. ومن ثم، فإن الحديث عن مرحلة ما بعد الصندوق هو حديث عن المستقبل، وليس وصفاً للواقع القائم حالياً.

والحقيقة أن انتهاء اتفاق مع صندوق النقد لا يعني تلقائياً الخروج من عباءته. فقد ينتهي البرنامج رسمياً، بينما تستمر السياسات نفسها التي فرضتها الحاجة إلى التمويل الخارجي، من تحرير سعر الصرف، ورفع أسعار الوقود والخدمات العامة، وتقليص الدعم، والتوسع في الضرائب غير المباشرة، وبيع الأصول المملوكة للدولة، والاعتماد على الأموال الساخنة والقروض لسد الفجوة التمويلية.

الخروج الحقيقي من عباءة الصندوق ليس قراراً سياسياً أو إعلاناً إعلامياً، وإنما نتيجة طبيعية لبناء اقتصاد قادر على تمويل احتياجاته وتوفير موارده من الداخل

لذلك، فإن الخروج الحقيقي من عباءة الصندوق ليس قراراً سياسياً أو إعلاناً إعلامياً، وإنما نتيجة طبيعية لبناء اقتصاد قادر على تمويل احتياجاته وتوفير موارده من الداخل. فالدولة التي تعاني عجزاً مزمناً في الموازنة، وفجوة بين الصادرات والواردات، واحتياجاً مستمراً إلى العملات الأجنبية، وأعباء متزايدة لخدمة الدين؛ ستظل مضطرة إلى الاقتراض، سواء كان المقرض هو صندوق النقد أو غيره من المؤسسات والأسواق الدولية.

والبرنامج الاقتصادي الوطني المطلوب لا يكفي أن يوصف بأنه "مصري خالص"، وإنما يجب أن يكون مختلفاً في منطلقاته وأولوياته وأدواته. فالعبرة ليست بهوية من يكتب البرنامج، بل بطبيعة السياسات التي يتضمنها. فإذا قام على زيادة الأعباء على المواطنين، والتوسع في الاقتراض، وبيع الأصول لتوفير سيولة مؤقتة، فلن يختلف كثيراً عن برامج الصندوق، حتى لو لم يحمل اسمه.

إن البداية الحقيقية لأي برنامج وطني تتمثل في الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الاقتصاد. فقد ظلت الأولوية سنوات طويلة لتدبير الدولار، وسداد الأقساط والفوائد، واجتذاب التدفقات المالية قصيرة الأجل، والحصول على ودائع وقروض جديدة. أما البرنامج الوطني فعليه أن يعيد الأولوية إلى الإنتاج الحقيقي في الصناعة والزراعة، وتعميق المكون المحلي، وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة، وتقليل استيراد السلع التي يمكن إنتاجها محلياً.

ولا يعني ذلك إغلاق الاقتصاد أو معاداة الاستثمار الأجنبي، وإنما بناء علاقة متوازنة معه، بحيث يأتي الاستثمار الأجنبي لإنشاء طاقات إنتاجية جديدة، ونقل التكنولوجيا، وتوفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، لا لمجرد شراء أصول قائمة أو الاستفادة من انخفاض قيمة العملة.

كما يجب إعادة تعريف دور القطاع الخاص، فالقطاع الخاص ليس بديلاً للدولة في بيع الأصول العامة إليه، وإنما شريك في الإنتاج والتنمية، والدولة ليست مطالبة بالانسحاب الكامل من النشاط الاقتصادي، بل بتحديد المجالات التي تقتضي المصلحة العامة وجودها فيها، مع إنهاء المنافسة غير المتكافئة، وتحسين الحوكمة، وتوفير بيئة عادلة للمستثمرين المنتجين.

أهم شروط الخروج من عباءة الصندوق؛ وضع استراتيجية حقيقية لإدارة الدين العام. فليس من المقبول استمرار الاقتراض لسداد قروض سابقة، أو تمويل مشروعات لا تولد عائداً قادراً على الوفاء بالتزاماتها

ومن أهم شروط الخروج من عباءة الصندوق؛ وضع استراتيجية حقيقية لإدارة الدين العام. فليس من المقبول استمرار الاقتراض لسداد قروض سابقة، أو تمويل مشروعات لا تولد عائداً قادراً على الوفاء بالتزاماتها. والاقتراض، حين تدعو إليه الحاجة، ينبغي أن يوجَّه إلى مشروعات إنتاجية مدروسة، تضيف إلى الناتج وتوفر العملات الأجنبية، لا أن يتحول إلى أسلوب دائم لتأجيل الأزمة.

ولا يكون البرنامج وطنياً كذلك إذا حمل الفقراء والطبقة الوسطى وحدهم تكلفة الإصلاح. فالعدالة الاجتماعية ليست بنداً تكميلياً، وإنما شرط لاستدامة الإصلاح نفسه، والمواطن لا يقيس نجاح الاقتصاد بحجم الاحتياطي أو رضا المؤسسات الدولية فحسب، وإنما بما يلمسه في الأسعار والدخل والعمل والتعليم والصحة والسكن.

ومن منظور الاقتصاد الإسلامي، فإن قوة الاقتصاد لا تُبنى على تدوير الديون، بل على الإنتاج والعمل والاستثمار الحقيقي، وعدالة توزيع الأعباء، وحسن إدارة المال العام. كما أن أصول الدولة أمانة للأمة، فلا ينبغي بيعها لمجرد سد عجز آني، بل يجب إصلاح إدارتها وتعظيم عوائدها، ولا يُلجأ إلى التخارج منها إلا وفق مصلحة اقتصادية حقيقية وشفافية كاملة.

إن مصر تستطيع الخروج من عباءة صندوق النقد، لكنها لن تخرج منها بمجرد انتهاء البرنامج الحالي. فالخروج الحقيقي يبدأ حين يتوقف الاقتصاد عن إنتاج الأسباب التي تدفعه إلى الصندوق: ضعف الإنتاج، واتساع الفجوة الدولارية، وتضخم الدين، وتراجع الصادرات، والاعتماد على الموارد المؤقتة.

أما إذا انتهى الاتفاق، وبقيت الأسباب والسياسات نفسها، فقد تخرج مصر من برنامج الصندوق اليوم، ثم تعود إليه غداً. وهنا يكون التحدي الحقيقي أمام البرنامج الاقتصادي الوطني المرتقب: أن يكون برنامجاً للاستقلال الاقتصادي، لا مجرد مرحلة فاصلة بين اتفاقين مع صندوق النقد الدولي.

x.com/drdawaba


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)