تمر
مصر هذه الأيام بصيف لاهب، حيث تجاوزت
درة الحرة حاجز الأربعين ولامست 45 في بعض المناطق خاصة في الصعيد في طقس هو
الأعلى حرارة من العام الماضي، وما سبقه من أعوام كأثر من مشكلة الاحتباس الحراري
التي تعاني منها مصر.
هذا الصيف القائظ يؤثر حتما على حياة البشر
والشجر وحتى الحجر، لكن ما يعنينا هنا هو تأثيره على المعتقلين السياسيين الذين
تكتظ بهم الزنازين الخانقة بطبيعتها.
في مصر 60 ألف معتقل سياسي أو يزيد، موزعون على عدد من السجون وأماكن الاحتجاز، خلفهم عشرات آلاف الأسر التي تعاني معاناة مضاعفة أيضا، والتي تتألم لألمهم، وتشتاق للحظة الإفراج عنهم، والجلوس معهم تحت سقف واحد وعلى مائدة طعام واحدة.
خارج
السجون حيث يجأر المصريون من لهيب
الصيف لكنهم على كل حال يستطيعون التعامل مع المشكلة عبر وسائل التهوية الحديثة من
أجهزة تكييف أو حتى مراوح في الحد الأدنى، لكن المعتقلين المحشورين في زنازين ضيقة
يواجهون مشكلة مزدوجة أو حتى ثلاثية الأبعاد، فهم يشاركون بقية المصريين في مواجهة
الموجة الحارة، لكن معاناتهم تزيد بوجودهم داخل زنازين ضيقة وخانقة مكدسة بأعداد
تفوق ما تسمح به مساحاتها، وإلى جانب ذلك تحرمهم إدارات السجون من إدخال مراوح
تخفف عنهم تلك الحرارة.
في مصر 60 ألف معتقل سياسي أو يزيد، موزعون
على عدد من السجون وأماكن الاحتجاز، خلفهم عشرات آلاف الأسر التي تعاني معاناة
مضاعفة أيضا، والتي تتألم لألمهم، وتشتاق للحظة الإفراج عنهم، والجلوس معهم تحت
سقف واحد وعلى مائدة طعام واحدة.
رغم أن السلطات المصرية ضاعفت عدد السجون
عبر بناء المزيد منها منذ العام 2013 إلا أن السجون التي تضم المعتقلين السياسيين
تعاني تكدسا كبيرا، وحين نتحدث عن التكدس الآن فإننا نستحضر معه حالة الطقس
الحالية التي تضاف إلى ما يعانيه هؤلاء المعتقلون من ظروف اعتقال بائسة، حيث
يعانون الإهمال الطبي الذي تسبب في وفاة الكثيرين منهم، كما يحرمون من حقوقهم
الطبيعية التي تضمنتها لائحة السجون مثل حق التريض، والقراءة، والنوم المريح،
والأكل والشرب النظيف الخ.
تفاخر السلطات المصرية ببناء سجون نموذجية
وفقا للمعايير العالمية، لكن روايات المعتقلين سواء الذين قضوا سنوات في تلك
السجون، أو الذين لا يزالون حبيسي جدرانها تقول العكس تماما، حيث لا توجد فتحات
تهوية مناسبة، لا توجد إضاءة طبيعية مناسبة، لا توجد مساحات مناسبة للنوم والراحة،
فالزنزانة المخصصة لعدد معين تتكدس بأضعاف هذا العدد، مع حرمان المعتقلين من
حقوقهم المشروعة في الزيارات الطبيعية، وإدخال وسائل تهوية على نفقتهم، والأصل
أنها واجب على إدارة السجن ذاتها، ناهيك عن الإضاءة الدائمة(التي تمنع النوم)،
والمراقبة المستمرة، وانقطاع المياه، والتمييز في المعاملة، وكل ذلك من مظاهر
التعذيب.
