اكتسب
مصطلح "التمكين" معنى رمزيا خاصا في
مصر، ومنها انتقل إلى تونس، ويقصد
تمكين الإخوان المسلمين في مصر من مفاصل الحكم، وكذا الحال بالنسبة للنهضة في تونس.
بهذا الوصف والمعنى يكون التمكين في نظر خصوم التيار الإسلامي عملا مستهجنا، بل
إخلالا بأمن الدولة وهويتها، وبالتالي وجب التصدي له حتى لو كان هذا التصدي لصالح
تمكين من نوع آخر هو "التمكين العسكري"، والذي لم يعد تمكينا تقليديا
كما هو الحال منذ وصول الضباط لحكم مصر في العام 1952، واحتكارهم للمناصب العليا،
لكنه أصبح تمكينا سرطانيا في كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية
والثقافية والأكاديمية.. الخ.
خلال
الأيام القليلة الماضية شهدت مصر خطوات جديدة ومتسارعة على طريق "التمكين
العسكري"، كان أحدثها إنشاء الجيش لجامعة مدنية تضم عددا من الكليات الطبية
والهندسية، وهي مخصصة للطلاب المدنيين من خريجي الثانويات العامة والأزهرية
والشهادات المعادلة، الجامعة الجديدة تحمل اسما غريبا (الكيان) وهو الاسم ذاته
الذي سبق إطلاقه على المجمع العسكري في العاصمة الإدارية الجديدة قبل أن يتم
تسميته "الأوكتاغون" (الذي يوصف بالعقل الاستراتيجي للدولة)، رغم أن
مصطلح الكيان يطلق اختصارا على الكيان الصهيوني!
ملامح الجمهورية الجديدة التي يتحدث عنها السيسي وإعلامه تظهر تباعا، وهي نسخة جديدة أكثر "عسكرية" من جمهورية يوليو 52 والتي أسسها الضباط أيضا، لكن ثمة فروق واضحة بين الجمهوريتين رغم اتفاقهما في الأصل العسكري،
في
مصر كما في كل العالم كليات عسكرية لتخريج الضباط في كل التخصصات، ومن بينها كليات
للطب العسكري والهندسة أيضا (الكلية الفنية العسكرية)، وأكاديمية عسكرية للدراسات
العليا والتدريب. لكن هذه الأخيرة لم تعد مقتصرة على تدريب الضباط بل اتسع نطاق
عملها في إطار سياسة التمكين العسكري لتشمل تدريب الموظفين المدنيين، من معلمين
وأئمة مساجد وحتى قضاة، وأصبح الترقي الوظيفي في العديد من المجالات المدنية
مرتبطا بتلقي دورات تدريب في الأكاديمية العسكرية. وكان الأمر يتم من قبل عبر معهد
إعداد القادة وهو معهد مدني امتلك سمعة جيدة، لكنه توارى حاليا لصالح الأكاديمية
العسكرية التي يحرص
السيسي على حضور حفلات تخرج بعض متدربيها، كما يحرص على حضور
حفلات التخرج للكليات العسكرية، بينما لا يحضر حفلات تخرج للجامعات المدنية
التقليدية، وإن كان من الراجح أنه سيحضر حفلات تخرج جامعة كيان الجديدة باعتبارها
مولوده الأكاديمي الذي سيرتبط باسمه مباشرة.
ملامح
الجمهورية الجديدة التي يتحدث عنها السيسي وإعلامه تظهر تباعا، وهي نسخة جديدة
أكثر "عسكرية" من جمهورية يوليو 52 والتي أسسها الضباط أيضا، لكن ثمة
فروق واضحة بين الجمهوريتين رغم اتفاقهما في الأصل العسكري، فالجمهورية الأولى
كانت صاحبة مشروع تنموي، وصاحبة رؤية في السياسة الخارجية، حيث قادت مع دول أخرى
بناء منظمة عدم الانحياز، ومنظمة الوحدة الأفريقية، ومنظمة العالم الإسلامي، وحفرت
لمصر مكانة إقليمية متميزة، حتى لو اختلفنا مع خطاياها السياسية الداخلية بحق
الحريات العامة، وعدم وفائها بوعدها لإقامة حياة ديمقراطية سليمة، وتسببها في
هزيمة يونيو التي لا تزال مصر تدفع فواتيرها حتى الآن.
