من "العفو الرئاسي" إلى زنزانة "التجمع": صبري نخنوخ وتفكيك إمبراطورية البلطجة المشرعنة بمصر

سعد الغيطاني
"لماذا عفا السيسي عنه ابتداء، ولماذا تقرر الأجهزة السيادية الإطاحة به وكسر أظفاره الآن؟" (أرشيفية)
"لماذا عفا السيسي عنه ابتداء، ولماذا تقرر الأجهزة السيادية الإطاحة به وكسر أظفاره الآن؟" (أرشيفية)
شارك الخبر
مقدمة: نهاية صلاحية "الذراع الخفية"

لم يكن خبر إعلان النيابة العامة المصرية، في مطلع حزيران/يونيو 2026، عن إلقاء القبض على صبري نخنوخ وتفتيش مقراته ومسكنه، مجرد إجراء شرطي اعتيادي ضد تشكيل عصابي، بل مثّل زلزالا سياسيا وأمنيا كشف عن طبيعة العلاقات المعقدة والبراغماتية بين النظام السلطوي في مصر وأدوات العنف غير الرسمية. صبري نخنوخ، الذي عُرف لعقود بأنه "الأب الروحي للبلطجة" في مصر، والذراع الأمنية الموازية التي استعانت بها أجهزة نظام حسني مبارك لتزوير الانتخابات وقمع المعارضين، تحول في عهد عبد الفتاح السيسي من سجين محكوم بالمؤبد إلى "رجل أعمال رئيسي" يقود أكبر شركة أمن وحراسة في البلاد ("فالكون").

لكن هذا الصعود الأسطوري، الذي جرى برعاية مباشرة من أعلى سلطة في الدولة عبر عفو رئاسي مثير للجدل عام 2018، وصل إلى نهاية دراماتيكية صادمة. إن إعادة سجن نخنوخ اليوم، ومواجهته بترسانة من التهم الجنائية الثقيلة التي تشمل الخطف، والتعذيب، وهتك العرض، وحيازة أسلحة آلية وقطع أثرية، تفتح الباب على مصراعيه لفهم آليات عمل "الدولة العميقة" في مصر، وتطرح السؤال الجوهري الذي يشغل الشارع والنخب السياسية على حد سواء: لماذا عفا السيسي عن هذا المجرم ابتداء، ولماذا تقرر الأجهزة السيادية الإطاحة به وكسر أظفاره الآن؟

الصعود الأسطوري، الذي جرى برعاية مباشرة من أعلى سلطة في الدولة عبر عفو رئاسي مثير للجدل عام 2018، وصل إلى نهاية دراماتيكية صادمة

سر الخطيئة الأولى: لماذا عفا السيسي عن "إمبراطور البلطجة" وتوّجه ملكا على قطاع الأمن؟

لفهم الدوافع التي جعلت رئيس النظام المصري يصدر قرارا بالعفو الرئاسي عن صبري نخنوخ في أيار/ مايو 2018، تجب العودة خطوة إلى الوراء لقراءة السياق السياسي الذي أفرز هذه الشخصية. اعتُقل نخنوخ في آب/أغسطس 2012 إبان حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، في عملية أمنية مدفوعة بضغط سياسي وشعبي قاده رموز ثورة يناير (وفي مقدمتهم القيادي المعتقل محمد البلتاجي) لتطهير البلاد من رؤوس الثورة المضادة. أدين نخنوخ لاحقا بحكم بات ونهائي من محكمة النقض بالسجن المؤبد نتيجة لجرائم حيازة أسلحة ثقيلة، وإدارة شبكات بلطجة، وتجارة مخدرات.