بدءا من الأمس 25 يوليو تموز وحتى نهاية
الشهر أطلقت العديد من المنظمات الحقوقية المصرية
حملة إعلامية بعنوان "عايز
أتنفس"، وشعارها الرئيسي "الحرارة قد ترتفع، لكن لا يجوز أن تتحول
الزنازين إلى قبور مغلقة."، وهدفها تسليط الضوء على ما يعانيه المعتقلون في
ظل هذا المناخ شديد الحرارة والرطوبة، ورفع أصواتهم وأصوات أسرهم، والتأكيد على أن
التهوية والمياه والرعاية الصحية والحماية من الظروف المناخية القاسية حقوق
أساسية، وليست امتيازات يمكن سلبها أو استخدامها كوسيلة للعقاب.
تبنت الحملة عدة مطالب منها توفير تهوية
مناسبة داخل جميع أماكن الاحتجاز، وصيانة وتشغيل المراوح ووسائل التبريد المتاحة،
وضمان وصول مياه الشرب النظيفة والكافية إلى جميع المحتجزين بصورة مستمرة، والسماح
للمحتجزين بالاستحمام وتغيير الملابس وتوفير مستلزمات النظافة الشخصية، والحد من
التكدس داخل الزنازين والالتزام بالمساحات والمعايير الإنسانية والقانونية المقررة
لكل محتجز، وتوفير الرعاية الطبية العاجلة والدورية، خاصة لكبار السن والمرضى
وأصحاب الأمراض المزمنة.
كما دعت الحملة إلى رصد وتوثيق أوضاع
المحتجزين خلال موجات الحر، والسماح للجهات الحقوقية المستقلة بزيارة أماكن
الاحتجاز، والتحقيق في حالات الوفاة أو الإغماء أو التدهور الصحي الناتجة عن
الظروف القاسية داخل أماكن الاحتجاز، ومحاسبة المسؤولين عن الإهمال أو التعنت أو
الحرمان المتعمد من الاحتياجات الأساسية التي تعرض حياة المحتجزين وسلامتهم للخطر،
والأهم من كل ما سبق الإفراج عن المحتجزين تعسفيًا والمحبوسين احتياطيًا لفترات
مطولة، وإنهاء استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة مفتوحة المدة.
مأساة المعتقلين السياسيين في مصر الممتدة منذ العام 2013 ليست هي الحرارة، أو الرطوبة، أو غياب الرعاية الصحية وإن كان كل ذلك جزء منها، لكن المأساة الأصلية هي استمرار حبس واعتقال هؤلاء البشر، وتجديد حبسهم بشكل مستمر تحت مسمى "إعادة التدوير" بشكل يقتل الأمل في النفوس..
وفي تقرير حمل عنوان " التكدُّس داخل
السجون المصرية.. كأداةٍ للعقاب النفسي والصحي" أصدرته وحدة البحوث في رابطة
أهالي المعتقلين المصريين، أكد أن التكدّس السجني في ظل التغير المناخي لم يعد
مجرد مشكلة تتعلق بالمساحة، أو القدرة الاستيعابية، بل أصبح عاملًا مضاعفًا
للمخاطر الصحية والإنسانية. فاستمرار احتجاز أعداد كبيرة من الأشخاص في بيئات
مكتظة تفتقر إلى التهوية والتبريد الكافيين، رغم إمكانية اتخاذ تدابير تخفيفية
معروفة، يثير تساؤلات جدية حول مدى امتثال السلطات لالتزاماتها القانونية بحماية
حياة المحتجزين وصحتهم. وفي هذا السياق خلص التقرير إلى أن تجاهل المخاطر المناخية
المتوقعة، وعدم اتخاذ تدابير وقائية فعالة داخل أماكن الاحتجاز قد يجعل التكدّس
أداةً لإنتاج معاناة يمكن توقعها مسبقًا، يرقى إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية أو
مهينة وفقًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
مأساة المعتقلين السياسيين في مصر الممتدة
منذ العام 2013 ليست هي الحرارة، أو الرطوبة، أو غياب الرعاية الصحية وإن كان كل
ذلك جزء منها، لكن المأساة الأصلية هي استمرار حبس واعتقال هؤلاء البشر، وتجديد
حبسهم بشكل مستمر تحت مسمى "إعادة التدوير" بشكل يقتل الأمل في النفوس،
ويدفع البعض للانتحار في محبسه، لتظل هذه الأرواح في رقبة من حبسها ظلما وعدوانا،
كما يتحمل المسئولية كل من برر هذه الاعتقالات أو سكت عنها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.