كان
ضباط يوليو 1952 مثقفين، ينتمون لخلفيات سياسية متنوعة، تمثل في ذاتها جبهة وطنية
واسعة، بينما ضباط يوليو 2013 هم فقط عسكريون تقليديون لا يحملون رؤى أو مشاريع
كبرى باستثناء بعض الإنشاءات (مدن جديدة -طرق- جسور) التي تمثل لهم شرعية إنجاز سريع
رغم أنها من صميم عمل أجهزة الحكم المحلي والوزارات الخدمية وخاصة الإسكان والطرق
والمواصلات.. الخ، وفي المقابل أجهزوا على مكتسبات ثورة يناير الديمقراطية، وفرضوا
دولة الخوف والرعب، والصوت الواحد، وأعادوا هندسة الحياة في كل مناحيها السياسية
والاقتصادية والثقافية والأمنية.. الخ بما أنتج في النهاية دولة شديدة
العسكرة
تنافس كوريا الشمالية وغيرها من العسكريات المتطرفة.
قبل أيام
اعترف السيسي بـ"عظمة لسانه" أن إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، والتي
نقل لها الوزارات ودواوين الحكم الأخرى، والمجمع العسكري المسمى
"الأوكتاغون"، هو لتجنيب مؤسسات الدولة أي موجات غضب شعبي شبيهة بأحداث
ثورة يناير 2011، والتي جرى خلالها الاعتصام أمام مقر مجلس الوزراء والبرلمان،
ووزارتي الدفاع والداخلية. لم يكن إنشاء هذه العاصمة التي تكلفت حوالي 60 مليار
دولار بهدف الخروج من ضيق القاهرة التاريخية وزحامها إذن، بل خوفا منها، ومن ساكنيها
وزوراها،
التوسع في عسكرة الاقتصاد يجري في وقت يتعهد فيه النظام علنا بالتخارج من الشركات العسكرية التزاما بشروط صندوق النقد، لكنه بدلا من هذا التخارج يضاعف هيمنته
لكن الأهم هو تأسيس مدينة جديدة تصبح عاصمة للجمهورية الجديدة، وتسجل في
التاريخ باسم السيسي، حتى وإن طوقت ديونها أعناق المصريين حاضرا ومستقبلا، تماما
كما حدث مع ديون حفر تفريعة جديدة لقناة السويس لم تكن هناك أي ضرورة لها، لكن
السيسي اعترف لاحقا أنها كان لرفع الروح المعنوية للشعب!!
"جهاز
مستقبل مصر للتنمية المستدامة" أحد أذرع الجمهورية العسكرية الجديدة، ونشأ في
الأساس تحت مظلة القوات الجوية لإدارة ملفات الأمن الغذائي والتنمية الزراعية
واستصلاح الأراضي والتصنيع الزراعي، وقد أعدت السلطة له قانونا بشكل عاجل ينقل
تبعيته لرئاسة الدولة، ويجعله بمثابة منظومة
اقتصادية متكاملة، تشمل إدارة أصول
الدولة وأراضيها، وتخصيصها، وإصدار التراخيص والموافقات ووضع الحوافز والرسوم
وتشغيل المرافق والتفتيش وتوقيع الجزاءات الخ، كما يتمتع بسلطات غير محدودة في
أداء عمله، ولا يخضع للرقابة. هذا التوسع في عسكرة الاقتصاد يجري في وقت يتعهد فيه
النظام علنا بالتخارج من الشركات العسكرية التزاما بشروط صندوق النقد، لكنه بدلا
من هذا التخارج يضاعف هيمنته.
عسكرة
الحياة المدنية بدأت مبكرا عقب انقلاب الثالث من يوليو 2013، وهي تطوير إلى الأسوأ
لما سبق بعد يوليو 1952، فمعظم المحافظين ونوابهم، ومعظم رؤساء المدن، والهيئات
العامة بعد 2013 من العسكريين. كما أن الترقي في الوظائف العامة في الوزارات
المدنية أصبح رهن الحصول على دورات تدريبية عسكرية، وتقارير عسكرية، وحتى الاحتفال
بعودة المنتخب الوطني تم بترتيبات عسكرية أفقدته طابعه الشعبي الذي كان ينتظره
الشعب وكذا المنتخب نفسه.
هكذا
يسير التمكين العسكري بخطى متسارعة لترسيخ قواعد الجمهورية الجديدة، ولكن هذا
التمكين لن يمنح هذا الحكم الاستدامة التي ينشدها، بل إنه يراكم الغضب في النفوس،
وسيبحث هذا الغضب عن طريقة جديدة للتعبير عن نفسه لا تخطر على بال النظام الذي لا
يزال أسير كوابيس 2011.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.