إلا أن وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة غيّر قواعد اللعبة؛ فالنظام الجديد، الذي تأسس على أنقاض مسار ديمقراطي مجهض، أعاد تدوير رجالات نظام مبارك وأدواته الأمنية. تمثلت دلالات العفو عن نخنوخ عام 2018 في عدة نقاط استراتيجية:

- مكافأة الخدمات السابقة وتأمين الولاء: كان نخنوخ وشبكاته من "الفتوّات" والبلطجية يمثلون أداة حاسمة في ترويع الشارع وقمع التظاهرات المعارضة خلال الفترات الانتقالية وما بعد تموز/يوليو 2013. العفو عنه كان رسالة واضحة لكل شبكات العنف غير الرسمية بأن "الولاء للنظام يضمن الحصانة"، مهما بلغت فداحة الجرائم.

مفهوم "خصخصة الأمن": لم يكتفِ النظام بإطلاق سراح نخنوخ، بل قام بـ"مأسسة" نشاطه. وفي تطور لافت في أيلول/سبتمبر 2023، تم الإعلان عن استحواذ صبري نخنوخ على مجموعة شركات "فالكون" للأمن والحراسة، وهي الشركة التي تسيطر على أكثر من 60 في المئة من سوق الأمن الخاص في مصر، وتتولى تأمين الجامعات، والمطارات، والسفارات، والفعاليات الرسمية للدولة، بل وإنها تولت تأمين الاحتفالات الشعبية لحملة السيسي الانتخابية.

- دمج الاقتصاد الخفي بالاقتصاد الرسمي: تحول نخنوخ من زعيم عصابة هارب ومسجل خطر إلى رئيس مجلس إدارة شركة دولية كبرى، وهي قفزة جسدت رغبة الأجهزة السيادية في إدارة العنف الاجتماعي والاقتصادي عبر قنوات "قانونية" ظاهريا، وتحت إشراف مباشر من الدولة العميقة التي توظف هؤلاء القياصرة لإدارة الملفات القذرة بعيدا عن الرقابة القضائية.

إن إدراج اسم صبري نخنوخ في قوائم العفو الرئاسي عام 2018، والتي كانت تروج إعلاميا على أنها مخصصة لـ"الشباب والمعتقلين السياسيين"، عكس بوضوح أولويات النظام السيسي: تفضيل قادة الجريمة المنظمة وأرباب السوابق على حساب سجناء الرأي ورموز الفكر والمعارضة السلمية.

انقلاب السحر على الساحر: لماذا أُعيد "نخنوخ" إلى السجن الآن؟

جاء بيان النيابة العامة المصرية الصادر في حزيران/يونيو 2026 صادما في تفاصيله؛ إذ كشف عن قيام نخنوخ ورجاله باقتحام معرض سيارات في منطقة "التجمع الخامس" الراقية إثر خلافات مالية، والاعتداء على العاملين، وسرقة أجهزة المراقبة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أسفر تفتيش قصره ومقراته عن ضبط ترسانة أسلحة آلية، ورشاشات، وقرابة ألف طلقة، وقطع أثرية، إلى جانب تفريغ هواتف المتهمين الذي كشف عن فظائع تشمل وقائع خطف، وهتك عرض، واحتجاز مصحوب بتعذيب بدني وإكراه على توقيع مستندات.

هذا التحول المفاجئ والتحرك الأمني العنيف ضد رجل كان حتى الأمس القريب محميا ومقربا، يمكن تفسيره من خلال قراءة الصراعات الداخلية الحادة في بنية النظام المصري عام 2026:

- تجاوز الخطوط الحمراء واستعراض القوة في "المربع السيادي": ارتكب نخنوخ خطأ استراتيجيا قاتلا بنقل عمليات البلطجة وفرض السيطرة إلى منطقة "التجمع الخامس"، وهي المعقل السكني والاستثماري للنخبة العسكرية والسياسية والاقتصادية في مصر. إن ممارسة "البلطجة الفجة" واقتحام المعارض في هذا المربع أرسل إشارات بأن نخنوخ بات يرى نفسه فوق الدولة وفوق الأجهزة الأمنية ذاتها، وهو أمر لا يمكن لأي نظام سلطوي أن يتسامح معه؛ إذ إن النظام يحتكر العنف، ولا يسمح لشريك غير رسمي بأن يستعرض قوته علنا بشكل يهدد هيبة السلطة ويهز ثقة المستثمرين والنخبة الحاكمة.

