بعد ثلاثة عشر عاماً على 3 يوليو في مصر.. حان وقت السؤال الصحيح

رضا فهمي
"مصر خلال ثلاثة عشر عاماً لم تتوقف، بل تحولت"- عربي21
"مصر خلال ثلاثة عشر عاماً لم تتوقف، بل تحولت"- عربي21
شارك الخبر
في ذكرى الثالث من تموز/يوليو، لا يزال من الطبيعي أن يشغل المصريين سؤال ما جرى في ذلك اليوم، بما حمله من آثار كارثية عميقة على الدولة والمجتمع ومسار الحياة السياسية في مصر. غير أن مرور ثلاثة عشر عاماً يفرض إلى جانب هذا السؤال سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل أصبح لدى المصريين اليوم بديل سياسي قادر على استعادة الدولة وإدارتها بكفاءة ومسؤولية؟

لقد شكّل الثالث من يوليو انعطافة كبرى في التاريخ السياسي المصري، وما تلاه لم يكن مجرد امتداد للحظة واحدة، بل مرحلة أعادت تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي بدرجات عميقة. ولذلك فإن التعامل مع ما جرى باعتباره لحظة ثابتة لا تتغير، لم يعد كافياً لفهم الحاضر أو استشراف المستقبل.

فخلال هذه السنوات، تغيرت بنية الدولة، وتغيرت طبيعة التحديات التي تواجهها، كما تغيرت خريطة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، سواء داخل السلطة أو خارجها. لم يعد المشهد كما كان في لحظته الأولى، بل أصبح أكثر تعقيداً وتشابكاً، بما يجعل أي قراءة جامدة للماضي عاجزة عن تقديم فهم دقيق للواقع.

الحديث عن بديل سياسي في مصر لم يعد ترفاً فكرياً أو شعاراً سياسياً، بل أصبح سؤالاً عملياً يتطلب إجابات واضحة. وقد بدأت بالفعل بعض الجهود السياسية الجادة في محاولة التعامل مع هذا السؤال

وفي المقابل، لم تعد قوى المعارضة أو التيارات السياسية على حالها أيضاً. فقد تراجعت بعض القوى، وتبدلت أولويات أخرى، وظهرت أشكال جديدة من العمل السياسي، بعضها لا يزال في طور التشكل، وبعضها يعيد تموضعه داخل المشهد العام. وهذا كله يعكس حقيقة أساسية: أن مصر خلال ثلاثة عشر عاماً لم تتوقف، بل تحولت.

ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تقييم ما جرى في الماضيتان أهميته، بل في الإجابة عن سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن إدارة مرحلة ما بعد هذا التحول؟ وكيف يمكن الانتقال من حالة الصراع حول الماضي إلى بناء تصور واقعي للمستقبل؟

إن المجتمعات لا تُدار بمجرد رفض الواقع القائم، ولا بمجرد الرغبة في تغييره، بل بوجود بديل قادر على طمأنة الناس إلى أن التغيير لن يقود إلى فراغ أو فوضى، بل إلى إدارة أكثر كفاءة واستقراراً للدولة ومؤسساتها.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن بديل سياسي في مصر لم يعد ترفاً فكرياً أو شعاراً سياسياً، بل أصبح سؤالاً عملياً يتطلب إجابات واضحة. وقد بدأت بالفعل بعض الجهود السياسية الجادة في محاولة التعامل مع هذا السؤال، ومن بينها مبادرات مثل "مؤتمر اليوم التالي"، الذي يمثل محاولة منظمة لفتح نقاش مسؤول حول قضايا الانتقال السياسي وإدارة الدولة في مرحلة ما بعد التغيير.

وقد تميز هذا الجهد بمشاركة ست مؤسسات من خلفيات فكرية وتنظيمية متنوعة، بما يعكس اتساع دائرة الاهتمام بمسألة المستقبل السياسي لمصر خارج الأطر التقليدية للاصطفاف السياسي.

كما شهد المؤتمر إنتاج عدد كبير من الأوراق البحثية والتصورية ضمن ثمانية مسارات رئيسية جرى الإعلان عنها، تناولت قضايا الحكم والاقتصاد والأمن والإدارة الانتقالية وغيرها من الملفات الجوهرية المرتبطة ببناء الدولة.

ولعل ما يكتسب أهمية خاصة في هذا السياق هو أن المشاركين في إعداد هذه الأوراق لم يقتصروا على الداخل المصري فحسب، بل شملوا مصريين موزعين جغرافياً على قارات العالم الخمس، في دلالة على اتساع نطاق الاهتمام بمستقبل الدولة المصرية، ووجود طاقات فكرية ومهنية ترى في إعادة التفكير في المستقبل مسؤولية تتجاوز الحدود الجغرافية.

ورغم اختلاف التقديرات حول هذه الجهود، إلا أن أهميتها تكمن في كونها تعبيراً عن انتقال جزئي في التفكير السياسي، من الاكتفاء بالاعتراض إلى محاولة التفكير في مسؤولية الحكم، ومن نقد الواقع إلى محاولة تصور كيفية إدارته.

إن معيار البديل السياسي لا يُقاس بحدة مواقفه من النظام القائم فحسب، بل بقدرته على تقديم تصور جاد لإدارة الدولة: كيف تُدار مؤسساتها، وكيف يُحافظ على تماسكها، وكيف يُدار الانتقال السياسي دون تهديد لاستقرار المجتمع. فالثقة لا تُبنى على الشعارات، بل على الجدية في التعامل مع أسئلة الحكم.

أي مشروع تغيير حقيقي لا بد أن يجمع بين أمرين متلازمين: إدراك الحاجة إلى التغيير، والقدرة على تقديم بديل مطمئن وقابل للحياة

ولهذا فإن أي مشروع تغيير حقيقي لا بد أن يجمع بين أمرين متلازمين: إدراك الحاجة إلى التغيير، والقدرة على تقديم بديل مطمئن وقابل للحياة. فالتغيير دون بديل واضح قد يقود إلى القلق، كما أن انتظار البديل دون عمل سياسي جاد يجعله فكرة مؤجلة بلا أثر.

إن جوهر التحدي الذي يواجه مصر اليوم لا يتمثل فقط في استمرار الواقع القائم، بل في القدرة على إنتاج بديل سياسي يمتلك الكفاءة والقدرة على إدارة الدولة في لحظة التحول. وهنا تحديداً تكمن المساحة التي يجب أن يُبنى فيها العمل السياسي الجاد.

إن حركة ميدان، وهي تقدم هذا التصور في ذكرى الثالث من تموز/يوليو، لا تنشغل بإعادة إنتاج الجدل حول الماضي، بقدر ما تنشغل بمحاولة المساهمة في الإجابة عن سؤال المستقبل.

نحن نؤمن أن استقرار مصر وتقدمها لا يمكن أن يتحققا عبر الاستقطاب وحده، ولا عبر الغضب وحده، بل عبر مشروع سياسي يمتلك القدرة على الفهم والتخطيط والإدارة.

ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة الأساسية التي نوجهها اليوم هي أن مستقبل مصر لا يتوقف فقط على ما سيحدث للسلطة، بل على ما إذا كان هناك بديل سياسي عاقل وكفؤ قادر على تحمل مسؤولية الدولة عندما تتغير الظروف.

وفي هذا السياق، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف وقع ما وقع؟ بل: من الذي يمكنه أن يحمل مصر إلى مستقبل أفضل وآفاقاً أرحب؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل