النخانيخ
هي جمع
نخنوخ، ونخنوخ هو زعيم
البلطجية في
مصر، بل إنه حاز من الأوصاف ما هو أكثر،
فهو "أمير البلطجية" و"رئيس جمهورية البلطجة" و"وزير
داخلية الشارع" بحسب وصف صديقه المطرب الشعبي سعد الصغير. وقد أصبح نخنوخ
رمزا لتشكيلات عصابية منتشرة في ربوع مصر، روعت المواطنين، وفرضت عليهم قوانينها
الخاصة في ظل حماية ورعاية أمنية رسمية من السلطات المصرية، ولذا ذاع مصطلح دولة
أو جمهورية النخانيخ.
الفتوات
والتشكيلات العصابية ظاهرة قديمة في مصر، لكن ظاهرة نخنوخ تتجاوز الأشكال
التقليدية القديمة، وهي تتشابه مع حالات أخرى صنعتها السلطة، واستعانت بها لمساندة
الأجهزة الأمنية الرسمية، وغضت الطرف عن تجاوزاتها وجرائمها الأخرى بحق المواطنين
العاديين، مثل سلفه عزت حنفي (الخط)، ولكن السلطة نفسها هي التي تخلصت ممن صنعتهم
حينما تجاوزوا حدودهم المرسومة.
استخدمت
السلطة زعماء البلطجية في مواجهة خصومها وخاصة الإسلاميين، ففي التسعينات وفي ذروة
المواجهة بين السلطة والجماعة الإسلامية في الصعيد استعانت وزارة الداخلية بأحد
أكبر تجار المخدرات في مصر، وزعيم البلطجية في أسيوط (عاصمة الصعيد) المدعو عزت
حنفي، والذي كان رجاله يعرفون مواطن اختباء أعضاء الجماعات الإسلامية الذين كانت
تطاردهم الشرطة، وتسعى للقبض عليهم، أو حتى قتلهم.
هؤلاء النخانيخ يعملون بعلم الأجهزة الأمنية إن لم يكن بترتيبات مباشرة معها، فهي تستخدمهم بطريقة غير رسمية لتنفيذ بعض المهام التي لا تستطيع الشرطة الرسمية تنفيذها
وقد اعترف بنفسه بأنه قتل
العشرات من أعضاء تلك الجماعات بتعليمات من السلطة وبدعم تسليحي منها، وتجاوزت
السلطة في المقابل عن الكثير من جرائمه بحق المواطنين، ولكنه تمادى في إجرامه، وصولا
إلى خطف وحبس المواطنين، بل وقتل بعضهم، وقام بزراعة المخدرات في مئات الأفدنة في
جزيرته (النخيلة) التي حولها إلى قلعة عسكرية تستعصي على رجال الأمن. وقد اضطرت
السلطة لحشد أكثر من 3 آلاف ضابط وجندي لاقتحام الجزيرة الذي استغرق أسبوعا في شباط/
فبراير 2004، قبل القبض عليه وإحالته للمحكمة التي حكمت بإعدامه شنقا.
أما المعلم
صبري نخنوخ الذي بدأ حياته في عالم البلطجة بتنظيم محدود في إحدى مناطق القاهرة،
فقد "تعملق" حتى أصبح رئيس أكبر شركة للأمن والحراسات الخاصة، وهي
مجموعة فالكون التي تضم داخلها سبع شركات متنوعة في أنشطة مختلفة. وقد ذاع صيت
نخنوخ في عهد مبارك، حيث استخدمته السلطة في تزوير الانتخابات البرلمانية عام
2005، وإغلاق لجان الاقتراع، والاعتداء على المندوبين والناخبين بعد أن ظهر تقدم
الإخوان الواضح في الجولة الأولى لتلك الانتخابات، فصدرت تعليمات اعترف بها آخر
رئيس وزراء لمبارك وهو الدكتور أحمد نظيف بالتدخل في الجولتين الثانية والثالثة
لوقف ذلك التقدم، ومارس الدور ذاته في الانتخابات البرلمانية في 2010.
كما
أنه تصدى برجاله لبعض مظاهرات المعارضة المصرية (حركة كفاية وغيرها) التي تصاعدت
في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، وحين وقعت ثورة يناير شارك ببلاطجته في موقعة
الجمل، حتى تم القبض عليه في آب/ أغسطس 2012. وهنا نتذكر بكل التقدير النائب
السابق الدكتور محمد البلتاجي؛ الذي كشف جرائم نخنوخ وتعاونه مع الأجهزة الأمنية
ضد المتظاهرين وفي تزوير الانتخابات.. الخ، وقد حكم القضاء على نخنوخ بالسجن
المؤبد لكن السيسي أصدر عنه عفوا رئاسيا بحجة المرض في 2018.
كان
النظام المصري في تلك الفترة في مواجهة ضارية مع تنظيم داعش في سيناء وبعض المناطق
الأخرى، كما أنه كان يستعد للانتخابات الرئاسية، ومن بعدها التعديلات الدستورية،
وكان يرى حاجة الشرطة الرسمية إلى دعم "مليشياوي". وفي العام 2023 مكّن
النظام نخنوخ من رئاسة مجموعة فالكون للأمن، ووفر لها السلاح المرخص، ومنحها عقود
تأمين الجامعات، والعديد من السفارات ومقار الأمم المتحدة، وحماية العديد من
الدبلوماسيين والشخصيات العامة والوزراء.. الخ، وأصبح للمجموعة قوات انتشار سريع
يمكن الاستعانة بها عند الضرورة.
مجموعة
فالكون للأمن تابعة لأجهزة أمنية سيادية أساسا، لكنها قررت إدخال نخنوخ بجزء من
رأس المال ليكون واجهة لها، وحين تجاوز الحدود التي رسمتها له، وأصبحت سمعته
السيئة عبئا كبيرا عليها؛ رأت التخلص منه، فعرضت عليه من خلال صندوقها السيادي
التخارج من الشركة مقابل رد ما دفعه من مال، لكنه أصر على تقييم المجموعة وفقا
للسعر السوقي، ما يعني أنه يريد الحصول على أكثر من عشر أضعاف ما دفعه، وهو ما
تسبب في التسريع بقرار التخلص منه، ليكون عبرة لغيره.
نخنوخ
ليس الوحيد في دولة البلطجة، لكنه رمزها الأكبر، وإلى جانبه العديد من "النخانيخ"
الأخرى، وبعضهم تربطه علاقات شراكة وتعاون معه لتوسيع سطوتهم في ربوع مصر، وبعضهم
يعمل بطرق مستقلة في بعض الأقاليم والمناطق المصرية، وكل هؤلاء النخانيخ يعملون
بعلم الأجهزة الأمنية إن لم يكن بترتيبات مباشرة معها،
هؤلاء النخانيخ يعملون بعلم الأجهزة الأمنية إن لم يكن بترتيبات مباشرة معها، فهي تستخدمهم بطريقة غير رسمية لتنفيذ بعض المهام التي لا تستطيع الشرطة الرسمية تنفيذها
فهي تستخدمهم بطريقة غير
رسمية لتنفيذ بعض المهام التي لا تستطيع الشرطة الرسمية تنفيذها، ما يعني أن تلك
العمليات تنفذ خارج نطاق القانون، وعبر الترويع واستخدام السلاح، وإذا تجاوز أحدهم
وتحول ذلك التجاوز إلى قضية رأي عام فإن الشرطة تغسل يدها فورا منه بالقبض عليه
وتقديمه للمحاكمة.
حين
ألقت الشرطة القبض على نخنوخ في 2012 انعكس أثر ذلك سريعا على الشارع في حينه،
فاختفى الكثير من البلطجية الذين كانوا يرهبون المواطنين ويستغلون حالة القصور
الأمني في فرض سطوتهم على المجتمع، حينها كتبتُ مقالا بعنوان "آن الأوان
ترحلي يا دولة النخانيخ"، مستوحيا العنوان من قصيدة الميدان للشاعر عبد
الرحمن الأبنودي، وأحد أبياتها "آن الأوان ترحلي يا دولة العواجيز"،
وكان يقصد دولة مبارك. لكن دولة النخانيخ التي قصدتها لم ترحل، بل استعادت
عافيتها، وسطوتها حتى قبل أن يخرج نخنوخ نفسه من محبسه، فقد كان يدير شبكته عبر
الهاتف من داخل السجن، وبتنسيق كامل مع الأجهزة الرسمية، وصولا إلى اعتلائه رئاسة
أكبر شركة للأمن في مصر.
ظاهرة
النخانيخ مرتبطة بالأساس بالأنظمة الاستبدادية، التي تعتمد على هؤلاء البلاطجة في
تنفيذ بعض المهام، والمواجهة الخشنة للخصوم السياسيين، وقد كانت الفرصة الوحيدة
للتخلص من تلك الظاهرة عقب ثورة يناير، وفي ظل حكم مدني، يحترم القانون ويحرص على
أمن المواطنين، لكن استمرار الحكم القمعي سيظل هو البيئة الخصبة لولادة ونمو المزيد
من النخانيخ الجدد، ولهذا السبب فلن تختفي دولة النخانيج طالما بقت منظومة الحكم
الاستبدادي.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.