- تضخم النفوذ وصراع الأجنحة السيادية: بالاستحواذ على شركة "فالكون"، أصبح تحت إمرة نخنوخ جيش جرار من الحراس المسلحين والمدربين، يمتلكون أجهزة اتصال لاسلكية ومعدات تقنية متطورة (تم ضبط جزء منها غير مرخص في منزله). هذا التضخم في القوة العسكرية والاقتصادية لزعيم بلطجة سابق بدأ يثير قلقا داهما داخل أروقة المخابرات والأمن الوطني؛ خشيت هذه الأجهزة من تحول نخنوخ إلى "أمير حرب" محلي أو مراكز قوى عصية على السيطرة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد والتي تجعل السيطرة على السلاح والعنف أمرا مصيريا لبقاء النظام.

- تصفية الحسابات والبحث عن "كَبش فداء": يعاني النظام المصري حاليا من ضغوط شعبية واقتصادية خانقة، وقد تكون الإطاحة بنخنوخ ومحاكمته علنا بمثابة "مَسرحية سياسية" تهدف لإعادة تسويق فكرة "دولة القانون" وأن "لا أحد فوق المحاسبة"، لامتصاص الغضب العام، بالإضافة إلى احتمال وجود إعادة هيكلة داخلية لملف الأمن الخاص وشركات الحراسة، حيث تقرر سحب بساط هذا البيزنس الملياري من تحت أقدام نخنوخ لصالح قيادات وأجنحة أخرى داخل المؤسسة الأمنية الرسمية بشكل مباشر.

أُعيد نخنوخ إلى السجن ليدفع ثمن وهم القوة وظنه أنه أصبح شريكا في الحكم، بينما هو في حقيقة الأمر لم يكن سوى بند مؤقت في أجندة السلطة

إن فحص محتويات الهواتف وضبط الآثار والأسلحة والحديث عن عقوبات قد تصل إلى السجن المشدد أو الإعدام، يعكس رغبة أمنية جادة هذه المرة في إنهاء ظاهرة نخنوخ تماما، بعد أن أدى الدور المطلوب منه وانتهت صلاحيته الاستراتيجية، وتحول من "أداة نافعة" إلى "عبء أمني وسياسي" يهدد تماسك النظام وصورته.

خاتمة: درس الطغاة وأدواتهم

تظل قصة صبري نخنوخ، في صعوده وهبوطه، نموذجا كلاسيكيا لكيفية تعامل الأنظمة الديكتاتورية مع أدواتها من الخارجين عن القانون. يستخدمونهم لترهيب الخصوم، وتأمين الشوارع وقت الأزمات، والقيام بالمهام القذرة التي تعجز الأجهزة الرسمية عن تبنيها علنا، ثم يمنحونهم المكافآت والحصانة والشركات المشرعنة كـ"فالكون". لكن القاعدة التاريخية الثابتة تؤكد أن هذه الأنظمة لا أمان لها، وعندما تتضخم أدوات العنف الموازية لدرجة تهديد احتكار الدولة للقوة، أو عندما تقتضي الحاجة تقديم كبش فداء لتبييض وجه النظام، يتم التخلص منها بلا هوادة.

أُعيد نخنوخ إلى السجن ليدفع ثمن وهم القوة وظنه أنه أصبح شريكا في الحكم، بينما هو في حقيقة الأمر لم يكن سوى بند مؤقت في أجندة السلطة.

سؤال للقراء:

كيف ترون مستقبل إدارة بيزنس الأمن الخاص في مصر بعد الإطاحة بصبري نخنوخ؟ وهل تعتقدون أن النظام سيستغني فعليا عن خدمات شبكات البلطجة، أم أننا سنشهد ولادة "نخنوخ جديد" قريبا؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل